صنعاء 19C امطار خفيفة

تصحيح المسار قبل الحوار

إنّ القراءةَ المشوَّهَةَ للتاريخ لا تصنع حلًّا، بل تؤجِّج الأزمات؛ لأنّ طريقَ الحلِّ يبدأ من صدقِ النوايا، ووضوحِ الرؤية، وتشخيصِ الواقع كما هو، دون تحريفٍ، أو تكييفٍ، أو توظيفٍ سياسي. فالمناورات، ولَيُّ أعناقِ الحقائق، التي لم تُجْدِ نفعًا في زمنِ القوة والسيطرة، لن تُنتج حلًّا في زمنِ الضعفِ والتشظّي.

وما يُعمِّق الأزمةَ اليمنيةَ اليوم هو تصاعدُ الخطاباتِ المتطرِّفة ذاتِ النبرةِ الاستعلائية، والنَّفَسِ التحريضيِّ المستفِزِّ، في معركةٍ ثأريةٍ لم تضع أوزارَها منذ صيفِ 94م؛ فالخطابُ الاستعلائي، والتحريضُ الإعلامي لبعضِ النخبِ والأحزابِ الشمالية، ساهم في خلقِ ردّاتِ فعلٍ موازيةٍ جنوبًا، وغذَّى ذاكرةَ صراعٍ لم تندمل.
فالمتطرِّفُ الجنوبي ما زال متمسِّكًا بوصايةِ تمثيلِ الجنوب بموجبِ توقيعِه اتفاقية الوحدة، والمتطرِّفُ الشمالي يستمدُّ مفرداتِ خطابِه السياسي من سردية صيفِ 94م، متناسيَيْن أنّ معطياتِ اللحظةِ الراهنة تجاوزت أوهامَ التفوّقِ العسكري، ومشاريعَ الوصايةِ السياسية معًا، وهذا يفرض على الجميع تغييرَ الأدواتِ القديمة، لتغيّرِ المعطياتِ على الواقع، من خلال الدخول في حوارٍ جادٍّ، بلغةٍ قادرةٍ على قراءةِ الأحداث، وخطابٍ سياسيٍّ يستوعبُ المتغيّرات، وعقلٍ سياسيٍّ قادرٍ على صناعةِ الحلول، وإدارةِ الأزمات.
وهذا لن يتمّ إلّا أن يتحرّر المتطرِّفُ الشمالي من لوثة «هيمنةِ 94م»، ويتخلّى المتطرِّفُ الجنوبي عن سرديةِ «دولةِ 86م»؛ فلا بدّ للطرفين تحديدًا من إعادةِ النظر في مفهومِ الشراكةِ الوطنية، بحيث يُعاد تعريفُها بأنّها ليست غنيمةَ حربِ 94م، ولا الشراكةَ الحصريةَ لاتفاقِ 90م، من خلال التوافقِ على عقدٍ سياسيٍّ جديدٍ تُسهم كلُّ القوى في صياغتِه، يضمنُ حقَّ المشاركةِ للجميع.
وعلى كلِّ القوى السياسية، شمالًا وجنوبًا، أن تدرك أنّ زمنَ السردياتِ الكبرى قد ولّى، وعصرَ الوصايةِ قد انتهى؛ بتخلّي الوعيِ الكونيِّ عن الخطاباتِ الشمولية، في حين لا تزال بعضُ القوى الإيديولوجية، ومراكزُ النفوذِ الاجتماعية، متشبِّثةً بأدواتِها البالية، وعقليتِها المتخشِّبة، في زمنٍ تغيّرت فيه المفاهيمُ والأدوات،ومنعطفٍ تاريخيٍّ يفرضُ عليها مراجعةَ ذاتِها، قبل فرضِها لمشاريعَ لا تملكُ أدواتَها.

الكلمات الدلالية