ايران.. الدولة بوصفها عادة مؤلمة
لا تولد الأزمات فجأة في ايران ولا تهبط من السماء بلا مقدمات، بل تأتي محملة بشهادات ميلاد قديمة مختومة بالتاريخ والاقتصاد وسوء إدارة المعنى قبل سوء إدارة الدولة. ما يجري اليوم في الشارع الإيراني ليس ثورة مكتملة ولا شغباً عابراً، بل كائن رمادي يتشكل حين يتعب الشعب من تكرار الشكوى وتتعب السلطة من تكرار الإنكار.
المشهد يبدو كأنه نسخة مرممة من أرشيف الجمهورية الإسلامية. غضب اقتصادي يُقدَّم بوصفه مؤامرة سياسية، واحتجاجات توصف بأنها فوضى مدفوعة الأجر، وشعب يطلب خبزه اليومي فيُتهم بأنه يريد إسقاط الإمبراطورية. كأن السلطة ما زالت تراهن على أن التاريخ متواطئ معها، وأن الناس يمكنهم العيش إلى الأبد على ذاكرة الثورة كما يعيش الفقراء أحياناً على صور موائد لم يجلسوا إليها قط.
الاحتجاجات الأخيرة لا تحمل رومانسية الثورات الكبرى ولا تتكئ على شعارات أيديولوجية ضخمة، بل تأتي أكثر تواضعاً وأشد قسوة. عملة منهارة وأسعار تصعد كأنها في سباق مع الغضب، وواقع يومي يقول للإيراني البسيط إنك لن تموت جوعاً لكنك لن تعيش بكرامة أيضاً. وهنا تكمن خطورتها الحقيقية، فالثورات الأيديولوجية يمكن شيطنتها وتشويهها، أما ثورات الخبز فلا تحتاج إلى بيانات سياسية، يكفيها إيصال كهرباء وكيس أرز وإيجار بيت.
حين قُطع الإنترنت لم تكن السلطة تقطع شبكة الاتصال بقدر ما كانت تقطع المرآة. كأنها تقول للشعب لا نريد أن نرى أنفسنا ولا نريد للعالم أن يرانا ونحن على هذه الصورة. الإنترنت في الأنظمة القلقة ليس وسيلة تواصل بل جهاز لتهدئة الأعصاب العامة. حين يعمل يخفف الألم، وحين يُقطع يعني أن الألم خرج عن السيطرة.
أما خطاب المؤامرة الخارجية فهو أقدم من الجمهورية الإسلامية نفسها، خطاب محفوظ في الأدراج يُستدعى كلما تعبت السلطة من التفكير. الولايات المتحدة وإسرائيل والعملاء والمرتزقة أسماء جاهزة تُستعمل كالتعاويذ لطرد الغضب الشعبي لكنها لم تعد تخيف أحداً. حتى الأطفال صاروا يحفظونها كما يحفظون جداول الضرب. والمفارقة أن النظام الذي بنى شرعيته على مقاومة الخارج بات عاجزاً عن مواجهة الداخل إلا بالأسلوب نفسه، عدواً خارجياً لتبرير فشل داخلي.
تاريخياً قدمت إيران نفسها دولة الصبر الثوري لكنها تبدو اليوم دولة الإرهاق المزمن. الشعب متعب والاقتصاد متعب والخطاب السياسي متعب يكرر نفسه حتى صار أشبه بتسجيل قديم مشوش الصوت. لا جديد فيه سوى ارتفاع نبرة الصوت وانخفاض مستوى الإقناع.
المستقبل لا يبدو متجهاً إلى انفجار شامل بقدر ما يسير نحو تآكل طويل وبطيء. لا ثورة كاملة في الأفق القريب ولا استقرار حقيقياً أيضاً، بل حالة وسطى خطرة تقوم على احتجاجات تتجدد وقمع محسوب وتنازلات اقتصادية صغيرة تُرمى للشارع ثم عودة إلى نقطة الصفر. النظام الإيراني بارع في إدارة عدم السقوط لا في صناعة الحياة. يجيد البقاء لكنه لا يجيد الإقناع، وهذه معادلة قد تنجح زمناً لكنها تفشل دائماً في امتحانها الأخير.
الاحتجاجات الحالية تشبه رسالة قصيرة كتبها الشعب بخط مرتعش تقول لسنا ضد الدولة، لكننا ضد أن نموت ببطء داخلها. وإن استمرت السلطة في قراءة هذه الرسالة بوصفها تهديداً أمنياً لا نداءً وجودياً، فإن إيران مقبلة على مرحلة أخطر من الثورة، مرحلة الاعتياد على الغضب. والاعتياد على الغضب أخطر من الغضب نفسه لأنه يحوّل الشعوب إلى براكين نائمة لا تثور كثيراً، لكنها حين تفعل لا تترك خلفها سوى الخرائط القديمة محترقة.