صنعاء 19C امطار خفيفة

القادة الوطنيون الذين فرّوا خارج الوطن

شهدت الساحة اليمنية خلال العقود الأخيرة بروز عدد كبير من الشخصيات السياسية والعسكرية والحقوقية التي قدّمت نفسها بوصفها ممثلة للمشروع الوطني، وحاملةً لشعارات الحرية والدولة المدنية والسيادة. وقد حظيت هذه الشخصيات، في مراحل مختلفة، بتأييد شعبي وإعلامي واسع، خصوصًا في لحظات التحول السياسي والأزمات الكبرى. غير أن مسار الأحداث، لا سيما منذ عام 2011 وما تلاه من حروب وانقسامات، كشف عن ظاهرة باتت مثار نقاش واسع في الوعي اليمني، وهي ظاهرة "القيادة من الخارج"، أو ما يمكن تسميته بالوطنية المؤجلة.

ليست مغادرة الوطن في ذاتها جريمة سياسية أو أخلاقية، فظروف الصراع قد تفرض على بعض القيادات الخروج المؤقت لأسباب أمنية أو سياسية. غير أن الإشكالية تظهر عندما يتحول هذا الخروج إلى إقامة دائمة، وعندما يصبح المنفى مساحة مريحة لإدارة الخطاب الوطني، بينما يبقى الشعب وحده في مواجهة الحرب والجوع والانهيار. هنا تنتقل المسألة من ظرف قهري إلى خيار واعٍ، ومن ضرورة مؤقتة إلى مصلحة مستقرة.
الوطنية، في معناها العملي، ليست مجرد موقف لفظي أو خطاب إعلامي، بل علاقة أخلاقية مستمرة بين القائد وشعبه. وهي علاقة تُختبر في أوقات الشدة أكثر مما تُقاس في لحظات الاستقرار. كثير من اليمنيين وجدوا أنفسهم أمام مفارقة مؤلمة: قيادات تتحدث باسمهم، وتطالب بحقوقهم، وتندد بما يتعرضون له، لكنها تفعل ذلك من خارج السياق اليومي لمعاناتهم، ومن دون أن تتحمل الحد الأدنى من كلفة البقاء أو الارتباط المباشر بالداخل.
برزت أسماء عدة في هذا السياق، من بينها شخصيات ذات حضور دولي وإعلامي واسع. توكل كرمان، على سبيل المثال، ارتبط اسمها بثورة 2011 وبالخطاب الحقوقي المطالب بالحريات. وقد مثلت، في مرحلة ما، رمزًا للثورة السلمية في نظر كثيرين. غير أن ابتعادها الطويل عن الداخل اليمني، واعتمادها شبه الكامل على المنصات الخارجية في التعبير عن الشأن اليمني، أثار تساؤلات مشروعة حول حدود تمثيل الواقع من الخارج، وحول قدرة الخطاب الدولي على تعويض الغياب الفعلي عن معاناة الناس اليومية. فالنقد الموجه هنا لا ينصب على الموقف المعلن بقدر ما يتركز على المسافة المتزايدة بين الخطاب والواقع.
في السياق نفسه، يبرز اسم علي محسن الأحمر، لكن من زاوية مختلفة. فهو ليس ناشطًا مدنيًا أو حقوقيًا، بل عسكري وسياسي شغل مواقع حساسة في الدولة لعقود. وقد قُدِّم بعد 2011 بوصفه داعمًا لمسار التغيير، ثم تقلد موقعًا رسميًا رفيعًا في مرحلة شديدة الحساسية. غير أن خروجه من المشهد، ومغادرته البلاد في لحظة انهيار مؤسسات الدولة، ترك انطباعًا لدى قطاعات واسعة من اليمنيين بأن النخب العسكرية والسياسية التقليدية انسحبت عندما انتهى دورها، أو عندما باتت كلفة البقاء أعلى من مكاسب المنفى.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على أسماء بعينها، بل تشمل طيفًا واسعًا من القيادات الحزبية والسياسية التي رفعت خطاب الوطنية في الداخل، ثم غادرت عند أول تصدع حقيقي، لتعيد إنتاج ذات الخطاب من الخارج، ولكن في سياق مختلف تحكمه حسابات الإقامة والتمويل والتحالفات. بعض هذه الشخصيات تحوّل تدريجيًا إلى جزء من مشهد إقليمي أوسع، حيث تُستخدم المواقف السياسية كورقة ضغط أو تفاوض، لا كموقف نابع من احتياجات الداخل اليمني.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها تُفرغ مفهوم الوطنية من مضمونه، وتحوّله إلى أداة خطابية قابلة للتكيّف مع المصالح. فالوطن، في هذه الحالة، يصبح فكرة مجردة، لا مكانًا ملموسًا يعيش فيه الناس ويدفعون ثمن الصراع يوميًا. ومع تكرار هذا النمط، يتكرس شعور عام لدى اليمنيين بأن النخب السياسية تعيش في عالم موازٍ، وأن العلاقة بينها وبين المجتمع باتت علاقة تمثيل لفظي لا شراكة حقيقية.
أمام هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: ماذا على الشعب أن يفعل؟ هل يكتفي بتبديل الولاءات، أم ينتظر دورة جديدة من الوعود والشعارات؟ الواقع أن التجربة اليمنية، بما تحمله من خيبات، تفرض على المجتمع إعادة تعريف مفهوم القيادة ذاته. فالقائد ليس من يعلو صوته في المنابر، بل من يتحمل المسؤولية الأخلاقية تجاه الناس، سواء كان في الداخل أو الخارج، ويضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبار شخصي أو فئوي.
ما يحتاجه اليمنيون اليوم ليس البحث عن منقذ فرد، بل بناء وعي جمعي أكثر نقدية، يميز بين الخطاب والممارسة، وبين الوطنية الصادقة والوطنية الظرفية. كما أن من واجب المجتمع، بنخبه الثقافية والإعلامية، أن يتوقف عن صناعة الرموز السريعة، وأن يخضع القيادات للمساءلة السياسية والأخلاقية، لا للتقديس أو الاصطفاف الأعمى.
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه بلدٌ يعيش حربًا طويلة هو استمرار إنتاج ذات النخب بذات الأدوات، مع توقع نتائج مختلفة. والخروج من هذا المأزق لا يبدأ بتغيير الوجوه فقط، بل بتغيير معايير الثقة والتمثيل. فالوطن لا يُدار بالبيانات، ولا يُستعاد بالخطابات، بل بإرادة سياسية صادقة، وبقيادات ترى في السلطة تكليفًا لا مكسبًا، وفي الشعب شريكًا لا جمهورًا.
في النهاية، ستبقى الوطنية الحقيقية مرتبطة بالفعل لا بالادّعاء، وبالالتصاق بمعاناة الناس لا بالحديث عنها من مسافة آمنة. والتاريخ، مهما طال الزمن، لا يحتفظ إلا بمن ثبتوا عند الاختبار، لا بمن غادروا عند أول مصلحة.

الكلمات الدلالية