صنعاء 19C امطار خفيفة

إيران.. لحظة الفراغ وما بعدها

الدول التي تُبنى على هيئة عقيدة لا تورّث مؤسسات راسخة بقدر ما تورّث فراغاً رمزياً هائلاً وأسئلة يتيمة. ليس سقوط النظام الإيراني إن وقع مشهداً احتفالياً صافياً كما تتخيله المخيلة الثورية، بل لحظة ارتباك كبرى شبيهة باللحظة التي تعقب انهيار جدار عتيق. الغبار يعمّ المكان والرؤية تَضيق والفراغ يبدو أوسع وأخطر مما ظنه الجميع. قد يسقط النظام في ساعات، غير أن الدولة لا تعود إلى الحياة إلا بعد سنوات طويلة من ترميم الوعي قبل ترميم البنيان.

الأيديولوجيا حين تستبد بالسلطة زمناً طويلاً لا تكتفي بتشويه السياسة، بل تعيد تشكيل الوجدان العام. يتحول الخلاف من تنافس على البرامج إلى صراع على "الحق المطلق"، وتُزرع في العقول فكرة أن الخصم ليس شريكاً في الوطن بل تهديداً وجودياً يجب استئصاله. لذلك فإن ما بعد السقوط قد يكون أكثر تعقيداً من لحظة السقوط نفسها، إذ تنتقل المعركة من الشارع إلى العقل، ومن إسقاط السلطة إلى إعادة تعريف معنى الدولة.
أجمل السيناريوهات وأقساها في الوقت نفسه هو ميلاد دولة مدنية حقيقية، بلا وصاية فقيه ولا قداسة أيديولوجيا، دولة دستور وقانون ومواطنة. لكنه حلم مشروط بنضج جماعي ونخب تؤمن بالشراكة لا بالمغالبة، وقوى تقبل المساءلة بعد طول تسلط. في هذا الطريق لا يكفي إسقاط النظام بل يجب إسقاط عقلية الغنيمة، فالدولة لا تُبنى بالثأر ولا بمنطق الغالب والمغلوب بل بمنطق المسؤولية المشتركة.
بين الحلم المدني والفوضى المحتملة، تتوزع احتمالات ما بعد السقوط على عدة مسارات قد تتقاطع أو تتصارع. التاريخ يميل غالباً إلى السيناريو الأقل شاعرية، مرحلة انتقالية مضطربة، حكومات مؤقتة، صراع على "شرعية الثورة"، أزمات اقتصادية، وشوارع تتقاسمها نشوة الحرية وخوف الفوضى. ومع غياب مركز السلطة، قد يبدأ التفكك بانهيار الثقة في الدولة الجامعة، لا بشعارات الانفصال، إذ تتحول إيران إلى فسيفساء من هويات وقوميات، تُعاد رسم خرائط النفوذ فيها غريزياً أكثر من وعي.
قد يحدث النقيض، يسقط النظام الديني لتنهض دولة عسكرية بلباس وطني، تُستبدل فيها العمامة بالبزة العسكرية، ويُسوَّق الاستبداد كضرورة أمنية لا كعقيدة. وفي قلب ذلك يتفجر صراع النخب الثورية التي توحّدت عند الهدم وتفرّقت عند البناء، فيما تتغير صورة إيران إقليمياً، ويُعاد تعريف نفوذها وعلاقاتها الخارجية بحذر وبراغماتية، لأن التاريخ ثقيل الذاكرة والجغرافيا لا تنسى بسهولة.

الكلمات الدلالية