صنعاء 19C امطار خفيفة

درس الجغرافيا وأوهام النفوذ

لم تخرج الإمارات من اليمن كما تخرج الجيوش المهزومة ولا كما تنسحب القوى المنتصرة. خرجت بالطريقة الثالثة التي لا تُدرّس في الأكاديميات العسكرية، انسحاب الضرورة. حين يصبح المشروع أثقل من أن يُحمل وأخف من أن يُدافع عنه. لا نصر يُحتفى به ولا هزيمة يُعتذر عنها بل إدراك بارد بأن الكلفة السياسية والاستراتيجية صارت أعلى من العائد.

دخلت أبوظبي بفكرة مغرية وبسيطة، قليل من الجنود وكثير من النفوذ وموقع متقدم على خريطة البحر والتاريخ. الجنوب بدا فرصة ذهبية، جزر تشرف على أخطر الممرات المائية وموانئ تمسك بخيوط التجارة وسواحل طويلة يمكن تحويلها إلى أطراف إمبراطورية بحرية حديثة. مشروع أنيق يصلح للتسويق السياسي والإعلامي ويمنح شعوراً بالقوة دون الحاجة إلى حروب شاملة.
لكن اليمن كعادته لا يحب المشاريع الجاهزة. لا يمنح نفسه لأحد بل يسمح للجميع أن يجربوا ثم يخرجوا محمّلين بخيباتهم. هنا اكتشفت أبوظبي أن السياسة ليست مشروع مقاولات وأن النفوذ لا يُدار كما تُدار المدن الذكية وأن السيطرة شيء والامتلاك شيء آخر تماماً.
أكبر ما خسرته لم يكن جزيرة ولا قاعدة بل الوهم. وهم أن النفوذ يمكن صناعته من الأعلى بخطة وتمويل وتحكم مركزي صارم. كانت تريد نفوذاً مباشراً فحصلت على نفوذ بالوكالة. والفرق بينهما يشبه الفرق بين من يملك البيت ومن يستأجر غرفة فيه، الأول يقرر والثاني يفاوض على بقائه كل ليلة.
ومع سقوط الوهم بدأت تتآكل المواقع وكأن الجغرافيا نفسها كانت تعيد ترتيب المشهد ببطء. في جزيرة ميون تلك العين المشرفة على مضيق باب المندب، تراجع أحد أهم مفاتيح السيطرة المباشرة على أخطر ممر بحري في المنطقة. الموقع الذي أُريد له أن يكون منصة رقابة وهيمنة تحول إلى عبء سياسي وأمني فانتهى الوجود العسكري فيه، وكأن البحر استعاد جزءاً من سره المصادَر.
وفي أرخبيل سقطرى بدأ الحلم الكبير يفقد صلابته. شبكات الاتصالات والرصد البحري، والقاعدة في جزيرة عبد الكوري والوجود الأمني الكثيف، لم تعد تعمل بالزخم الذي أُريد له في البداية وتآكلت تحت ضغط الواقع المحلي والحساسيات الدولية، خصوصاً مع تقليص دور العناصر الأجنبية التي كانت تمثل الذراع الخفية للمشروع.
أما جزيرة سمحة حيث بُنيت قاعدة عسكرية دون علم الحكومة اليمنية، فقد تحولت من رمز للنفوذ الصامت إلى شاهد على هشاشة المشروع كله. فالقواعد التي تُبنى في الظل غالباً ما تسقط في العلن. وعلى البر كانت الخسارة أكثر وضوحاً.
مطار الريان في المكلا الذي استخدم كقاعدة عسكرية ومركز عمليات خرج من كونه منصة سيطرة إلى عنوان على مرحلة انتهت.
منشأة بلحاف في شبوة التي حُولت من منشأة اقتصادية إلى قاعدة عسكرية، أصبحت شاهداً على كيف يُعطّل الاقتصاد حين يدار بعقل أمني. ميناء المخا الذي أُريد له أن يكون عقدة عسكرية بحرية، تراجع دوره مع تراجع الوجود المباشر.
