القضية الجنوبية: شرح مبسّط لجذور المشكلة ومسارات الحل
كثيرًا ما يطرح بعض إخواننا من أبناء المحافظات الشمالية تساؤلات مشروعة حول ماهية القضية الجنوبية، وأسباب نشأتها، وأين يكمن الخلاف بين الجنوبيين بشأنها، وما هي سبل معالجتها. وتكمن أهمية هذه الأسئلة في أنها تعبّر عن رغبة في الفهم، وتفتح الباب أمام نقاش وطني هادئ يقوم على المعرفة لا على الصور النمطية أو الأحكام المسبقة. ومن هذا المنطلق، يأتي هذا المقال لتقديم شرح مبسّط وواضح للقضية الجنوبية، موجّهًا للمواطن البسيط في الشمال والجنوب على حدّ سواء.
القضية الجنوبية، في جوهرها، ليست شعارًا سياسيًا طارئًا ولا موقفًا عاطفيًا عابرًا، بل هي مجمل الآثار والنتائج التي ترتبت على حرب صيف 1994. فقد شكّلت تلك الحرب نقطة تحوّل حاسمة في مسار الوحدة اليمنية، إذ أعقبها تعديل في الدستور، وتغييرات جذرية في شكل الدولة وطريقة إدارة السلطة، إلى جانب تسريح واسع لعشرات الآلاف من العسكريين والأمنيين والمدنيين الجنوبيين، وإقصائهم من وظائفهم ومصادر أرزاقهم.
ولم تتوقف آثار تلك الحرب عند حدود الإجراءات الإدارية أو العسكرية، بل امتدت لتُحدث اختلالات عميقة في البنية السياسية، وأضرارًا بالغة في النسيج الاجتماعي، فضلًا عن خسائر مادية واقتصادية جسيمة لحقت بالجنوب، ليس فقط بوصفه دولة سابقة، بل أيضًا بأبنائه كأفراد، حين نهبت الممتلكات العامة وبعض الممتلكات الخاصة ايضاً وتم توزيع الأراضي والموارد على المتنفذين من ابناء الشمال وحرمان ابناء الجنوب، وتراجعت فرص العمل، وغابت العدالة وتكافؤ الفرص.
هذا التوصيف للقضية الجنوبية يكاد يكون اليوم محلّ إجماع واسع بين الجنوبيين، بل إن شريحة معتبرة من أبناء المحافظات الشمالية باتت تعترف بوجود هذه المظالم، وبأن ما جرى بعد 1994 لم يكن مسارًا طبيعيًا لوحدة عادلة، بل نتج عنه واقع مختلّ يحتاج إلى معالجة جادة. غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في تعريف المشكلة أو إنكارها، وإنما في كيفية حلّها.
هنا يبدأ الخلاف بين الجنوبيين أنفسهم. فثمة اتجاه يرى أن حجم المظالم وتعقيد آثارها، وطول أمدها دون حلول حقيقية، جعل من الصعب ـ بل من المستحيل ـ معالجتها ضمن إطار الدولة الواحدة، ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الانفصال واستعادة الدولة الجنوبية هو الحل الوحيد القادر على إنهاء هذه المأساة.
في المقابل، يرى اتجاه آخر أن آثار حرب 1994، مهما كانت جسيمة، قابلة للمعالجة إذا ما توفرت الإرادة السياسية الصادقة، وذلك من خلال إعادة بناء شكل الدولة وبنيتها على أسس جديدة، تضمن الشراكة والعدالة، وتمنع الهيمنة والإقصاء، سواء عبر نظام اتحادي حقيقي أو صيغة سياسية متوافق عليها وطنيًا.
إلى جانب هذين الاتجاهين، يبرز رأي ثالث يذهب إلى أن القضية الجنوبية لا يمكن فصلها عن الأزمة اليمنية العامة، وأن معالجتها تتطلب إصلاحًا شاملًا للسلطة والنظام السياسي، إصلاحًا يعالج كل الاختلالات المتراكمة التي أفرزتها الحروب المتعاقبة، وما ترتب عليها من تهميش، سواء بحق الجنوبيين، أو بين الجنوبيين أنفسهم، أو بحق بعض المناطق الشمالية. ويركّز هذا الاتجاه على ضرورة بناء دولة عادلة تضمن مشاركة فعلية في السلطة والثروة، وتحقيق جبر الضرر، وإنصاف الضحايا، ومنع تكرار ما حدث في المستقبل.
خلاصة القول، إن القضية الجنوبية ليست خلافًا على توصيف الماضي بقدر ما هي اختلاف على طريق المستقبل. وفهم هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو حوار وطني جاد، يعترف بالمظالم، ويحترم تنوّع الرؤى، ويبحث عن حلول عادلة ومستدامة، بعيدًا عن التخوين أو التبسيط المخل، وبما يخدم مصلحة اليمن شمالًا وجنوبًا.