صنعاء 19C امطار خفيفة

من كواليس الغشمي إلى صعود صالح: أبو أصبع يروي فصولاً من سياسة اليمن المضطرب

في بلدٍ لا تُكتب تاريخه الوثائق وحدها، بل تُعيد صياغته الانقلابات، وتُسجّله المطاردات، وتُفسّره التحالفات المتبدّلة، يفتح يحيى منصور أبو أصبع، رئيس اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، بابًا على مرحلةٍ بالغة الحساسية في سردية اليمن الحديثة.

نستكمل هنا ما بدأناه في الحوار السابق، لنقترب من سنوات ما بعد اغتيال إبراهيم الحمدي، حين كانت صنعاء تعيش على حافة الاحتمالات.. دولة تتشكل بين مشروع القانون ومنطق القبيلة، وسلطة تتقاطع فيها أجهزة الأمن مع الأحزاب، وتتنازعها مراكز النفوذ والولاءات.

وفي قلب هذه المرحلة، يروي أبو أصبع للزميلة رحمة حجيرة، تفاصيل دقيقة عن كواليس الرئيس أحمد الغشمي.. هواجسه الأمنية، محاولاته لترتيب المشهد في الشمال والجنوب، ومساعيه لمدّ الجسور أو إحكام القبضة، في وقتٍ كانت فيه البلاد تمشي على خيطٍ رفيع بين "الدولة" و"العصابة". ثم اللحظة التي غيّرت كل شيء: انفجار مكتب الغشمي ومقتل مبعوث سالم ربيع علي، وما أعقبه من فراغٍ سياسي أعاد ترتيب القوى في ساعات.

ومن هذه النقطة تحديدًا، يفتح الحوار على الفصل الأكثر تعقيدًا.. كيف صعد علي عبدالله صالح إلى الواجهة، وكيف تراجعت القوى المدنية أمام ضغط المشايخ والوفود الخارجية، وكيف وُلد "التجمع الوطني" وانهارت رهاناته تحت واقعٍ كان يُدار بالتوقيعات والتهديد والصفقات، لا بالبرامج والشرعية الشعبية.

"النداء" تنشر النص الكامل للحلقة بالتزامن مع عرضها المصوّر على قناة "حكايتي" في يوتيوب.


Addtext

رحمة: مساء الخير. هناك رجال تصنعهم الكتب، ورجال تصنعهم الجبال. إلا أن يحيى منصور أبو أصبع صنعته الكتب والجبال. اختار طريقًا وعرًا، بين الليل والسلاح، بين الخوف والإيمان، بين الحلم والدم.

ستون عامًا من العمل السياسي والجماهيري، من المطاردة والخوف، والتحالفات والانكسارات، من بناء الجبهة الوطنية، من الزواج والأبوة، والاختفاء والعودة.

في هذه الحلقة نفتح أخطر صفحة في حياته؛ تلك التي سكن فيها قلب الصراع، ومرّ فيها بين الجماعات، ومع مختلف الرؤساء، ووقف أكثر من مرة على حافة الموت، لكنه كان يخرج في كل مرة بهدوء وحكمة. كنا نتعرّف على سره الحقيقي، وكيف خرج من كل ذلك بلا روح  ثأر بل بروح صلح.

أهلًا وسهلًا أستاذ يحيى، ونستكمل حوارنا السابق الذي كنا قد وصلنا به عندما أخذك الرئيس الغشمي، وأدخلك إلى غرفة، ثم دخلتَ إلى الغرفة التي كانت مضاءة باللون الأحمر.

أبو أصبع: شكرًا جزيلًا، وأنا سعيد جدًا باللقاء بكِ أستاذة رحمة، وبهذا البرنامج الجميل، التاريخي، والهام جدًا. وبالطاقم التي معكِ أنا سعيد جدًا، وأشكركم جميعًا.

رحمة: يعطيك العافية، ونحن سعداء بوجودك معنا، وبروايتك البسيطة للتاريخ، وأنت تروي سيرة الناس وسيرة وطن أكثر من أنك تتحدث عن نفسك. والآن دعنا نعود إلى الرئيس أحمد الغشمي، بعد أن اعترف لك أنه يقوم بالتسجيل ويراقب الرئيس إبراهيم الحمدي، ولديه أجهزة تجسس.

أبو أصبع: لقد وصلنا إلى نقطة عندما قال لي الشيخ النقيب: بالطبع أنا أخذت الأمر، وكان أنه أي قضايا على يحيى منصور، سياسية أو جنائية، لا يتدخلون فيها، ويجب رفعها للرئيس.

وكان هذا الأمر في منتهى الغرابة. وبعد أن خرجت من عنده قال: أنا أريدك أن تحل مشاكلك في القرية ثم تعود، لأنني أريدك من أجل الجنوب. قال  وبالحرف  الواحد: أريد أنا وأنت، يا يحيى أبو أصبع، من أجل عمل دولة القبائل لـ 200 عام. نتعاون: أنت من ذو محمد، وأنا من همدان.

فقلت له: سنتحدث في هذا الموضوع بعد أن أعود، لأن لدي وجهة نظر. واتفق عبد الله البشيري، وقال: أنا جاهز لأنفذ تعليمات الأخ الرئيس. ثم جاء بعد قليل مدير الأمن أحمد الكهالي، وقال لي: أستاذ يحيى، أنا آسف جدًا، جاء اتصال من المحافظ بأن نلقي القبض عليك.

عبدالله حسين البشيري

قلت له: أهلًا وسهلًا، تفضل.

وطبعًا عرفت الآن أن الأمر لم يصل بعد إلى المحافظ؛ هم لديهم أوامر بإلقاء القبض عليّ، مقتولًا أو مأسورًا. وكانت الحملات العسكرية موجودة في قريتنا بالربادي، والسجون ممتلئة بالمساجين، حوالي 86 طفلًا في سجون جبلة والزاجر والشرطة العسكرية. وحاولت أن أسلمه البندق والجنبية، فرفض وقال: لن آخذها. قلت له: خذها، لأنني محبوس، محبوس. ثم وضعها هناك.

وقلت له: سأنزل إلى حبس السُّد التابع للأمن. فقال: لن تنزل. فقلت له: أبدًا، أنا محبوس. فقال: ابقَ هنا في هذه الغرفة محبوسًا، وسنمنع الداخل والخارج عندك.

وبعد قليل جاء عبدالرحمن عزالدين حينما عرف أنني محبوس، ثم خرج واتصل بأحمد منصور وعبدالحميد الحدي، لأنه كان على تواصل في أي وقت بالرئيس الغشمي، وكذلك حمود قطينة. واتصلوا بالرئيس، والرئيس اتصل بالمحافظ وقال: ماذا عملتَ أيها المحافظ؟ قال: أنا لم توجد لدي أي فكرة، هو موجود في إب ونحن نطارده. فقال: ولكن هو لديه أمر إلى عندك، الآن أخرج يحيى منصور.

