نحن وهم... أم نحن جميعًا؟
لا تنهض أمة ولا تتجاوز أزماتها بمجرد توفر الموارد، أو تكدّس القوانين، أو حتى ارتفاع أصوات المنادين بالتغيير. النهوض عملية عضوية معقدة تتطلب إعادة النظر في العلاقة بين ثلاثة أركان أساسية: الفرد، والمجتمع، والمؤسسات. هذه المكوّنات لا يمكن أن تُقرأ كعناصر مستقلة، بل كمجالات متداخلة، كلٌّ منها يكمّل الآخر، وكل خلل في أحدها يرتدّ أثره على الباقيين. وإذا أردنا الخروج من دوّامة التكرار، فلعل من الضروري أن نبدأ بمساءلة الطريقة التي نفهم بها أدوار هذه الأطراف في واقعنا الراهن.
الفرد ليس مجرّد كائن بيولوجي يبحث عن البقاء، ولا آلة اقتصادية تنتج وتستهلك، بل هو عقل وشعور، وضمير قادر على أن ينير محيطه إذا ما توفّرت له بيئة تحترم كرامته وتؤمن بقدرته على المساهمة. لكنه، في كثير من الأحيان، يُزجّ به في زاوية ضيّقة لا يرى منها غير حدود نفسه أو أسرته، ويتحول من مشروع طاقة إلى كائن متوجّس أو مستسلم. حين يُربّى الإنسان على الخوف، أو يُقصى عن مواقع التأثير، أو يُختزل في دوره المعيشي فقط، فإن المجتمع يفقد مصدره الأساسي للتجدد.
وإذا انتقلنا إلى المجتمع، فسنجد أنه غالبًا ما يُصوَّر وكأنه كائن غامض له سلطته المهيمنة على الأفراد. والحقيقة أن المجتمع ليس سوى انعكاس تراكمي لتفاعل الناس فيما بينهم، لعاداتهم، لقيمهم، لما يقبلونه أو يرفضونه جماعيًا. المجتمع هو الذاكرة الحيّة لما نكرّره ونبنيه كل يوم، سواء عن وعي أو عن غفلة. ومتى ما شاعت في هذا النسيج مفاهيم الإقصاء أو التمييز أو السلبية، تحوّل المجتمع إلى بيئة خانقة تُنتج اللامبالاة وتعيد إنتاج الجمود. لكن هذا المجتمع نفسه يمكن أن يتحوّل إلى قوة تحرّك التغيير حين تتوفر فيه مساحات للتعبير، وقنوات للتفاعل، ومنابر تسمح بنقد بناء لا يقابل بالتهميش.
أما المؤسسات، فهي التجلي الرسمي لخيارات المجتمع وأدواته في التنظيم والإدارة. وهي تحتل مكانة حرجة؛ فإما أن تكون صمّام أمان، يضبط التوازن بين مصالح الأفراد والجماعات، ويوجّه الموارد نحو الأهداف العامة؛ أو تتجرد من الحسّ الإنساني لتصبح مجرد هياكل جامدة لا حياة فيها. المؤسسات ليست محايدة بطبعها؛ فهي تتشكّل بحسب الفلسفة التي تُدار بها، والنمط الثقافي الذي تنمو فيه. لذلك فإن الحديث عن إصلاح المؤسسات لا ينبغي أن يقتصر على محاربة الفساد أو تحسين الخدمات فحسب، بل يجب أن يشمل مراجعة الدور الحقيقي الذي تؤديه في صياغة الحياة العامة: هل هي مؤسسات توجّه أم تتسلّط؟ تحفّز أم تُعيق؟ تحتضن أم تُقصي؟
مشكلة مجتمعات كثيرة، ومنها مجتمعنا، ليست في غياب هذه الأركان، بل في غياب التناغم بينها. قد نجد أفرادًا ذوي كفاءة وفكر، لكنهم محبطون أو معزولون عن دوائر التأثير. وقد نجد مجتمعات متعاطفة ومترابطة في الشدائد، لكنها تفتقر إلى الرؤية الجامعة. وقد نجد مؤسسات مُنظّمة ظاهريًا، لكنها تفتقر إلى الحيوية الداخلية. هنا تتكشّف المفارقة: العناصر موجودة، لكن الرابط غائب.
الرابط الذي نفتقده هو تلك "الروح المشتركة" التي تجعل الفرد يشعر بأنه معنيّ بما يحدث حوله، وأن للمجتمع صوتًا يعبّر عن تنوعه، وأن للمؤسسة دورًا أبعد من اللوائح والخُطط. هذه الروح لا تُخلق من فراغ، بل من ثقافة متراكمة تؤمن بأن لا أحد يمكنه التغيير بمفرده، وأن القوة لا تكمن في المركز بل في التفاعل، وفي القدرة على العمل المشترك نحو هدف أوسع من المصالح الآنية.
السبيل إلى هذا التوازن يبدأ بإعادة الاعتبار للفرد، لا بوصفه رقمًا في الإحصاءات، بل كعنصر مُنتج للأمل والفكرة. ويبدأ بإحياء الحسّ الجماعي داخل المجتمع، ليغدو ساحة للحوار. ويبدأ أيضًا بتحوّل المؤسسات من مراكز قرار فوقي إلى منصّات إنصات وتيسير. كل ذلك يحتاج إلى شجاعة في التفكير، وإرادة في التطبيق، ونَفَس طويل يؤمن بأن التغيير الحقيقي لا يُقاس بالأشهر، بل بالتحولات العميقة التي تتراكم على مرّ الزمن.
في اليمن، حيث يتشابك الألم مع الأمل، والتحديات مع الإمكانيات، تبدو هذه المعادلة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. نحن لا نفتقر إلى الرغبة في التغيير، بل إلى البوصلة التي تحدد كيف نُغيّر وماذا نُغيّر، ومن أين نبدأ. وبلا شك، فإن إدراك الترابط بين الفرد والمجتمع والمؤسسات يمكن أن يكون تلك البوصلة التي نبحث عنها جميعًا، لعلّها تقودنا إلى وطن يليق بتضحيات أبنائه وآمال أجياله.