صنعاء 19C امطار خفيفة

اليمن بين إدارة الفراغ وصراع النفوذ الإقليمي

في الآونة الأخيرة، وبعد إحكام السعودية سيطرتها على المشهد اليمني، وإجبار الإمارات على تقليص دورها العسكري المباشر، تُدار اليمن في حالة تعطيل متعمّد لا يمكن قراءته كفشل أو ارتباك عابر، بل كسياسة إقليمية واعية تقوم على إبقاء الدولة بلا إعلان حكومي فعلي، وبلا قدرة على ممارسة عملها المؤسسي أو التحكم بثرواتها من نفط ومعادن ومناجم، خصوصًا في حضرموت، بما في ذلك آبار جديدة مستحدثة خارج إطار بترومسيلة، التي لا تزال إيراداتها لا تذهب إلى خزينة الدولة ولا تنعكس على تحسين دخل المواطن أو مستوى الخدمات.

هذا الفراغ لم يعد نتيجة حرب فقط، بل تحوّل إلى أداة حكم، تُدار من خلالها اليمن كغنيمة مفتوحة لا كدولة ذات سيادة، مع إبقاء حزب بعينه هو المستفيد الوحيد داخل البلاد وخارجها، بينما يُقصى باقي اليمنيين عن حقهم الطبيعي في الدولة والثروة والتمثيل.
الحكومة اليمنية العالقة وسط صراع المصالح، والتي انتقل وضعها من المحاصصة إلى المناصفة، حتى في المناطق المحررة والخاضعة لاسم "الشرعية"، باتت موجودة شكليًا فقط. لا قرار، لا موارد، لا قدرة على إدارة النفط والغاز، ولا صلاحية حقيقية لإعادة تشغيل المؤسسات بشفافية أو اختيار الكفاءات الوطنية القادرة على النهوض بالوطن، بل يُدار المشهد بمنطق الولاء لا الكفاءة، وبما يخدم ناهبي حقوق كل يمني أنهكته سنوات الحرب.
ولهذا لا يزال إعلان الحكومة مؤجلًا، والاقتصاد مخنوقًا، فيما يُدفع المواطن اليمني نحو مزيد من الفقر والنزوح، وكأن ذلك ثمن طبيعي للحفاظ على توازنات إقليمية معقّدة بين السعودية وسلطنة عُمان وإيران.
حتى اللحظة، السعودية التي تتصدر المشهد الإعلامي بوصفها القوة الحكيمة والمؤثرة في اليمن، لا تتعامل في حقيقة الأمر مع اليمن باعتباره دولة يجب تمكينها والنهوض بها كما فعلت مع دول الخليج، بل تتعامل معه كمساحة يجب ضبطها، ويُشترط فيها الولاء المطلق لها لا الولاء لليمن، ليصبح هذا الولاء هو معيار التعامل الوحيد.
ورغم الحديث المتكرر عن انتظار كفاءات تكنوقراط، لا تُطرح السيادة كأولوية، ولا يُنظر إلى إدماج اليمن ضمن محيطه الطبيعي كما هو حال دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تعني الحكومة قرارًا مستقلًا ودولة ذات سيادة كاملة.
وعلاوة على ذلك، يُترك اليمن معلقًا؛ لا يُسقط نهائيًا، ولا يُسمح له بالنهوض أو بتعويض أبنائه، بل يُبقى في حالة شلل دائم تتيح التحكم الكامل بمفاصل الاقتصاد والسياسة. وفي المقابل، تمتلك هذه المنظومة أبواقًا يمنية محسوبة على أطراف إقليمية ودولية تتحرك وفق منطق الدفع المسبق، لتكريس هذا الواقع وتغليفه بخطاب سياسي وإعلامي موجّه يخدم مصالح الدول لا مصلحة اليمن أولًا.