أحمد الغشمي

قال له: تمام. ثم جاء مدير الأمن وقال: المحافظ على الخط. قلت له: لن أرد عليه. وعرفت أن الأمور تحركت، وقال: المحافظ أمر بإطلاقه. وقلت: لن أخرج إلا بأمر الغشمي، وليس بأمر هذا الملكي. وبعد ذلك نحن عقدنا صداقة عظيمة.

طبعًا عبدالرحمن عزالدين تحرك، وكانت منظمة الحزب مسيطرة على إب من الطرف إلى الطرف، وكل الأرياف.

رحمة : وأنا أريد أن أعرف، هل الحزب الديمقراطي الثوري كان لديه حضور كبير في صنعاء وبقية مناطق شمال الشمال؟

أبو أصبع: نعم، لقد كان له حضور في كل الأماكن. بعد ذلك بقليل اتصل بي أحمد الغشمي، وقالوا: الرئيس على الخط. أمسكت بالتلفون، وقال: ستقول إنني قمت بهذه الحيلة حتى أعتقلك في إب. قلت له: أنا واثق. وقال: المحافظ يريد رؤيتك. قلت له: هذا ملكي، صدر بقرار جمهوري منك أنت والحمدي.

قال: على كل حال، هو مُلحّ و يريد رؤيتك. وجلست مع الأخ المحافظ، ثم جاءوا وفود إب بعد أن حشدت المنظمة العلماء والمشايخ وغيرهم. وكان أكبر وفد برئاسة الأستاذ محمد الربادي تضامنًا معي، ومحمد القحصة، وعلي بن يحيى الحداد، ومحمد علوان، وعلي عبده عمر، وغيرهم.

محمد الربادي

رحمة: ولكن ماذا كان موقفهم عندما أخبرتهم عن طلب الرئيس الغشمي أنكم تؤسسوا لدولة القبائل لـ 200 عام؟

أبو إصبع: المهم هنا أننا انتهينا في إب، وتم الإفراج عن المساجين بدون «رُسامة». والرُسامة: عندما يتم إدخال إنسان السجن، يأخذون منه رٌسامة لدقّ القيد، وعندما يخرج يريدون رُوسامة لفكّ القيد. المهم خرج جميع المساجين، وقائد المحافظة عبد الله البشيري أمر بعودة الحملة دون أن يخسروا المواطنين؛ لأنهم كانوا يريدون أجرة من المواطنين. وقال لهم البشيري: «عودوا وأنا أُؤجِّركم». بعد ذلك عدتُ إلى الغشمي، وقال لي: «حتى نبني دولة القبائل، أنا ماسك الشمال، وأريدك أن تمسك الجنوب. أريدك أن تمسك الجبهة القومية من هنا و أمسك بياقة الكوت الخاصة به، وسألني: «هل أنت تعرف القيادات المهمة في الجبهة القومية؟». قلت له: «نعم، جميعهم». قال: «هل تعرف عبدالفتاح وسالمين ومطيع وعلي ناصر». قلت له أعرفهم جميعاً من مستشفى جبلة،  وبالذات علي سالم رُبَّيع علي، عندما جاء وجلس عندنا لمدة أسبوع بعد أن أجرى عملية اللوز في مستشفى جبلة. وقال: «تمام، استغل هذه الفرصة، ومن الضروري أن تمسك الجبهة القومية، وأنا سأفعل لك كل ما تريد، وسأساعدك بكل ما تطلبه حتى نبني دولة فعلاً».

الرئيس سالم ربيع علي (سالمين)

قلت له: «انظر، أخي الرئيس، دولة القبائل إذا أردنا أن نبنيها يجب أن تكون دولة قائمة على العدل والمساواة والنظام والقانون». قلت له: «قبيلة بني أمية أو العباسية أو أي قبيلة في التاريخ الإسلامي، الذين بنوا الدول، بنوها على النظام والقانون والعدالة». قال: «وهو كذلك». قلت له: «لا بد أن يكون لدينا برنامج سياسي نعمل عليه». قال: «اعمل لي برنامجًا سياسيًا». وذهبت عند عبدالوارث عبد الكريم، واطلعته على الأمور، وكلّف الأخ عبد الله علي الوصابي. طبعًا عبد الوارث وعبدالحميد حنيبر وآخرين استعانوا بأحمد قاسم دماج، وزيد دماج، وعبدالحفيظ بهران، وقاموا بعمل برنامج صغير؛ لأن الغشمي طلب مني برنامجًا صغيرًا، وقال: «لا تُكثِر بالكلام مثل هؤلاء  السياسيين الذين يكثرون من الكلام». وقال: «أريد برنامجًا»، وأشار بكف يده: «أضعه في الجيب». وقمنا بعمل برنامج صغير من حوالي خمس صفحات، ولكن ركزنا فيه على القضايا الأساسية.

عبدالله الوصابي

رحمة: ما هي القضايا الأساسية؟

أبو إصبع: أولًا، بناء دولة قائمة على النظام والقانون.

ثانيًا، بناء اقتصاد وطني يقوم على تشجيع رأس المال الوطني وتشجيع الاستثمارات.

ثالثًا، إلغاء نظام التنافي، وإلغاء المظالم على الناس، وجعل الزكاة أمانة. وركزنا على قضايا المواطنين: التركيز في التربية والتعليم في مجال كذا، والصحة في مجال كذا، والتنمية البشرية. كان برنامجًا متكاملًا، متماسكًا، وقصيرًا جدًا. فلما رآه قال: «تمام»، ووضعه في جيبه.

بعد ذلك قال: «أريدك الآن تتحرك إلى الجنوب». قلت له: «وهو كذلك». فالذي حدث أنني نزلت إلى إب، واتصلوا بي وقالوا: «هناك رسالة مستعجلة عبدالوارث عبد الكريم». . وذهبت، ولاحظي هنا كلام مهم وخطير. وصلت إليه، وقال: «أريدك أن تتحرك إلى حمود قطينة، قائد سلاح الاحتياط». وسلاح الاحتياط تلك الأيام كان نصف الجيش اليمني، وأقوى وحدة عسكرية، وكان رئيسها علي أبو لحوم قبل أن يقيله الحمدي. وقال: «اذهب وقل له إن الحزب الديمقراطي الثوري اليمني قرر أن يقوم بانقلاب عسكري، وأنت على رأسه».

هذا الموقف ليس فقط أرعبني، ولكن أذهلني. قلت له: «كيف علاقتكم بحمود قطينة؟ أنا أعرف أنه كان من أصدقاء الحمدي، وهو صديق أخي جدًا». فقال لي: «لا دخل لك. المهم أن تذهب إليه وتخبره بما أخبرتك به».

وذهبت إلى حمود قطينة الساعة 8:00 صباحًا، وهو خارج من منزله. ورأيته، قلت له إن الموضوع (1، 2، 3). وفي بداية الكلام، أنا وهو، وصل الشيخ حمود الصبري، شيخ الحيمة، وهو من خيرة رجالات اليمن. وقال لي: «أهلًا وسهلًا بك يا أخي يحيى. أصحابك ينشطون عندي في الحيمة وبني مطر، عبدالوارث عبد الكريم، وينشط حزبيًا». وأخبره أني مطلع على كل شيء، وأشجعه أنه أول سياسي يخرج من الريف القبلي. أخبره أني أشد على يده وأشجعه، وإذا احتاج شيئًا فأنا أدعمه.

