صنعاء 19C امطار خفيفة

عبدالرحمن بجاش.. التفاصيل الصغيرة تصنع سيرة وطن

عبدالرحمن بجاش.. التفاصيل الصغيرة تصنع سيرة وطن

عبدالرحمن بجاش أقرب إلى أن يكون مزاجاً إنسانياً في الكتابة، حالة هادئة تمشي عكس الضجيج وتشتغل في المساحة التي لا يلتفت إليها أحد، لكنها حين تمر تترك أثراً لا يزول بسهولة. يكتب من قلب اللحظة، لكن بعين تتجاوزها، كأنه يحاول إنقاذها من أن تبتلعها عابريتها. يكتب لينقذ الذاكرة من النسيان، وينقذ الإنسان من العزلة. وفي زمن الضوضاء، يبدو هذا الشكل من الكتابة نادراً وشجاعاً.

لم يدخل الصحافة بوصفها مهنة، بل بوصفها اختباراً أخلاقياً. ولم يكتب لأن الكتابة استعراض لغوي، بل لأن الصمت خيانة. الصحافة عنده أخلاق قبل أن تكون خبراً، ومسؤولية قبل أن تكون منصباً، والكتابة فعل وفاء للإنسان البسيط الذي لا يملك صوتاً إلا في هوامش الجرائد وصفحات الكتب. لذلك تبدو نصوصه وكأنها مكتوبة بمداد الذاكرة لا بحبر المطابع، وبصوت الحياة لا بصوت المؤسسات.
من حكايات العم قاسم إلى شهقة الفجر، ومن حافة إسحاق إلى لغلغي في صنعاء، لا نقرأ نصوصاً فحسب، بل نقرأ اليمن وهو يتكلم بصوت إنساني شفيف. لا نقرأ سيرة مؤلف بقدر ما نقرأ سيرة بلد. بلد يتحدث عبر أشخاص عاديين، عبر حكايات صغيرة تبدو للوهلة الأولى بلا أهمية، لكنها حين توضع في سياقها تتحول إلى مرآة واسعة لليمن بأوجاعه وسخريته الخفية، بقدرته العجيبة على النجاة، وعادته في تحويل المأساة إلى نكتة سوداء كي يحتمل العيش.
مؤلفات بجاش
عبدالرحمن بجاش لا يكتب من منصة الخطيب، بل من مقعد الجالس إلى جوار الناس. يكتب من الرصيف، من المقهى، من ذاكرة الحارة، من صوت الأم، ومن صمت الأب، ومن خيبة الشباب الذين كبروا أسرع مما ينبغي. لهذا تبدو كتابته صادقة بلا افتعال، حميمة بلا عاطفة مفرطة، ونقدية بلا قسوة متعالية.
وفي زمن صارت فيه الكتابة إما منشوراً سريعاً للاستهلاك أو خطاباً أيديولوجياً حاداً، تأتي تجربة بجاش كمنطقة ثالثة، كتابة هادئة متأنية تعرف أن الحقيقة لا تُقال بالصراخ، بل بالتراكم، وأن التأثير الحقيقي لا يحدث بالضربة القاضية، بل بالنقر المستمر على جدار الوعي.
أما في تجربته الصحفية، فقد ظل وفياً لفكرة أن المنصب لا يصنع الكاتب، بل الكاتب هو من يعطي المنصب قيمته. وحين تغدو المؤسسات عبئاً على ضمير الكلمة، يصبح الخروج منها شكلاً من أشكال النزاهة لا الهزيمة. هذه الروح تظهر في كتاباته كما تظهر في سيرته المهنية، روح لا تحب الأضواء، لكنها لا تقبل أن تكون جزءاً من العتمة.
يكتب كما لو أنه يخاف على الذاكرة اليمنية من النسيان، كأن كل نص هو محاولة صغيرة لإنقاذ مشهد أو شخص أو إحساس من الغرق في العدم. ولهذا فإن كتاباته ليست مجرد مقالات أو حكايات، بل أرشيف عاطفي لوطن، وسجل إنساني لحياة تُستنزف بسرعة أكبر مما ينبغي.
عبدالرحمن بجاش من أولئك الكتاب الذين لا يضيفون ضجيجاً إلى العالم، بل يضيفون معنى. لا يرفعون صوتهم، بل يرفعون قيمة الكلمة. وفي بلد أنهكته الخطابات العالية والوعود الكبيرة، تبدو كتابة بجاش تذكيراً بسيطاً وعميقاً بأن الوطن لا يُنقذ بالخطب بل بالصدق، وأن الكتابة حين تكون أمينة تتحول إلى شكل نبيل من أشكال المقاومة.

الكلمات الدلالية