صنعاء 19C امطار خفيفة

هل للجنوب قضية؟

قرأتُ مؤخرًا مقالاتٍ لبعض الكتّاب من إخوتنا في الشمال ينكرون فيها أن يكون للجنوب قضية، وهو إنكار لا يمكن فهمه إلا بوصفه استخفافًا بنضالات الجنوبيين منذ انطلاق الحراك الجنوبي السلمي عام 2007م وحتى اليوم.

تلك النضالات التي لم تكن شعارات عابرة، بل تضحيات جسيمة قدّم فيها الجنوبيون شهداء وجرحى، وتعرّض الآلاف للاعتقال والملاحقة، وسُجّلت بحقهم مظالم وانتهاكات حقوقية اعترف بها لاحقًا أركان النظام السابق أنفسهم.

إن القضية الجنوبية ليست ادعاءً طارئًا ولا اختراعًا سياسيًا، بل حقيقة سياسية وحقوقية اعترف بها اليمنيون رسميًا حين كانت محورًا رئيسيًا في مؤتمر الحوار الوطني، الذي ناقش جذورها التاريخية والسياسية، وأقرّ حزمة واسعة من الحلول لمعالجتها في إطار الدولة اليمنية، وهو اعتراف لا يمكن القفز عليه أو شطبه بقرار رأي أو مقال.

غير أن ما جرى لاحقًا من سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي عمليًا، وحلّه لنفسه سياسيًا وأخلاقيًا بعد محاولته احتكار تمثيل القضية الجنوبية، وممارسته سلطة الأمر الواقع، وارتكابه انتهاكات جسيمة بحق الجنوبيين أنفسهم، لا يعني بأي حال من الأحوال سقوط القضية الجنوبية ذاتها.

فالخلط بين القضية ومن يدّعي تمثيلها هو خلط متعمد أو جهل سياسي، لأن القضايا العادلة لا تموت بسقوط الأدوات التي أساءت استخدامها.

لقد رفض الجنوبيون ممارسات الإقصاء والتغوّل، وعبّروا بوضوح عن رفضهم لتحويل الجنوب إلى كانتونات مسلحة أو إقطاعيات نفوذ، أو ساحة صراع إقليمي تُدار بالوكالة. وهذا الرفض الشعبي يؤكد أن القضية الجنوبية أوسع وأعمق من أي كيان أو قيادة، وأنها قضية شعب لا قضية جماعة.

القضية الجنوبية، في جوهرها، قضية حقوق وعدالة وشراكة متكافئة، وقضية استعادة دولة القانون والمؤسسات، وضمان كرامة الإنسان الجنوبي، وتمكينه من إدارة شؤونه بحرية ومسؤولية، بعيدًا عن الاستبداد، سواء جاء باسم الوحدة أو الانفصال.

أما إنكار وجود القضية الجنوبية اليوم، فهو لا يخدم إلا إعادة إنتاج الأزمة، ويدفع نحو مزيد من الانقسام، ويغلق أبواب الحوار العقلاني. فالقضايا الوطنية الكبرى لا تُحل بالإنكار، بل بالاعتراف، ولا تُعالج بالتخوين، بل بالسياسة، ولا تُطوى بالقوة، بل بالعدالة.

نعم، للجنوب قضية…

قضية لا يسقطها فشل الانتقالي، ولا يلغيها خطاب الإنكار، ولا تختصرها مشاريع الخارج، بل ستظل حاضرة ما لم يُعالج أصل المظلمة، ويُبنى وطن يتسع لجميع أبنائه على قدم المساواة.

الكلمات الدلالية