حمود الصبري

طبعًا، حمود قطينة قال لي: «تعالِ غدًا بعد الفجر مباشرة». وذهبت، ولم يأتِ بعد الفجر إلا وانا عنده، قال: «ماذا يريد عبدالوارث؟». قلت له: «انقلاب، وأنت الزعيم». وبالطبع سيسمعني الآن الأستاذ حسن العديني، وهو شخصية سياسية وفكرية محترمة جدًا، وهو  ينتقد الحزب من موضوع الاتصال بحمود قطينة، ولكن أنا أقول له: بالنسبة لي، أنا كنت رسولًا، ونفذت تعليمات عبدالوارث عبدالكريم وذهبت إلى حمود قطينة. والعديني يقول: «إننا طلعنا بلداء مثل الناصريين في الانقلاب التابع لهم». وقلت له: «يوجد فرق بين الحزب الديمقراطي والانقلاب الناصري». حمود قطينة قال: «أريد أن أرى عبدالوارث، وأخبره بأنه يجب أن يكون غدًا عندي، ويأتي بعد منتصف الليل، لأن بعد بكرة سأسافر إلى موسكو». قلت له: «لماذا؟». قال: «وفد. أنا سأسافر إلى موسكو». قلت له: «كيف ترى؟». قال: «هو وفد محدد ومقرر من قبل الرئيس». قلت له:" الست قلق؟ فرد" القلق موجود".

وفي يوم الاثنين ذهب له عبدالوارث. وبينما عبدالوارث يحضر للانقلاب، أخبرني أن أبقى على تواصل مع أحمد الغشمي، حتى يشعر أنه لا يوجد شيء من جهتنا. والذي حدث أن الغشمي طلبني، واتصل محمد الأنسي إلى اخي أحمد منصور وسأله عني. قال له: «أين يحيى؟». قال: «موجود». قال: «أخبره بأن الغشمي يريده». فقال له: «غدًا الثلاثاء»، وهو اليوم الذي سافر فيه حمود قطينة إلى موسكو.

ذهبت إلى القيادة العامة، وخرج الغشمي وأنا عند الباب. وناديته، وقال لأحد الأطقم العسكرية: «أحضر الشيخ يحيى منصور». فأخذني صاحب الطقم معه، وظن أنني معتقل، ووضعوني إلى جانب السائق، وضيقوا علي. وفي ذلك اليوم وصل الغشمي أولًا إلى اللواء السابع مدرع، وكان يطلق عليه حينها الكتيبة السابعة مدرع، وهي التي كان قائدها علي قناف زهرة أيام الحمدي، ثم أصبحت بقيادة الأخ محمد أحمد السنباني. ونزل، ثم دخل وخرج بعد حوالي خمس دقائق، وأنا لازلت في الطقم.

علي قناف زهرة

ثم ناديت عليه، لأن صاحب الطقم منعني من النزول. وعندما التفت الغشمي قلت له: «الذين على الطقم يعتقدون أنني معتقل». فضحك وطلب مني المجيء، ثم ركبت إلى جواره في السيارة.

وتصوري مدى الحرص الأمني الذي كان لدى الغشمي؛ موكبه الذي بالأمام والخلف يمشون حسب الإشارة التي تصدر عن سيارته. عندما يريد أن يأخذ الطريق شمالاً يقول: «شمال» واذا يريد أخذ الطريق يميناً يعطي إشارة يمين. والموكب يسير على الإشارة، بمعنى أن الموكب الذي معه لا يعرف أين سيذهب أحمد الغشمي.

بعد ذلك وصلنا عند قوات الاحتياط، وأنا شعرت بالخوف وقلت: ربما قد تسرب له خبر. وعندما وصلنا قال لي: «ابقَ على السيارة». وهو دخل، ثم خرجت مجموعة من الضباط من برط، من أولاد عمي، وهم قادة في الاحتياط، على رأسهم ناجي محسن الدميني، رحمه الله، وهو رفيق قيادي، ومعه آخرون. وقال لي: «هل أنت تعمل؟ لماذا أتى الغشمي؟». قال: «أمر بتحرك قوات الاحتياط نحو الغرب». قلت له: «إلى أين؟ هل إلى الحديدة». قال: « المهم نتجه فورًا  وقت المغرب». وسألني: «ما الذي يجب علينا فعله؟»، لأن عبدالوارث كان مجهزهم لعمل شيء. قلت له: «أنا لا دخل لي بالعمل العسكري، اتصلوا بمسؤوليكم».

ناجي محسن الدميني

خرجنا واتجه إلى منطقة هبرة. كان هناك معسكر تابع للشرطة العسكرية والنجدة وغيرها. ودخل، وأمرهم بالتحرك نحو خولان مغرب. بعد ذلك صعد على السيارة، وكان صامتًا، وأنا كنت كذلك. وقلت في نفسي، عندما شعرت بالقلق: ربما وصل إليه خبر انقلابنا، وهو دعاني حتى يريني نهايتي، وكأنه يقول: «هؤلاء أصحابكم الذين اعتمدتم عليهم أخرجناهم شرقًا وغربًا، وأنت مصيرك سيكون عندي في البيت». ولكن عندما طلب من السائق صب الشاي لي وله، شعرت بالاطمئنان. وصلنا بعد ذلك إلى منزله، وقلت له: أخي الرئيس، من الملاحظ أنك لا تعتمد على قيادتك، قيادة الحرس، في التحركات، وكانت إشارة سيارتك هي التي تعطي التوجيهات.

عبدالله عبدالعالم

وقال: نعم، أنا حتى الآن لم أطمئن لأحد، حتى أقرب الناس إليّ. بعد ذلك أردت أن أفاتحه ماذا فعل، وقلت له: أخي الرئيس، أريد أن تكون مستيقظًا ومنتبهًا.

قال: كيف؟ قلت له: أنا سمعت أخبارًا عند بعض الضباط، قالوا: إذا كان الغشمي جاء بعد إبراهيم الحمدي، و الحمدي لديه من الثقافة والعلم والفقه، فما بالك بأحمد حسين الغشمي القبلي، وشلّ الدولة الآن؟ نحن لماذا لا نعمل مثل الغشمي؟

وقال: هناك ضباط لديهم هذا الطموح، ولكن أقسم لك بالله، لو لاحظت حركة من أي شخص لأقطعه من نصف جسده، حتى لو كان علي عبدالله صالح.

قلت له: عجيب، كيف؟ حتى لو علي عبدالله صالح؟ علي صالح أنت مقدِّمه على الجميع، حتى على إخوتك؟ قال: علي عبدالله صالح قبلهم جميعًا، يتقدم حتى على إخوتي.

