اليمن: الجغرافيا الحزينة والحقيقة العارية خارج رادار الضمير المحلي والعالمي
بينما ينشغل العالم بإعادة رسم خارطة القوى العظمى، وسباق التسلح التكنولوجي، وصراعات الطاقة في أوروبا والشرق الأقصى، يغرق اليمن في صمت مطبق، ليس صمت السكينة، بل صمت الاحتضار. لقد تحول اليمن من "أصل العرب" إلى مختبر مفتوح لأكبر مأساة إنسانية عرفها القرن الحادي والعشرون، مأساة صُنعت بدم بارد بعيداً عن أروقة السياسة العالمية التي لم تعد ترى في اليمن سوى "عبء جيوسياسي" أو "ساحة خلفية" لتصفية الحسابات.
فحين يصبح الموت خياراً يومياً، لا يكون الصادم في الوضع اليمني ليس فقط أرقام القتلى والجرحى، بل هو التحلل الممنهج للدولة والمجتمع، لنصبح أمام كيان سياسي تم تقزيمه إلى مجرد كانتونات ممزقة، حيث تُبنى السياسة على أنقاض المؤسسات.
فاقتصادياً العملة اليمنية لم تعد مجرد وسيلة تبادل، بل أصبحت أداة تعذيب بيد القوى المتصارعة، مما أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى تماماً وتحويل ملايين الأسر إلى متسولين على أبواب المنظمات الدولية.
كما فُرض على اليمنيين عزلة جغرافية، فقد أصبحنا نحن اليمنيون نعيش داخل سجن كبير؛ مطارات مغلقة، وطرقات مقطوعة بالألغام والجبايات، في حين يكتفي المجتمع الدولي ببيانات القلق العميق التي لا تُسمن ولا تغني من جوع.
والكارثة الكبرى تكمن في أن السياسة الداخلية في اليمن باتت تُبنى بعيداً عن أي معايير دولية أو تطلعات للشعب، فقد نشأ "نظام موازٍ" يعتمد على اقتصاد الحرب، حيث تعتاش النخب السياسية والعسكرية على استمرار الصراع، فتصبح الهدنة خطراً على مصالحهم، والحرب تجارة مربحة.
إنسانياً هناك فجوة سحيقة بين من يتحدثون باسم اليمن في الفنادق والعواصم العالمية، وبين المواطن الذي يواجه الكوليرا والجوع والموت في أزقة صنعاء وتعز وعدن، في إطار ذلك يتم سحق أي محاولة لبناء تيار وطني ثالث، لصالح الاستقطابات الأيديولوجية والمناطقية المقيتة.
اليمن اليوم لا يعاني من أزمة سياسية فحسب، بل من محاولة شطب هوية وطنية جامعة واستبدالها بولاءات ضيقة عابرة للحدود أو غارقة في التاريخ المظلم، لتظل الحقيقة المرة هي أن اليمن سقط من حسابات "السياسة العالمية" الفاعلة، فلم يعد اليمن يتصدر العناوين إلا كخبر هامشي، لأن مصالح الكبار لا تتقاطع حالياً مع استقراره، وهذا الإهمال المتعمد منح الضوء الأخضر لأمراء الحرب المحليين للإمعان في تدمير ما تبقى من نسيج اجتماعي.
إن بناء سياسة يمنية بعيدة عن التدخلات الخارجية هو طموح مشروع، لكنه في الواقع الحالي يُستخدم كذريعة للاستفراد بالشعب وقمع الحريات وتكريس سلطة الأمر الواقع.
ما يحدث في اليمن ليس مجرد فشل في إدارة الدولة، بل هو عملية "تفكيك بنيوي" متعمد، فالسياسة التي تُبنى هنا اليوم تقوم على منطق "اللادولة"، حيث تُستبدل الدساتير بالأعراف الفئوية، والقوانين بقوة السلاح.
الأخطر من الحرب نفسها هو تطبيعها فتخيلوا معي بقاء الوضع الحالي على ما هو عليه!! لقد نجحت القوى المتنفذة في جعل الحرب أسلوب حياة؛ المدارس تحولت إلى ثكنات أو مراكز تعبئة، والمصانع أصبحت أطلالاً، بينما تزدهر تجارة السلاح والممنوعات عبر الحدود المشرعة.
اليمن لا يتمزق جغرافياً فحسب وما كنا نتباكي عليه من تمزيق النسيج الاجتماعي تجاوزناه بقوة، ووصلنا إلى مرحلة التمزيق النفسي، وصلنا لوحدة الفرد من التفتيت، فالسياسة اليوم تُبنى على "شيطنة الآخر" اليمني، لضمان عدم التقاء الإرادات الوطنية مرة أخرى. هذا الشرخ قد يحتاج لعقود من السلم الأهلي لرتقه.
وبعيداً عن لغة الدبلوماسية، هذه هي الحقيقة العارية التي يتجاهلها المجتمع الدولي جيل "خارج الخدمة": فملايين الأطفال الذين لم يعرفوا سوى صوت الانفجارات؛ جيل كامل ينمو بلا تعليم حقيقي، وبلا رعاية صحية، وبلا أمل، مما يجعلهم وقوداً مستقبلياً سهلاً لأي صراع قادم.
في جانب أخر اليمن لا يموت الناس لأن الطعام غير موجود، بل لأنهم لا يملكون ثمنه، فالسياسة المتبعة حالياً هي التجويع لغرض التركيع، وهي جريمة حرب تُرتكب ببرود أعصاب دولي، بينما تتبجح القوى العالمية بحقوق الإنسان في محافل الأمم المتحدة، نجد أن: صفقات السلاح لا تتوقف، واليمن هو الميدان التجريبي الأكبر لها، والمساعدات الإنسانية أصبحت مجرد مسكنات تهدف إلى إبقاء الشعب على قيد الحياة بحدها الأدنى، دون تقديم حلول جذرية تنهي مسببات الألم.
إن صمت العالم عن اليمن ليس عجزاً، بل هو قرار سياسي، قرار بأن يترك هذا البلد ليواجه قدره وحده، طالما أن مصالح الكبار بعيدة عن نيرانه المباشرة.
هل من قيامة بعد هذا الموت؟
إن استمرار الوضع في اليمن على ما هو عليه ليس فشلاً يمنياً فحسب، بل هو سقوط أخلاقي مدوٍ للنظام الدولي، لذا فاستعادة اليمن تتطلب أولاً الاعتراف بأن الحل لن يأتي من طاولات المفاوضات الهشة، بل من استعادة السيادة الوطنية المسلوبة وإيقاف العبث بلقمة عيش المواطن، ليس من مراضات الانفصاليين وإجلاسهم على نفس الطاولة بل الحزم الأمني كما حدث في حضرموت.
إن الوضع المتردي في اليمن لم يعد يحتمل التوصيفات الخجولة، نحن أمام إبادة بطيئة لهوية وحضارة وإنسانية، فالسياسة التي تُبنى بعيداً عن الرقابة العالمية وبمنأى عن الضمير الإنساني هي سياسة "البقاء للأقوى"، وفي اليمن الأقوى هو من يملك التمويل والسلاح، أما الشعب فهو الضحية الدائمة.