هذا المشهد لم يخلُ من تصدعات داخل معسكر الحلفاء أنفسهم. فالتوتر بين السعودية والإمارات لا يزال قائمًا، رغم وجود تفاهمات إقليمية في الأفق، بما فيها تقاطعات إيرانية -عُمانية -سعودية. الخلاف بين الرياض وأبوظبي لم يكن سياسيًا عابرًا، بل صراع مصالح بلغ ذروته عندما تجاوزت الإمارات الدور المرسوم لها، وتمدّدت بشكل مباشر نحو حقول النفط اليمنية، خصوصًا في قطاع المسيلة، الشريان النفطي الأهم للبلاد.
هذا التمدد لم يُنظر إليه سعوديًا كشراكة، بل كاستحواذ فجّ على مورد استراتيجي يفترض أن يكون خاضعًا لإدارة الدولة اليمنية، أو على الأقل للتوازن الذي تقوده الرياض حاليًا في اليمن. التعامل الإماراتي مع النفط اليمني والمعادن والموانئ، من السيطرة غير المعلنة إلى إدارة التصدير والنقل، كشف أن الحديث عن "التحالف" لم يكن سوى غطاء لتقاسم النفوذ. وعندما مسّت هذه الممارسات المصالح السعودية المباشرة، انقلب الخطاب وبدأ التوتر يظهر للعلن، لا دفاعًا عن السيادة اليمنية، بل حماية للحصص والنفوذ، فيما بقي اليمن نفسه مجرد ساحة صراع لا صاحب حق.
وبالتوازي، تتقاطع هذه الصراعات مع تفاهمات غير معلنة مع سلطنة عُمان، حيث يُعاد توزيع المنافذ البرية والبحرية بما يخدم المصالح الإقليمية لا متطلبات الدولة اليمنية. السواحل لم تعد مفتوحة لنفوذ إماراتي، والمنافذ تُدار وفق حسابات عُمانية، فيما يبقى النفط والغاز تحت إدارة غير يمنية، وتُفرغ فكرة الثروة الوطنية من مضمونها..
في الخلفية، تحضر إيران بوظيفتها الثابتة: الابتزاز. لا تسعى لبناء اقتصاد يمني ولا لدعم مؤسسات، بل لإبقاء اليمن ورقة ضغط. تغيير النفط الإيراني، تمرير المشتقات، التحكم بالسوق السوداء، كلها عمليات تتم في ظل غياب الدولة، ودون أي عائد حقيقي على الخزينة العامة، بل لصالح أفراد وتجار جدد وكل من يواليها، بينما يُترك اليمني المستقل يواجه الانهيار وحده.
أما النازحون واللاجئون، فهم ضحايا هذا الفراغ بامتياز لا خطط لعودتهم، لا فرص داخل وطنهم وفي دول العبور، بل خذلان من قبل هذه الدول يومًا بعد يوم، ولا سياسات تحميهم أو تعيد دمجهم الخارج يضيق بهم، والداخل مغلق إلا أمام من يملك الولاء أو الحصة الدولة معطلة عمدًا، لأن عودة الناس تعني المطالبة بالحقوق، والحقوق تعني دولة، وهذا ما لا يريده اللاعبون في هذه المرحلة.
ما يحدث في اليمن اليوم ليس إدارة أزمة، بل إدارة فراغ وصراع حصص. تعطيل الحكومة، الصراع السعودي الإماراتي على النفط، تقاسم المنافذ والموارد بين إيران وسلطنة عُمان والسعودية، استخدام اليمن كورقة ضغط، والتخلي عن اليمنيين في الخارج، كلها أجزاء من مشهد واحد. الأخطر من الحرب هو الاعتياد على هذا الواقع، والتعامل مع اليمن كملف قابل للتقسيم الحزبي والإقليمي، لا كوطن موحد للجميع دون استثناء.
اليمن لا يحتاج رعاة ولا أوصياء ولا تحالفات متصارعة على ثروته، بل قرارًا سياديًا يعيد للدولة معناها، وللنفط والثروات والموانئ والمطارات والملاحة وظيفتها، وللمواطن حقه. أي استقرار يُبنى على نهب المسيلة وتعطيل الدولة ليس سوى هدنة مؤقتة تسبق انفجارًا آخر أكبر، مهما طال الصمت.

الكلمات الدلالية