قلت له: لماذا؟ قال: في أوائل السبعينيات مرضت بالعمود الفقري، وقاموا بجمع لنا المال، وذهبت للعلاج في أسمرة، وأنا في السرير شهرين لا أتحرك. إخوتي كانوا يجلسون بجواري ويذهبون، أما علي عبدالله صالح فقد كان يمرّضني، ويذهب بي إلى الحمام، ويغسلني، ويعمل معي ما تعمله الأم مع طفلها الرضيع، ولهذا هو في عقلي وقلبي.

احمد الغشمي وعلي صالح

ثم تساءلت عن الحركة الأخيرة التي قام بها. قال لي: كل الألوية العسكرية التي أنا أشك في ولائها أخرجتها خارج صنعاء، ما عدا قوات المظلات التي يرأسها عبدالله عبدالعالم، ولكن نحن محاصرون لهم. وقال: سيأتي الليل، ولا يوجد أحد في صنعاء، وهنا عليك أن تطمئن تمامًا بعد ذلك.

وحتى أختصر لك، قال لي بأنه وصلته رسالة هامة من علي سالم ربيع. قلت له: وماذا يريد؟ قال: يريد أن نجنّب الشطرين الحروب، ويريدنا أن نمسك القوة المتطرفة هنا أو هناك من افتعال مشاكل بين الشمال والجنوب، ويريد تنسيقًا اقتصاديًا ثقافيًا، ويريد لقاءً معي. قلت له: هذا شيء رائع.

وبعد ثلاث أيام أخبرني بالتلفون أنه أرسل رسالة إلى سالمين، وسالمين ردّ عليّ بنفس اللحظة، وقال: الرسالة إيجابية. ثم ذهبت إلى عبدالوارث عبدالكريم، وأخبرته: ما رأيك؟ ماذا أقول لهم؟ هل أطلب منه أن يريني الرسالة؟ قال: انتبه، لا تطلب من الرئيس إلا ما يعطيك هو. انتبه أن تطلب منه ذلك، لا دخل لك، ولا هذا عملك. قلت له: وهو كذلك.

ثم في وقت آخر ذهبت للبحث عن عبدالوارث عبدالكريم، وأخبروني أنه تم إسعافه إلى المستشفى. أخبرني بذلك عبدالحفيظ بهران ومحمد قاسم الثور، الذي كان طبيبًا في مستشفى الكويت.

عبدالحفيظ بهران

وقال: نحن أخذناه لأن وضعه الصحي كان سيئًا جدًا، وهو يسترجع دمًا، لديه قرحة بالمعدة. قلت: وكيف المستشفى؟ قال: اطمئن، أغلب دكاترة المستشفى حزب ديمقراطي، وفي القسم الذي هو فيه هناك شخص واحد فقط صديق للحزب، ولكنه بعثي.

وبعد ذلك جاءني اتصال من عبدالحفيظ بهران وطلب مني الحضور، وعندما ذهبت طلب مني الذهاب إلى عبدالوارث. لان جيش الشرطة العسكرية والجيش والأمن احتلوا مستشفى الكويت، ومحاصرين عبدالوارث وخميس، وعلي العتمي على رأس المحاصرين. وقد أحضروا قوات كثيرة لاعتقادهم أن الحزب الديمقراطي سيهجم ويتم تخليص عبدالوارث.

وقال: من الضروري أن تعمل شيئًا، اتصل بالغشمي.

واتصلت به، قلت له: أريد رؤيتك. قال: اليوم أنا لست متفرغًا. قلت له: ولكني أريدك اليوم. قال: تعالَ إلى ضلاع، إلى عند الشيخ محمد.

وذهبت له، وكان الشيخ موجودًا، وقلت له: عبدالوارث عبدالكريم مواطن يمني، وضابط في الأمن السياسي، وهو في الحزب الديمقراطي الثوري اليمني. عملوا له عملية جراحية خطيرة في مستشفى الكويت، والآن القوات المسلحة والشرطة العسكرية داخل المستشفى ويحاصرونه. لماذا؟ هل أنت رئيس دولة أم رئيس عصابة؟

قال: لماذا تقول هذا الكلام؟ قلت له: أنت أحمد حسين الغشمي، أنت الدولة القادمة، لمَ تدعهم يتصرفون هكذا؟ أخبرهم بأن يسرّحوا قليلًا من الضباط، ويتظاهرون بأنهم مرضى، ويرتدون اللبس المدني، وينامون بجواره.

قال: صحيح.

رحمة: ولكن أستاذ يحيى، أنت لم تخبرنا حتى الآن لماذا تمت محاصرة عبدالوارث. هل عرفوا بأنه يتم التخطيط للانقلاب؟

أبو إصبع: لا، الذي حدث أن بين الزملاء دكتورًا بعثيًا، وهو كان من أصدقائنا، وعرف أن عبدالوارث يجري عملية. محمد قاسم الثور قال: نحن حذرناه، لا يجب أن يعرف أحد إلا أنت. وقال: لا يمكن أن أتحدث أبدًا. ولكنه، ولأنه حزبي، ذهب وأخبر عبدالرحمن مهيوب، الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي، الذي هو نائب قاسم سلام، وقال له وطلب منه ألا يخبر أحدًا. عبدالرحمن مهيوب بعثي، ويعتبروا الغشمي قريبًا منهم، فاتصل به، وهو طلب منه أن يتصل بخميس، وذهبوا وقاموا بتلك الحركة.

محمد قاسم الثور

رحمة: أعتذر، أستاذ يحيى، عن المقاطعة، ولكن هناك شيء مفقود. أنت ذكرت لنا أنك ذهبت مع الغشمي وتناولت الشاي، وكان هناك تحضير للانقلاب، ولم تقل لنا ما الذي حدث. فلماذا بالأصل عبدالوارث مطلوب؟ ومتى علم الغشمي أن هناك انقلابًا؟

أبو إصبع: لم يتحدث الغشمي عن الانقلاب أبدًا.

رحمة: إذًا، لماذا يريدون اعتقال عبدالوارث عبدالكريم ويلاحقوه؟

أبو إصبع: لأن عبدالوارث مطلوب بشكل دائم، وهو متخفٍ منذ زمن، ولم يستطيعوا إلقاء القبض عليه. وجاءتهم فرصة تواجده في المستشفى. وقد كان مطلوبًا أكثر من أي سياسي يمني على الإطلاق، لأنه كان نائب رئيس الأمن الوطني، ويمتلك ثقافة واسعة وعلاقات واسعة مع الناس.

عبد الوارث عبد الكريم المختفي قسريا ايام الغشمي

رحمة: دعنا الآن نعود إلى نصيحتك للغشمي، أنه ليس بهذه الطريقة يتم اعتقال الرجل.