وقاعدة العند في لحج التي كانت جزءاً من شبكة السيطرة البرية، فقدت معناها الاستراتيجي مع تفكك الشبكة كلها.
هذه المواقع لم تكن مجرد نقاط عسكرية على الخريطة بل كانت أعصاب المشروع. ومع سقوط الأعصاب لم يعد الجسد قادراً على الحركة. لكن الخسارة الأعمق لم تكن في القواعد وحدها بل في شبكة الاتفاقيات التي سقطت أو فقدت فعاليتها مع الانسحاب. الاتفاقيات التي لم تُصَغ بوصفها عقود شراكة بل بوصفها عقود سيطرة طويلة الأمد.
وبدأت شبكة الاتفاقيات التي أُريد لها أن تؤسس نفوذاً سيادياً طويل الأمد تفقد فاعليتها السياسية. اتفاقيات الاتصالات التي كانت تمنح حضوراً نافذاً في قطاع سيادي حساس، لم تعد تملك الغطاء الذي يجعلها قابلة للاستمرار بذات الصيغة.
ولم يكن ذلك استثناءً تقنياً أو عارضاً قطاعياً، بل مؤشراً على تصدع أوسع في بنية المشروع نفسه، فحتى الاتفاقيات الأمنية الموقعة تحت مسمى "مكافحة الإرهاب"، والتي وفرت هامش حركة واسع خارج الحدود، باتت محل تشكيك سياسي وقانوني، بعدما انكشف التداخل الخطير بين الأمن والسيادة.
أما اتفاقية ميناء قشن في المهرة، والصفقات المرتبطة بالتعدين والاستثمار طويل الأمد، فقد أصبحت نموذجاً لعقود صيغت بروح السيطرة لا بروح الشراكة، وهو ما جعلها هشة بمجرد تغير ميزان القوة السياسية.
كما أُعيد فتح النقاش حول اتفاقيات تسويق النفط والغاز التي كانت مطروحة بصيغ طويلة الأمد ونسب أرباح أثارت جدلاً واسعاً حول طبيعتها، وهل تمثل شراكة اقتصادية متوازنة أم محاولة للسيطرة على مورد سيادي تحت غطاء الاستثمار.
هنا تظهر الخسارة الحقيقية بوضوح. أبوظبي لم تخسر قواعد عسكرية فقط بل خسرت شبكة نفوذ اقتصادي وسيادي كان يُراد لها أن تمتد لعقود. خسرت الزمن لا المكان وحده. ومع ذلك لا يمكن وصف ما حدث بالهزيمة العسكرية. الإمارات انسحبت قبل أن تتحول الكلفة إلى كارثة كاملة. في لغة الدول يُسمى هذا "تقليص خسائر". لكنها في المقابل خسرت المشروع. والمشاريع حين تسقط لا تعوض بسهولة، لأنها تقوم على رؤية طويلة المدى لا على معركة عابرة.
خرجت أبوظبي وقد فقدت جانباً مهماً من مفاتيح السيطرة البحرية المباشرة في ميون وسقطرى، وتراجع حضورها في شبكة القواعد البرية والجوية في الريان وبلحاف والمخا والعند، واهتزت شبكة اتفاقيات اقتصادية كانت تُصمّم لتدوم عقوداً، كما تراجعت صورة القوة القادرة على فرض نموذجها دون مقاومة حقيقية.
لم يخسر اليمن أبوظبي ولم تربح أبوظبي اليمن. الذي حدث ببساطة أن الجغرافيا انتصرت مرة أخرى على الطموح، والرمل علّم الإمبراطورية الصغيرة درساً قديماً، ليس كل ما يمكن السيطرة عليه يمكن امتلاكه.

الكلمات الدلالية