صنعاء 19C امطار خفيفة

رسالة إلى طلاب اليمن.. أنتم أمل وطنٍ أنهكته الجراح

إلى طلاب الثانوية العامة، وإلى كل شاب وشابة يدرسون اليوم في جامعات اليمن أو يفكرون في مستقبلهم وسط واقعٍ قاسٍ ومعقد..

يعرف الجميع أن اليمن يمرّ منذ أكثر من خمسة عشر عامًا بظروف استثنائية، صراعات طويلة، فقر، عدم استقرار، شحّ في الموارد، وفساد بأشكاله المختلفة. هذه الظروف لم تبقَ في إطار السياسة أو الاقتصاد فقط، بل تسللت إلى تفاصيل الحياة اليومية، وأثّرت في الصحة، والسلوك، والعادات، ونمط التفكير، وفي التعليم بشكل خاص.
المدارس تعاني من بنية تحتية متهالكة، نقص في التجهيزات الصفية والمعملية، ومعلمون يعملون في ظروف صعبة ويحتاجون إلى إعادة تأهيل ودعم حقيقي ليتمكنوا من أداء رسالتهم كما ينبغي. كثير من الطلاب ينحدرون من أسر فقيرة، فيُجبرون على العمل في سن مبكرة، بعضهم يحاول الجمع بين العمل والدراسة، وبعضهم الآخر يضطر إلى ترك التعليم نهائيًا.
ثم تأتي الصورة القاتمة لسوق العمل، حيث يشاهد الطالب خريجين بلا وظائف، أو حملة شهادات عليا يعيشون أوضاعًا أصعب ممن تركوا التعليم واتجهوا لأعمال حرة. كل ذلك يزرع في النفوس شعورًا بالإحباط، ويجعل الغربة والعمل اليومي يبدو وكأنه النهاية الحتمية لأي مسار تعليمي.
لكن، وسط هذا المشهد المظلم، لا بد من التوقف قليلًا، والنظر إلى الصورة الأوسع.

التعليم ليس رفاهية.. بل هو طوق النجاة

رغم كل ما سبق، يظل التعليم هو السلاح الحقيقي، والملاذ الأكثر أمانًا على المدى البعيد. قد لا يعطيك نتائج سريعة، وقد لا ينقذك اليوم أو غدًا، لكنه وحده القادر على أن يصنع لك قيمة حقيقية في هذا العالم.
ابتعدوا قدر الإمكان عن المشتتات التي تسرق أعماركم دون مقابل حقيقي: الإدمان على الألعاب الإلكترونية، الاستغراق الطويل في مواقع التواصل الاجتماعي، أو الانجرار وراء عادات سلبية شائعة في بعض البيئات. لا تسمحوا لليأس أن يتسلل إلى قلوبكم، ولا تجعلوا واقع أسرِكم الصعب ذريعة للاستسلام.
تذكروا دائمًا أن دوام الحال من المحال، وأن الحروب مهما طالت لا بد أن تنتهي. وعندما تنتهي، سيبحث هذا الوطن المنهك عن من يضمد جراحه، ويعيد بناءه. ولن يأتي أحد من الخارج ليقوم بهذه المهمة بدلًا عنكم. أنتم من سيُطلب منكم الوقوف في الصف الأول.

أنتم جيش البناء لا جيش الموت

أنتم لستم جيلًا خُلق للقتال أو الفناء، بل جيل خُلق للبناء. جيل يُفترض أن يحمل قيم التسامح والسلام، وأن ينشرها في القرى والمدن، وأن يعيد الاعتبار للعلم والعمل والمعرفة.
ركّزوا على التعلم الذاتي، فالعالم اليوم يضع المعرفة بين أيديكم. منصات التعليم المفتوحة، الدروس العلمية على يوتيوب، المحاضرات الجامعية العالمية، كلها متاحة لمن يبحث بجدية. لا تنتظروا المدرسة أو الجامعة أن تعطيكم كل شيء.

اللغة الإنجليزية مفتاح هذا العصر

تعلّم اللغة الإنجليزية لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة. هي مفتاح العلم الحديث، ومفتاح المنح الدراسية، ومفتاح الاطلاع على العالم. وهذا لا يعني إهمال لغتكم العربية، فهي هويتكم وعمقكم الثقافي، لكن الإنجليزية هي الأداة التي ستمكّنكم من المنافسة عالميًا.
اجعلوا لأنفسكم هدفًا واضحًا: درجات جيدة، لغة قوية، مهارات حقيقية. المنح الدراسية موجودة، لكنها لا تُعطى إلا لمن يستوفي شروطها. وهي لا تنتظر إلا من يشمر عن سواعده.

تجارب الأمم ليست بعيدة عنكم

انظروا إلى تجارب شعوب مثل الهند والصين. لم تنهض هذه الدول بالصدفة، بل بسواعد شبابها الذين خرجوا إلى مشارق الأرض ومغاربها، تعلموا، تفوقوا، ثم عاد بعضهم ليبني وطنه، وبقي بعضهم في الخارج ليساهم من موقع آخر. كانت معاناتهم قاسية، لكن عزائمهم كانت أقوى وأصلب.
حتى من يفكر في الغربة، فليعلم حقيقة لا تقبل المجاملة: لن تكون لك قيمة في الغربة إلا بقدر علمك ومهاراتك. من دون ذلك، ستبقى حبيس أعمال هامشية، بدخل ضعيف، ومستقبل محدود.

اقرأوا.. وتعلّموا من الذين سبقوكم

اقرأوا سير الناجحين، قصص العلماء، رواد الأعمال، والمبدعين في عصرنا. تواصلوا مع المتميزين، اسألوا، استشيروا، واطلبوا النصيحة. أحيانًا كلمة واحدة من شخص سار في الطريق قبلك قد توفر عليك سنوات من التخبط.
قوّوا أنفسكم في التخصصات المطلوبة عالميًا، واهتموا بالعلوم، والتقنية، والهندسة، والطب، والمهارات الرقمية، فهذه هي جوازات السفر الحقيقية في هذا العالم.

كلمة أخيرة

ما تعيشونه اليوم صعب، بل قاسٍ، ولا أحد ينكر ذلك. لكن الأوطان لا تُبنى في أوقات الرخاء، بل في أزمنة الشدة. وأنتم، رغم كل شيء، أهلٌ لهذا التحدي.
هذه خلاصة تجربة ونصيحة صادقة، أرجو أن تجد طريقها إلى عقولكم وقلوبكم، وأن تكون دافعًا لا عبئًا، وأملًا لا وهمًا.
والله ولي التوفيق.
باحث في فيزياء الليزر والأطياف ، ألمانيا

الكلمات الدلالية