أبو إصبع: أخبرته وقلت له إنه رئيس دولة وليس رئيس عصابة، وما حدث تصرفات عصابة. ثم قال لي: والآن ماذا نفعل؟ قلت له: الأمر لك. وقال له محمد الغشمي شقيقه في هذا الموضوع: الذي يقول لك الشيخ افعله. وقال: أنا طلبت أن يقول لي ماذا أفعل. فقلت له: المطلوب منك أن ترفع الحراسة، وتطلب منهم أن يتركوا عبدالوارث، وتخبرهم أنه حينما يكون في صحة أفضل سأحضره إليك. قال: تحرك أنت الآن بسيارتي، وصل إلى المستشفى، وأمرهم أن ينسحبوا فورًا. قلت له: عبدالوارث، ماذا أقول له؟ فرد: ماذا ستقول له؟ قلت له: سأقول إن أحمد حسين الغشمي رفع الحراسة عنك، وهو يتأسف لما حدث لك من إزعاج، وعندما تتحسن صحتك سوف يستقبلك، وآخذك أنا إليه. فقال: أنا موافق على هذا الكلام. وقلت له: ماذا ستصرف له؟ قال: سأصرف له 30,000 ريال، وكان هذا المبلغ كبيرًا جدًا في تلك الفترة.

رحمة: كم كان يساوي هذا المبلغ إذا ما تمت مقارنته اليوم؟

أبو إصبع: أعتقد، بحساب هذه الأيام، تساوي 30 مليون ريال. بعد ذلك ركبت سيارة الغشمي، واتجهت إلى المستشفى، ووصلت باب مستشفى الكويت، ودخلنا. ودخلت على غرفة كبيرة، وعبدالوارث في زاوية فوق سرير، والأنابيب والمضخات كلها عليه، وكانت الشرطة العسكرية والأمن كلهم يمضغون القات داخل الغرفة، ويشربون السيجارة، وكانت الغرفة ممتلئة بالدخان، والفوضى تعمها. عندما دخلت، كنت ممسكًا بعلي العتمي، وقلت: يا عبدالوارث عبدالكريم. وهو رفع رأسه وقال: أيوه. قلت له: هل تسمعني؟ قال: نعم. هل تعرفني؟ قال: نعم، يحيى منصور. قلت له: أنا جئت إليك من عند الرئيس الغشمي، وأمر برفع الحراسة والعساكر والجيش من المستشفى، وصرف لك مبلغ 30,000 ريال. وأحضرت المبلغ أمامهم جميعًا. وعندما تتحسن صحتك، سوف يراك، وسآتي إليك وآخذك إليه. وقال: تمام. ولم أكمل كلامي حتى الشرطة العسكرية والأمن جميعهم قاموا، ثم جاءت إدارة المستشفى والأطباء يسلمون عليّ، كون كل من كان في المستشفى من الحزب الديمقراطي.

رحمة: بعد ذلك، ما الذي حدث للأستاذ عبدالوارث عبدالكريم؟

أبو إصبع: بعد أسبوع جاءنا خبر أنه تم اختطاف عبدالوارث عبدالكريم. اتصلت بالغشمي، ولا يرد، وغيره لا يردوا. بعد ذلك عرفنا أنه في الأمن السياسي. ذهبت زوجته إلى هناك وبعض الإخوة وقالوا ان وضعه الصحي متدهور. وبعد أسبوع من اختطافه، لجأت إلى شقيقه الشيخ محمد الغشمي، وأخبرته بأن أحمد لا يرد على اتصالاتي. قال: أنا أعلم لماذا لا يرد عليك، لأنه محرج مما حدث لعبدالوارث عبدالكريم. قلت له: ولماذا يحرج مني؟ يقول إنه معتقل من جملة المعتقلين. ثم اتصل بالرئيس وقال: الأخ يحيى منصور موجود عندي ويريد أن يتحدث معك. فرد عليه وقال له: سيأتي ليشغلني بعبدالوارث. قال له: وإن شغلك أنت، إذا أردت أن تطلق سراحه أطلقه، وإذا لا تريد، فأنت في الأول والآخر رئيس دولة، ولك سياستك، والأخ يحيى مقتنع بذلك، وهو ليس زعلان منك.

بعد ذلك ذهبت إليه، وأخبرني أنه تواصل مع سالم ربيع علي، وأنه مرتاح جدًا منه. وقال لي: كيف معرفتك به؟ وأخبرته أنه جلس عندنا في جبلة، وقام بعمل عملية اللوز. ثم سألني عن عبدالفتاح إسماعيل، وقلت له إني أعرفه معرفة جيدة. وقال: سالم ربيع وأصحابه جيدين، ولكن عبدالفتاح وأصحاب الحجرية خطيرين. كيف علاقتك بهم؟ قلت له: جيدة جدًا. أنا علاقتي بجميع من هم في الجبهة القومية جيدة.

عبدالفتاح  اسماعيل وسالمين

رحمة: هل كان يريدك رسولًا إليهم؟

أبو إصبع: قال لي: متى ستتحرك إلى عدن؟ وقد جاءت لي الفرصة. قلت له: سأتـحرك إلى هناك عندما تطلق عبدالوارث، لأنه عندما أذهب إلى عدن سيقولون: أنت لم تستطع إخراج عبد الوارث وتريد علاقات. قال: أنا سأدعي الأجهزة وأحاول إقناعهم، على الرغم من أنهم قد جاءوا لي جميع الأجهزة و بعض الضباط الكبار والأركان والداخلية، وقالوا إن عبدالوارث عبدالكريم خطير جدًا، ويُعد لانقلاب من زمان، ولديه ضباط في القوات المسلحة والداخلية وكل الأجهزة. قلت له: هذا ليس صحيحًا. ثم قال: أنا سأحاول إقناعهم، على الرغم من أنهم قد قالوا له إنه إذا لم يتم اعتقال عبدالوارث وهو في المستشفى فلن يستطيعوا أن يمسكوا به كونهم  منذ أحداث أغسطس وحتى الآن لم نستطيع اعتقاله وهو  داهية الأمن. ثم قال: أمهلني أسبوعًا وأنا سأفرج عنه، وبعدها تتحرك إلى عدن. قلت له: أسبوع أو شهر، كما تريد. وقال: أنا أريدك أن تتحرك إلى عدن، لأنني أريد أن أعرف أخبارهم جميعًا، ولن أستطيع أن أعرف الأخبار من أحد كما سأعرفها منك. ونحن قد اتفقنا أن نبني الدولة، وعبدالوارث كان يشجعني في هذا المجال، ولكن مع طرح موضوع وطني.

طبعًا، أنا سألته: لماذا المشائخ لم يعودوا، وعلى رأسهم الشيخ عبدالله الأحمر وسنان أبو لحوم، الذي كان يأتي ويذهب؟

رحمة: وبماذا رد عليك عندما سألته هذا السؤال؟

أبو إصبع: قال: أنا رئيس الجمهورية العربية اليمنية، ومشائخ اليمن مواطنون مثل المواطنين في اليمن. من أراد أن يدخل صنعاء ويكون مواطنًا عاديًا، أهلًا وسهلًا. لديهم بيوت وحراسات وميزانيات، لكن لن أسمح لأي شيخ أن يتدخل في شؤون الدولة. وقال: منذ حكومة الإرياني والحمدي، والمشائخ يأتون ويكون لديهم وزراء ومحامون ومحافظون، ولديهم مكانتهم الخاصة، ولا أحد يتحرك إلا بهم.

