صنعاء 19C امطار خفيفة

من هنا نبدأ

كثيرة هي المحطات التي تدمّر فيها الوطن، وتتقاتل أطرافه حتى الرمق الأخير، حتى ليُخيَّل لكاتب تاريخ هذا البلد أن مركب العقل وحواس التفكير السليم محشوّ بالبنادق والرصاص، وأن اختصار الآخر يتم من قبل كل أطراف اللعبة السياسية، في الأنا الأعلى الأوحد لهذا الطرف أو ذاك، سواء كان عرشاً أو مذهباً أو قبيلة أو منطقة أو تكتلاً، تشكّل خارج قراءات العقل الجمعي والتوافق الوطني بالمعنى الأشمل للكلمة.

فقد تكون العناصر الداعية والضامنة والمموِّلة ذات جذور يمتد ارتباطها بالخارج أكثر من الداخل الوطني، بالمعنى المستوعب عن قناعة وإيمان حقيقي بوحدة الهدف الوطني، المعبِّر تعبيراً صادقاً عن قناعات الكل الجمعي، المشكَّل ضمن ائتلاف وطني واسع لرسم خارطة بلد ترغب فعلاً قواه السياسية في إنجاز مهام متعددة الأبعاد سياسياً واقتصادياً، وتستند إلى قاعدة مواطنية مشاركة وواعية، لا تُستدعى عند الحاجة ولا تُستخدم كمواد أولية أو وقود لمعارك مفتعلة تعبّر عن مصالح فوقية لا علاقة لها بمشاكل حقيقية على الأرض.
لم تنجح مثل هذه التشكيلات في معالجة الأزمات، بل كانت من أسباب تدهورها، تماماً كما هو حالنا المأساوي اليوم. فالأرض خراب، والاقتصاد أكثر خراباً، والبنية الوطنية أشد تمزقاً وتشتتاً. وهي أمور لم تأتِ من مخازن شياطين خارج الديار، بل تراكمت نتيجة عقليات تحكم الفراغ وتمارس طقوس نرجسية الذات والاستعلاء والاستقطاب، بغية البقاء في هرم سلطة ليست سلطة بالمعنى المتعارف عليه في فقه السياسة، أي ممارسة الحكم عبر مؤسسات وقانون نافذ.
ما ساد لم يكن أكثر من:
عنصر القوة المنتقاة بأضيق نطاق: قرية، عشيرة، قبيلة.
عنصر المال وتجيير الوظيفة العامة لخدمة من عُيِّن ووُظِّف وأُغري بالمال والوجاهة الزائفة.
إعلام مداهن يعتقل الحقيقة في حقائب من يطبّل لمن يدفع ويوظّف.
الأمن بكل أنواعه، ما عدا أمن الناس.
إلغاء مفهوم المواطنة لتصبح الجهوية الأضيق جواز المرور لأي شكل من أشكال العبور.
لن نعدّد المآسي، كفانا قولاً إننا، بناءً على ما سبق، أصبحنا بلداً نالت مأساته البشر والإمكانات والحاضر والمستقبل، حتى حاز لقب دولة فاشلة بامتياز. ولن نبالغ إن قلنا إنه لم تعد لنا دولة، بل شبه دويلات أفضل منها دويلات الأندلس.
واليوم، وبعد كل الدماء والحروب والضغائن والأحقاد التي زُرعت عمداً في ربوع وطن مشتت، وفي ظل تشظٍّ صُنع داخلياً وخارجياً، وبعد انتكاسة الأيام القاتلة الماضية التي دفعت أثمانها دماء وقيم ومبادئ، وصلنا إلى تخوم الموت، بل إلى ما قبل دفن الموتى وحفظ الأشلاء. غير أن الرحمن لطف بنا عبر تدخل أخوي شقيق قادته ورعته المملكة العربية السعودية، ليعود الرتل المتحارب إلى جادة الصواب والعقل، بعد أن ظل شمسُه تحرقنا تحت عباءة الضحك على الذقون.
وصل الأمر بالبعض في المجلس الرئاسي إلى حد الاحتراب والانقضاض على بعضهم البعض، ولا حامٍ ولا دستور، فيما كان من خارج الديار يلعب على كل الحبال، سواء في صنعاء أو عدن.
والآن، بعد كل ما جرى، هناك موعد للبلد والشعب مع التاريخ والمستقبل، لمغادرة خانات القتل والاستئثار والعزل والاستبعاد والتكفير والتخوين، والانتقال إلى خانة المواطنة المتساوية، وحق المشاركة، والخروج نهائياً من كارثة المحاصصة، وتحويل الوظيفة العامة إلى مستعمرات يُترك فيها العاجز المحترم حتى يموت أو يحترق البلد.
إنها فرصة تاريخية حقيقية أُتيحت لليمن ليخرج من براثن الموت السريري إلى واقع الحياة، أمناً واستقراراً بمعاني الحياة الكريمة سياسياً واقتصادياً وأمنياً وثقافياً. وكل هذه العناوين باتت متاحة أمام فعاليات مؤتمر الحوار الذي دعت إليه وتبنته الرياض، لكافة القوى اليمنية والجنوبية، للتعاطي الجاد مع كل ما يتصل بجذور القضية الجنوبية العادلة، بعيداً عن هيمنة أي مركز مقدس أو صاحب حظوة أياً كان.
ويتطلب ذلك، إلى جانب الجهد المشكور من المملكة العربية السعودية التي أدركت أين مربط الفرس، معالجة عنوانين أساسيين:
معالجة جذور القضية الجنوبية بما يحقق للجنوب، بكل مكوناته وأطيافه، ما يعكس ثقله ودوره وإمكاناته.
إعادة تصويب ما جرى من اختطاف للدولة في صنعاء، وصولاً إلى مشروع وطني يقوم على مبادئ الدولة وسيادة القانون، ويضمن مشاركة حقيقية ذات ضمانات واقعية.
عناوين سياسية واقتصادية وأمنية وغيرها.
ولأن الأمر ذو أبعاد تاريخية، وحتى تتكامل الرؤى، فإن إنجاز المهمة التاريخية لمؤتمر الرياض يتطلب تشكيل لجنة متوافق عليها تعكف على:
دراسة الوثائق المقدَّمة من القوى المشاركة في الحوار.
أو تشكيل لجنة حكماء تقدّم رؤية تُناقش داخل لجان متخصصة يشكلها المؤتمر.
ضرورة العودة إلى الوثائق التاريخية التي حظيت بإجماع وطني، وفي مقدمتها مخرجات الحوار الوطني الشامل، وإعادة قراءتها وتطوير ما ينبغي تطويره.
ختاماً، نرى أنه بات لزاماً على كل أبناء اليمن، جنوباً وشمالاً، اعتبار هذه المحطة فاصلة، يُختبر فيها حضور العقل والحكمة، وقدرتهما على كبح أي شطط من أي اتجاه. طعّموا رحلة المستقبل بوقود الحداثة والخبرة والعمر الرشيد، واحفظوا مكاناً متقدماً لوجوه شابة، وأخرى لم يأكلها الصدأ ولم ينهشها الزمن.
والله والحكمة والعقل خير معين، وهو ما نأمله ونرجوه.

الكلمات الدلالية