الثورة التي لم تنته والدولة التي لم تبدأ
التاريخ في إيران يعاني من إدمان الإعادة أو من ملل مزمن لا يعالج إلا بإشعال الشارع من حين لآخر ثم إطفائه بعناية أبوية صارمة. ما يجري اليوم ليس انفجاراً مفاجئاً بل نسخة محسنة من مشاهد قديمة. غضب وقمع ودولة تمسك بذاكرة الثورة كمن يمسك عصاً ليتكئ عليها ويهدد بها في آن واحد، وشعب يتعامل مع الاحتجاج كمن يؤدي واجباً مؤجلاً لا مفر منه.
الاحتجاج الإيراني لم يعد تفصيلاً اقتصادياً ولا انفعالاً عابراً. هو سؤال مباشر عن معنى العيش في دولة لا تعرف إلا لغة الطوارئ. هنا لا يطالب الناس بتحسين شروط الحياة داخل النظام بل يشككون في منطق النظام نفسه. وهذا أخطر ما يمكن أن تسمعه سلطة بنيت على فكرة الضرورة التاريخية والرسالة الخالدة.
النظام كعادته يقرأ المشهد بعيون أمنية. كل هتاف مؤامرة وكل غضب خارطة خارجية وكل شارع امتداد لغرفة عمليات بعيدة. هذه القراءة الميكانيكية لم تعد تفسر الواقع لكنها لا تزال تصلح لتبريره. كأن السلطة لا تريد فهم المجتمع بل تريد فقط طمأنة نفسها بأنها ما زالت مستهدفة، لأن الاستهداف يمنحها شعوراً بالشرعية.
ما يميز الاحتجاجات الحالية ليس حجمها فقط بل طبيعتها المتحولة. لم تعد تدور حول الخبز وحده ولا حول الحجاب وحده ولا حول العقوبات وحدها، بل حول فكرة أوسع وأخطر، الحق في الحياة الطبيعية داخل دولة غير طبيعية. وهذه فكرة مرعبة لأي نظام بُني على الاستثناء وتغذى على الشعور الدائم بالحصار، واعتبر الطوارئ شكلاً دائماً من أشكال الحكم.
إيران اليوم تقف أمام مرآة قاسية. اقتصاد محاصر ومجتمع شاب لا يشبه اللغة الرسمية للدولة، نخبة سياسية هرمة تتحدث عن الثورة كما لو كانت حدثاً جارياً لا حدثاً مضى عليه نصف قرن. هنا تتحول الثورة من ذاكرة إلى عبء ومن شرعية تاريخية إلى حجة متآكلة، ومن أسطورة تأسيس إلى قيد ثقيل على الحاضر.
الدولة تتعامل مع الشعب بمنطق الوصي والشعب يرد بمنطق الابن الذي كبر. في هذه المسافة بين الوصاية والضجر يولد التوتر الحقيقي. لم يعد الصراع على تفاصيل الحكم بل على معنى الحكم نفسه وعلى حدود السلطة في حياة الناس اليومية.
السلطة تحاول احتواء اللحظة بإجراءات تقنية، زيادة رواتب وتخفيف قيود وتغيير وجوه وإطلاق وعود. لكن المشكلة لم تعد تقنية إنها وجودية تقريباً. الشعب لا يطالب بتحسين شروط العيش داخل القفص بل يسأل لماذا القفص موجود أصلاً.
أما التداعيات فلا تتوقف عند حدود إيران. كل اهتزاز داخلي في طهران يُقرأ إقليمياً كأنه تقرير طبي عن صحة المشروع الإيراني بأكمله. حلفاؤها يراقبون بقلق صامت وخصومها يراقبون بشغف مبالغ فيه، والعالم يتصرف كعادته، يتمنى التغيير من دون أن يدفع ثمنه ويحب الثورة ما دامت لا تربك مصالحه.
إيران اليوم ليست على حافة ثورة مكتملة ولا في حالة استقرار حقيقي. هي في منطقة رمادية خطرة. لا انهيار يسمح بولادة جديدة ولا إصلاح يسمح بحياة طبيعية. مجرد دولة تمشي على حبل مشدود فوق تاريخها، تمسك بيد الثورة وباليد الأخرى عصا الأمن، وتطلب من شعبها أن يصفق لها لأنها لم تسقط بعد.
المفارقة أن النظام الذي قام باسم المستضعفين، أصبح أكثر الأنظمة خوفاً من صوتهم. والدولة التي وعدت بكسر الطغيان صارت تتقنه بأسلوب أكثر تهذيباً وأشد برودة. لا تُطرح الثورة كحلم رومانسي بل كاحتمال مؤلم. ولا يُطرح الاستقرار كنعمة بل كركود ثقيل.
وبين هذا وذاك يواصل الشارع أداء دوره. يذكّر السلطة بأن التاريخ لا يموت وبأن الشعوب قد تصبر طويلاً لكنها لا تنسى أبداً كيف بدأت الحكاية ولا كيف يجب أن تنتهي.