أبوأصبع: قلت له كيف  لديهم  وزراء؟

قال: الشيخ عبدالله لديهم ثلاثة إلى أربعة وزراء، وسنان أبو لحوم وغيرهم، ويتدخلون في قيادة الجيش بكل صغيرة وكبيرة.

رحمة: ولكن كيف يريد دولة قبائل وهو يمنع المشائخ من أن يدخلوا إلى صنعاء؟

أبو إصبع: هو قال: القبائل شيء، والمشائخ المتسلطون الذين يريدون التدخل في شئون الدولة شيء آخر. أنا أريد مشائخ يساعدون الدولة ويساعدون النظام، وليس يفرضوا وزراء ومحافظين وقادة عسكريين. وفعلاً، لم يدخل الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر إلا بعد مقتل الغشمي. وهناك رسائل متبادلة بين سنان أبو لحوم والشيخ عبدالله، وأيضًا مجاهد أبو شوارب. تصوري أن أبو شوارب يقول: "حيا لعصر الحمدي عاده كان يراسلنا ويخافنا، أما أحمد حسين الغشمي فهو سيمثل القضاء علينا وعلى كل المشائخ". وهذه رسائل متبادلة موجودة في مذكرات سنان أبو لحوم، ولمن يريد العودة يعود إلى الرسائل الكاملة بين الشيخ مجاهد وعبدالله بن حسين الأحمر، وكيف كان وضعهم أيام الغشمي. ومن بين الرسائل، الشيخ عبدالله يقول إنه سيعتزل السياسية  والسبب الغشمي لانه لم يسمع لهم  بالدخول.

عبدالله الاحمر

رحمة: فيما يتعلق بعلاقة الرئيس الغشمي بالجنوب، قيل إنه حاول أن يرسل رسائل إيجابية، وأنا أريد أن أتأكد من هذا الكلام؛ حيث قيل إنه لدرجة عندما طلب سالمين بعض المطلوبين، وأرسل للغشمي صالح مصلح قاسم، قتل الغشمي المطلوبين بيده حتى يرضي سالمين. فهل هذا الكلام صحيح؟

أبو إصبع: هذه رواية غير صحيحة بالمرّة، وهي من روايات المشوّشين. الغشمي يحترم نفسه، هل سيأتي لقتل مواطنين شماليين أمام صالح مصلح؟

رحمة: وهل ذهبت بعد ذلك إلى الجنوب؟

أبو إصبع: في الأسبوع الذي كنت سأتّحرك فيه إلى الجنوب، كنت اعد نفسي بعد أن كان سابقًا عبدالوارث عبدالكريم قد عمل اتصالاته مع الإخوة في عدن، أن الأخ يحيى منصور سيأتي، واهتموا به، وجعلوا أخباره تصل إلى الغشمي. وهذا كله كان بتمهيد من عبدالوارث، مسؤول الحزب، وهو لم يكن مسؤولًا عني فقط، ولكني كنت أحبه من كل قلبي.

بعد ذلك، كنا في ميدان التحرير صباحًا، أنا والمقدم في تلك الأيام مقبل بن علي أبو إصبع ابن عمي، وحمود بن محمد أبو رأس، وغيرهم. وبينما نحن في التحرير، سمعنا انفجارًا قويًا، وعندما كانت تأتي الأخبار، كان هناك من يقول في القيادة العامة، وآخرون يقولون في الشارع، وهناك من يقول السيارة. وكانت هذه الأخبار الأولية التي وصلت في نفس اللحظة.

وكان معي ضابط لا يحضرني اسمه الآن، قال: تعال نتصل وهو في القيادة العامة. وذهبنا إلى دكان أحمد شمسان الدالي في شارع علي عبدالمغني، وهو صديق أخي أحمد، واتصل بالقيادة. وخلال الأربع دقائق الأولى قالوا له إن الانفجار حدث في مكتب الرئيس، لكن لا نعرف ما الذي حدث حتى الآن، ونحن في حالة ارتباك في القيادة العامة.

وبعد قليل اتصل مرة أخرى، وقالوا إن الانفجار حدث في مكتب الرئيس، وقتل الرئيس ورسول سالم ربيع علي. ثم قال العميد مقبل أبو إصبع ومحمد الحريبي، وهم ضباطنا الكبار في الحزب الديمقراطي: علينا الذهاب إلى هناك نحن  ضباط وفي القيادة العامة. ذهبوا، وأنا قلت لهم: اتركوني هنا وسأنتظر. ولم أكن خائفًا، ولكن الخوف من عمليات الاعتقال كوني سياسيًا.

ثم ذهبوا وعادوا، وقالوا: الانفجار كان بسبب حقيبة حملها مبعوث سالم ربيع علي، وبمجرد فتحها  انفجرت بهما الاثنين، وتطايرت أشلاؤهما.

رحمة: ألم تكن لديه أجهزة أمنية تتأكد من الحقيبة؟

أبو إصبع: هم بعد ذلك سألوا في التحقيقات محمد خميس حسن الشاطر، و علي الحرازي، وغيرهم من الضباط الكبار الذين كانوا متواجدين مع خميس وتوفيق عبدالرحيم. وقالوا إن الرئيس الغشمي أرسل رسولًا خاصًا من عنده ليستقبل رسول سالم ربيع علي من الطائرة، وأخذه بسيارته، وقال لهم: ممنوع. وحاول خميس أن يفتش الشنطة أو يدخل معه، ولكن قال لهم إن أوامر الرئيس تقتضي أنه ممنوع تمامًا أن يمسكه أحد، أو يتعرف على الرسول، أو يمسك الشنطة.

محمد خميس

ويقال إنه كان متفقًا مع سالم ربيع علي على أن يرسله بمجموعة أسرار خاصة، وأن لا يطلع عليه أحد إلا هو، وهي أخبار لم يتم التحقق منها.

رحمة: وبعد ذلك وصل علي عبدالله صالح إلى السلطة، فهل تعلم كيف وصل من مصادر مؤكدة؟

أبو إصبع: عندما قُتل الغشمي مباشرة، بعد ساعات علمنا أن علي عبدالله صالح موجود في رئاسة الأركان. ثم تحركنا وذهبنا إلى مجلس الوزراء حتى نقابل عبدالعزيز عبدالغني وغيره من الوزراء لمعرفة الاخبار. وصلنا إلى هناك ووجدنا مجموعة من الضباط، وقالوا إن علي عبدالله صالح مسك الأركان، وكان هذا في نفس اليوم.

عبدالعزيز عبدالغني

وفي اليوم الثاني والثالث، اجتمع السياسيون بدعوة من الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، وسنان أبو لحوم، ومجاهد أبو شوارب، وأحمد علي المطري، وذهبنا إلى هناك. وكان قد عُيّن رئيس مؤقت عبدالكريم العرشي، وجاء ذلك بعد أن اجتمع مجلس القيادة واتخذ قرارًا بأن يكون عبدالكريم العرشي رئيسًا مؤقتًا.

