صنعاء 19C امطار خفيفة

حكومة الوجوه المتعددة  في الشخص الواحد..

عن الحاجة إلى وجوه جديدة ودور المرأة في إعادة بناء الدولة.

بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب، والانقسام، والتشظي السياسي، يبدو السؤال عن تغيير الحكومة في اليمن سؤالًا مشروعًا، لكنه في الوقت ذاته مُثقل بخيبة الأمل. فالتغيير، كما جُرِّب مرارًا، كان في الغالب شكليًا، يدور في الحلقة نفسها، ويُعيد إنتاج الوجوه ذاتها، والخطابات ذاتها، والآليات ذاتها، دون أن يلامس جوهر الأزمة أو يفتح أفقًا حقيقيًا لبناء دولة.

الحكومة، بصيغها المتعاقبة، لم تنجح في إعادة التوازن السياسي، ولا في ترميم ما خلّفته سنوات الحرب من دمار اجتماعي واقتصادي ومؤسسي. بل إن كثيرًا من قراراتها بدت منفصلة عن الواقع، تُدار من خارج البلاد، أو تُصاغ بمنطق التوافقات الضيقة، لا بمنطق المشروع الوطني الشامل. ومع مرور الوقت، ترسّخ شعور عام لدى اليمنيين بأن الدولة تُدار بالحد الأدنى، وأن التغيير أصبح مجرد مصطلح يُستهلك إعلاميًا دون أثر فعلي.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول الخارجة من الحروب ليس فقط الدمار المادي، بل استمرار النخب نفسها التي فشلت في إدارة الأزمات. فإعادة تدوير الفشل لا تصنع انتقالًا سياسيًا، ولا تبني مؤسسات، ولا تُعيد الثقة بين الدولة والمجتمع. وعلى هذا الأساس، فإن أي حديث جاد عن تغيير حكومي يجب أن يبدأ من مراجعة عميقة لمعايير الاختيار، لا من تبديل الأسماء داخل الدائرة ذاتها.
من هنا، تبرز الحاجة إلى تفكير خارج الصندوق السياسي التقليدي، تفكير يُعيد الاعتبار للكفاءة، والخبرة، والنزاهة، والقدرة على التأثير، بدل الانتماءات الضيقة والمحاصصات. وأحد أهم مداخل هذا التفكير، الذي طالما جرى تجاهله أو التعامل معه بحذر مفرط، هو إشراك المرأة اليمنية في مواقع القرار العليا.
لا يمكن الحديث عن إعادة بناء الدولة في اليمن، بينما نصف المجتمع يُقصى أو يُختزل في أدوار هامشية. فالمرأة اليمنية، خلال سنوات الحرب، لم تكن غائبة عن المشهد، بل كانت حاضرة بقوة في العمل الإنساني، والحقوقي، والثقافي، والإعلامي، والتعليمي. وفي كثير من الأحيان، كانت أكثر ثباتًا، وأكثر التصاقًا بالناس، وأكثر قدرة على العمل في ظروف بالغة الصعوبة، مقارنة بمؤسسات رسمية انهارت أو شُلّت.
إن إشراك النساء في الحكومة لا ينبغي أن يكون من باب التمثيل الرمزي أو "الديكور السياسي"، بل بوصفه خيارًا وطنيًا عقلانيًا يستند إلى الكفاءة والخبرة والتأثير الحقيقي. وفي هذا السياق، يمكن طرح مجموعة من الأسماء النسائية اليمنية التي تمتلك من المؤهلات ما يجعلها قادرة على إحداث فرق ملموس في أي حكومة قادمة، إذا توفرت الإرادة السياسية الجادة.
أروى عثمان
فعلى سبيل المثال، تُعد أروى عبد عثمان واحدة من أبرز الأسماء التي يمكن أن تضيف الكثير لوزارة التعليم العالي. فهي تمتلك خبرة واسعة في البحث العلمي، والعمل الثقافي والفكري والتراثي، إضافة إلى رؤية عميقة للعلاقة بين المعرفة والهوية الوطنية. وفي بلد يعاني تدهورًا خطيرًا في التعليم الجامعي والبحث العلمي، تصبح الحاجة إلى شخصية من هذا النوع ضرورة لا ترفًا.
وفي المجال الثقافي، تبدو الدكتورة آمنة النصيري نموذجًا لوزيرة ثقافة قادرة على إعادة الاعتبار لهذا القطاع الذي جرى تهميشه طويلًا. فهي أكاديمية جامعية، وكاتبة، وفنانة تشكيلية، ولها إسهامات محلية وخارجية رفيعة المستوى. والثقافة، في مرحلة ما بعد الحرب، ليست ترفًا، بل أداة لإعادة بناء الوعي، وترميم الذاكرة الجماعية، ومواجهة خطاب الكراهية والانقسام.

آمنة النصيري

أما في الإعلام، فإن جميلة علي رجاء تمثل اسمًا يمتلك خبرة تتجاوز الثلاثين عامًا في العمل الإعلامي، ومشاركات واسعة في محافل دولية، ومعرفة دقيقة بتعقيدات الخطاب الإعلامي في زمن الأزمات. الإعلام اليمني اليوم بحاجة إلى قيادة مهنية تعيد له دوره بوصفه مساحة للمساءلة، لا مجرد أداة دعاية أو صدى للانقسامات السياسية.
جميلة علي رجاء
وفي الشأن الاجتماعي والحقوقي، تبرز بلقيس اللهبي كإحدى الشخصيات القادرة على إدارة وزارة الشؤون الاجتماعية أو وزارة حقوق الإنسان، لما تمتلكه من خبرة في العمل الحقوقي والمدني، وحضور فاعل في قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. وفي بلد تتسع فيه رقعة الفقر، والانتهاكات، والهشاشة الاجتماعية، تصبح هذه الحقائب من أهم الوزارات، لا مناصب هامشية.
بلقيس اللهبي
هذه الأسماء، وغيرها كثير من النساء اليمنيات، لا تُطرح بوصفها حلًا سحريًا، ولا باعتبارها معصومة من الخطأ، بل كنماذج لما يمكن أن يكون عليه التغيير الحقيقي: كفاءة بدل الولاءات، خبرة بدل الشعارات، وتأثير اجتماعي بدل الخطاب الفارغ.
إن جوهر الأزمة في اليمن ليس غياب الكفاءات، بل غياب الإرادة السياسية لاستخدامها. فالدولة لا تُبنى بالأسماء المتكررة، ولا بالخطابات المستهلكة، بل بوجوه جديدة تحمل رؤى مختلفة، وتستمد شرعيتها من عملها، لا من تاريخها أو علاقاتها.
وفي النهاية، إذا كان هناك بالفعل توجه نحو تشكيل حكومة جديدة، فإن السؤال الأهم ليس: من سيغادر؟ بل: من سيأتي؟ ولماذا؟ وبأي مشروع؟. دون إجابة واضحة عن هذه الأسئلة، سيظل التغيير مجرد وهم، وستظل الدولة رهينة الماضي.
أما إذا أُخذ خيار إشراك النساء الكفؤات بجدية، لا كمجاملة سياسية بل كجزء من مشروع وطني، فقد يكون ذلك أحد المفاتيح القليلة المتبقية للخروج من الحلقة المفرغة، والبدء – أخيرًا – في بناء دولة حاضرة مع العالم اليوم

الكلمات الدلالية