وذهبنا مع الشيخ عبدالله الأحمر، الذي دخل إلى صنعاء مع مشائخ آخرين في اليوم الثاني من مقتل الغشمي، وقالوا: لن نسمح لأي عسكري جديد أن يحكم اليمن، يكفينا تجربة إبراهيم الحمدي وأحمد الغشمي.

عبدالكريم العرشي

واجتمعنا، القوى السياسية والأحزاب والشخصيات والمشائخ والعلماء، في بيت أحمد جابر عفيف، وشكّلنا ما يسمى بالتجمع الوطني. وهذا التجمع انتخب أحمد جابر عفيف مقررًا له، ويحيى منصور أبو إصبع، ومحمد عبدالرحمن الرباعي، والفسيل نوابًا له، ومسؤولين عن الإعلام والبيانات.

وبدأنا العمل والاتصال بالآخرين في كل الاتجاهات، للعمل من أجل أن يكون العرشي رئيسًا، وإذا جاء شخص آخر فيكون من القوى المدنية، وليس عسكريًا. وأصدرنا عدة بيانات.

جابر عفيف

بعد ذلك، ظل الشيخ عبدالله متماسكًا، وكان يأتي وفد عسكري سعودي بعد وفد عسكري، و جاء رشاد فرعون وعلي مسلم، والتقوا بالمشائخ وكثير من الشخصيات، على أساس أن يكون علي عبدالله صالح  رئيساً.

وذهبنا إلى الشيخ عبدالله وقلنا له: ماذا تريد؟ قال: أنا رفضت أسمع كلام السعوديين تمامًا. قلنا له: نحن نريد مطبعة. ودعا لعامل عنده، وقال: سلّموا المطبعة والمكتب للأستاذ محمد عبدالرحمن الرباعي، ويطبع له أي أوراق وينسخوا له بأي كمية يحتاجها في الليل أو النهار.

محمد عبدالرحمن الرباعي

ثم خرجنا أنا وهو والفسيل، ثم قال الفسيل: سنرى على الله إلى متى سيصمد الشيخ عبدالله. ثم جاء مجاهد أبو شوارب وقال: لن تتحرك المياه الراكدة إلا لو عملنا حدثًا عسكريًا كبيرًا. قال له أحمد جابر عفيف: ماذا نفعل؟ قال: نغتال عبدالله الأصنج، لأنه المنظّر لعلي عبدالله صالح.

قالوا: هذه فكرة، ولابد أن نبعد عنه هذا الشخص الخطير. وكان الأصنج علاقته بالسعودية قوية جدًا. أنا بالطبع شكيت؛ لأن التهمة ستُلبس علينا نحن، لأن الأمن والأجهزة الأمنية إذا حدث أي شيء في البلد يذهبون إلى اليساريين، وبالذات الحزب الديمقراطي، فالبوصلة دائمًا تتجه إلى ناحيتنا.

عبدالله الأصنج

رحمة: هذا لأنكم كنتم  مسيطرين بشكل كبير.

أبو أصبع(متابع): قلت لهم: بالنسبة لي أنا معترض. فقال مجاهد: لماذا تعترض؟ قلت: لا أستطيع أن أقول لكم رأي، ولابد أن أرجع إلى القيادة. لكن نحن في الحزب الديمقراطي لا نقر الاغتيالات السياسية ولا أعمال العنف. قالوا: والجبهة الوطنية والمناطق الوسطى؟ قلت: تلك جبهة وطنية، أنا أحدثكم عن الحزب الديمقراطي. وقلت لهم إنني سأرجع إلى الحزب ثم آتي لكم بالخبر. وقالوا: غدًا نلتقي هنا.

ذهبت وأخبرت عبدالحميد حنيبر، واستدعوا القيادة، وقالوا إن الكلام الذي طرحته قبل أن تأتي إلينا هو أننا نرفض الاغتيالات السياسية وضد أعمال العنف. هذا هو موقفنا. أخبرهم بأن الحزب الديمقراطي يرفض هذه الفكرة من الأصل.

ثم عدنا في اليوم الثاني، وقلت لهم موقف الحزب الديمقراطي. وكنت أنا وعبدالقادر هاشم نمثل اليسار، وهو أخو أمين هاشم، ويمثل حزب العمل اليمني، الذي من قياداته سيف أحمد حيدر، وعبدالباري طاهر، وعبدالله حميد العلفي، شخصيات ماركسية محترمة جدًا.

وقد كنت أنا وعبدالقادر معًا في التجمعات. ثم أخبرتهم بأن الحزب الديمقراطي يرفض ذلك. فقالوا: نلغي هذه الفكرة. وقلت لهم: لماذا تلغوها؟ لماذا لا تعملون العملية أنتم؟ قالوا: نحن كنا معتمدين على الحزب الديمقراطي.

ثم في اليوم التالي وقعت مفاجأة مدوية بالنسبة لي. جاء مجاهد أبو شوارب وقال: الكلام الذي حصل هنا حول أفكارنا في اغتيال الأصنج قد وصل إلى عبدالله عبد المجيد الأصنج، وبلغ في كل الجهات. فمن الذي بلّغ الأصنج؟ ونحن ذهلنا. وقال مجاهد: أنا أتيت إلى هنا بعد سماع الخبر مباشرة، وحتى الآن لم أبحث، ولكن كما أخبرتكم، الخبر عند الأصنج.

وقال أحمد جابر عفيف: إذًا نرفع الاجتماع، وكل واحد منا يبحث من الذي من أصدقائه بلّغ.

طبعًا، أنا رجعت إلى الاجتماع، وأنا أعلم من الذي بلغ الأصنج، قال مجاهد: اتضح أنّي أنا الذي بلّغهم الحزب الديمقراطي الثوري اليمني، والآخرين ذُهلوا. وقلت لهم: أنا سمعت الخبر، وكلام مجاهد صحيح. وعبدالرحمن مهيوب هنا قال: الحمد لله، أنا منذ ثلاثة أيام كنت قلقًا من أن تُوجَّه التهمة عليّ أنا.

ثم بعد ذلك ذهبنا لرؤية الشيخ عبدالله، وكانوا يقولون إنه غير موجود، ومحمد عبدالرحمن الرباعي؛ لأنه والشيخ عبدالله ظفر وبنان، وكان الأحمر يعتمد عليه اعتمادًا كاملًا، وهو من السياسيين اليمنيين الكبار منذ 1955. فصعد الرباعي إلى المطبخ، وطلب مني أنا والفسيل أن ننتظر في الأسفل. أخبروه النساء بأنه سافر إلى السعودية، ثم عاد إلينا وأخبرنا بأنه سافر إلى السعودية. ثم قال الفسيل: هيا، على الله، سيعود ويحبسنا أنا وأنت ويحيى منصور.

محمد الفسيل

ثم جئنا اليوم التالي، ولدينا بيان؛ لأنه وصل مندوب الأمير سلطان، ووصل علي مسلم، ورشاد فرعون، ووفود سعودية أخرى. محمد عبدالرحمن الرباعي قال: اكتب «وصل مندوب الباب العالي»، الذي كانوا يقولون أيام الأتراك. علي مسلم يحمل توجيهات السعودية بأن يتولى عسكري بليد الشعب اليمني، الشعب الذي كان يعتمد حتى أيام الأئمة على شروط قوية للحاكم، بما فيها المذهب الزيدي، الذي كان يشترط 14 شرطًا: أن يكون أعلم الناس، وأشجع الناس، وأكرمهم، وأفضلهم. والآن يريدون عسكريًا يحكم اليمن. وكان بيانًا قويًا.

ثم ذهبنا لطباعته عند الشيخ عبدالله، وهو كان مسافرًا في ذلك الوقت إلى السعودية. ثم جاء محمد عبدالرحمن الرباعي يريد المفتاح، قالوا: لا يوجد. وقال: أين الموظف؟ قالوا: ليس موجودًا. قال: لماذا؟ ما الذي حدث؟ قالوا: نريد أن نطبع. قالوا: لا يوجد أحد. ثم قالوا: الشيخ عاد وأصدر التعليمات، وانتهى كل شيء.

ثم صعد عبدالرحمن الرباعي إلى منزل الشيخ عبدالله الأحمر، ووجده نائمًا. قالوا له: إنه وصل قبل ساعة. وقال: لم يصل إلا كي يمنع بياناتنا وطباعتها! هل هذه أول تعليماته؟ وسمع الشيخ، وقال له الرباعي: لم تصل إلا لتنفذ أوامر السعودية. نحن لدينا هذا البيان. وقال له: أنا عندما وصلت أخبرتهم أن يوقفوا. قال: أنا جلست مع الملك، وأقنعني أن علي عبدالله صالح لا يصلح إلا لهذه الفترة العصيبة في تاريخ اليمن، بعد مقتل رئيس وجبهة وطنية، وأعمال عسكرية في كل مكان، لا يصح لها إلا علي عبدالله صالح. قال له الرباعي: وهل أنت اقتنعت؟ قال: نعم، لقد اقتنعت؛ لأن الملك أخبرني وطلب مني هذا، وأنت تعرف، أنا في الأخير لا أخالف السعودية.

علي صالح والاحمر

ثم خرجنا لنقابل الرئيس عبدالكريم العرشي، وكنا دائمًا على لقاءات معه، وهو ضد العسكر، وأنه لا يوجد رئيس شرعي إلا هو. ووصلنا إليه، وقال له الفسيل: هل لا تزال مشدودًا؟ قال: مثل الجبل. قال الفسيل: سيتراجعون المشائخ. فرد العرشي: وإن تراجعوا، المشائخ! لقد أتى إليّ الوفد السعودي، وقلت لهم: أنا الرئيس فقط، والشعب اليمني معي. قال له: وإذا جاءك الشيخ عبدالله، الن تستسلم؟ فرد بنشوف.

ثم خرجنا، وقال الشيخ عبدالله: سيأتي إلى عبدالكريم العرشي، والعرشي سيتحول من خشبة قوية إلى حبل مرتخٍ على الأرض. وفي اليوم الثاني، والعرشي تحت بطانيته، ولم يستقبلنا، وقال إنه مريض. وقال له الرباعي: ما هو موقفك؟ هل لا زلت الرئيس أم ماذا؟ قال: أنا جاءني الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، وأقنعني، وأنا أرى أنه من الأفضل أن يتولاها علي عبدالله صالح.

ثم عدنا للاجتماع مع اللقاء الوطني، ولكن لم يحضر إلا خمسة أو ستة، ولم يحضر الكثير من المشايخ والشخصيات. وقال أحمد الرحومي: يبدو أنه لن يبقى إلا أنت والفسيل ومحمد الرباعي.

ثم بعد ذلك تحرك علي عبدالله صالح، وكان يرسل العسكريين لأخذ التوقيعات. وكان من جملة من أرسل لهم العساكر لأجل التوقيع عبدالعزيز المقالح. وقال المقالح: أنا رأيت العساكر ووقعت؛ لأنهم يلومون إذا لم توقّع. وكان يرسل عساكر في الليل والنهار إلى أعضاء مجلس الشورى، والوزراء، والقادة العسكريين، والشخصيات، وكل ذلك من أجل التوقيع لعلي عبدالله صالح.

د. عبدالعزيز المقالح

وفي 17 يوليو تم انتخاب علي عبدالله صالح في مجلس الشورى بالإجماع، باستثناء صوت واحد كان عضوًا في المجلس. من هو؟ هو محمد عبدالرحمن الرباعي، وهو نفس الصوت الذي صوّت ضد انتخاب أحمد حسين الغشمي في المجلس الوطني الذي كان قد شكّله أحمد الغشمي، وانتخبوا رئيس جمهورية بدلًا من رئيس مجلس القيادة. والرباعي اعترض، وللمرة الثانية اعترض على علي عبدالله صالح، وهو من أشجع رجالات اليمن.

علي عبدالله صالح اثناء تنصيبه رئيسا

بعد أسبوع طلبني علي عبدالله صالح، وذهبت بعد الاستئذان من الحزب، ووافقوا على ذهابي. ثم قلت لهم: أنا عملت ضده في اللقاء الوطني، وكنت الصوت المرتفع. قالوا: هو طلبك أن تذهب. وصلت إلى قرية الدجاج، حيث كان يسكن صالح في شعوب، وجلست، وكان هناك الكثير من الأشخاص في مكتبه. ثم جاء ضابط وهمس في اذني، وقال: "اهرب الآن" قلت:" لماذا: قال: لأن علي عبدالله صالح أصدر أوامر، سيعتقلوك. وأنا هربت.

بعد ذلك سألني الرئيس علي عبدالله صالح عندما التقيته في أكتوبر 1981 في موسكو، وهو في زيارة لها، وقال لي: لماذا وصلت إلى مكتبي ثم هربت؟ قلت له: جاء أحد الأشخاص وأخبرني أن اسمه السنحاني، وقال إنك تريد اعتقالي، وطلب مني الهرب. ثم قال: هؤلاء دساسين، وهم ممن لا يريدون أن أعمل علاقات مع الآخرين.

رحمة: إذا كان يريد الاعتقال، كان سيعتقل عبدالرحمن الرباعي، وبالتالي لم تكن هناك نية للاعتقال. والآن أخبرنا، بعد أن التقيت فيه، وتأكدت من أنه كان لا يريد اعتقالك. ولكن بعدها جاء تأسيس الحزب الاشتراكي في عام 1978، ومطاردات، وكنت مطلوبًا، ولكن كل ذلك سنعرفه في الحلقة القادمة.

مشاهدينا، وصلنا مع الأستاذ يحيى منصور أبو إصبع إلى مرحلة الرئيس علي عبدالله صالح، وكيف تعامل مع اليساريين والقبائل. نلقاكم في الحلقة القادمة مع الأستاذ يحيى منصور أبو إصبع.

ينشر هذا الحوار بالتزامن مع بثه على قناة "حكايتي" على يوتيوب، إعداد وتقديم الإعلامية رحمة حجيرة. لمشاهدة الحلقة(اضغط هنا)



الكلمات الدلالية