حكمة الحياد وضغوط التورط قراءة في السياسة العُمانية في اليمن (3)
مثّل الصراع في اليمن تحدياً للسياسة الخارجية لسلطنة عمان. هذا الصراع، بمخاطره ودينامياته المتغيرة وأبعاده الإقليمية وطبيعته عالية الاستقطاب، فرض عليها التنقل في تعقيدات المشهد اليمني، وعكس نفسه في سياستها واكسبها طبيعة دفاعية وبعداً مقاوِماً، ودفعها نحو مزيد من البراغماتية الوقائية. وعلى الرغم من أنها بدت أقل حياداً من المعتاد، إلا أن هذه السياسة، مع ذلك، لم تفقد سماتها ولم تتخل عن ثوابتها التقليدية على نحو فارق، فظلت حذرة وقليلة الجرأة، وتتسم بالغموض والافتقار إلى الشفافية وبميلها إلى التحرك في الكواليس والقنوات الخلفية بعيداً عن الأضواء. كما ظلت تتجنب تحديد مواقف علنية واضحة من بعض القضايا. وهي إجمالاً سياسة تراعي التوازنات الدقيقة، وتراقب التطورات وتضبط إيقاعاتها وفقاً للتغيرات التي تعتري المشهد وعلاقات الفاعلين فيه، وتفضل المقاربات المحسوبة والأقل كلفة وتميل إلى المقاربات الجماعية والتعاون مع المنافسين.
وفي الملامح العامة لهذه السياسة، تمسكت عمان بمبدأ عدم التدخل، وكانت الدولة الوحيدة في مجلس التعاون الخليجي التي رفضت الانضمام إلى تحالف دعم الشرعية. وظلت تظهر قناعتها بأن المقاربة العسكرية لن تنجح في وقف الصراع وستطيل أمده. وعارضت مسقط التدخلات العسكرية اللاحقة، كان هذا موقفها من الضربات التي شنتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على الحوثيين في 2024. وحذرت من أن مثل هذه الأعمال قد تزيد من حدة التوترات الإقليمية. كما لم ترحب بتصنيف جماعة الحوثي كمنظمة إرهابية.
على الصعيد الإنساني، قدّمت السلطنة مساعدات إنسانية للمناطق القريبة من حدودها، خاصة المهرة، وسهلت إيصال المساعدات الإيرانية. كما سهلت حركة اليمنيين عبر حدودها، وتستضيف عشرات الآلاف منهم، مع توفير الرعاية الطبية المجانية لهم.
وفي علاقتها بأطراف الصراع، حرصت مسقط على إبقاء قنواتها مفتوحة مع الجميع، وتجنبت الاصطفاف الصريح ولغة الاتهام، والتزم إعلامها الرسمي بتغطية منخفضة النبرة للصراع اليمني. لم تتراجع مسقط عن الاعتراف بالحكومة اليمنية وشرعيتها، واستمرت في التنسيق الأمني والحدودي معها، واستقبال مسؤوليها. غير أن هذه العلاقة لم تخل من بعض التوتر، خصوصاً بسبب ما اعتبر تساهلاً عُمانياً مع الحوثيين، والشكوك حول تسهيلها تهريب السلاح إليهم، وهي اتهامات نفتها مسقط باستمرار.
في المقابل، نسجت عُمان علاقة "استثنائية" مع الحوثيين، تعود بداية هذه العلاقة إلى ما قبل سيطرة هؤلاء على صنعاء. وعملت على كسر عزلتهم باستضافتها وفدهم التفاوضي وتوفير نافذة للتواصل والتفاوض مع العالم الخارجي. وعلى كل حال فعمان هي الدولة الثانية بعد إيران القادرة على التأثير عليهم. هذه العلاقة، وإن لم ترقَ إلى تحالف تقليدي، عكست براغماتية عُمانية ترى في الحوثيين فاعلاً لا يمكن تجاوزه، وفي التواصل معهم استثماراً استراتيجياً يوازن النفوذ السعودي والإماراتي، ويؤمّن موطئ قدم في يمن ما بعد الحرب.
تواصلت مسقط مع أنصار الرئيس السابق على عبدالله صالح بعد مقتله، ونجحت في إطلاق سراح قيادات في المؤتمر الشعبي من السجون الحوثية، ونجحت كذلك في استقطابهم وحالت دون انضمامهم إلى معسكر تحالف الشرعية، وتستضيف الكثير منهم، بما في ذلك أفراد من أسرة الرئيس صالح الذين منحتهم الجنسية.
أما العلاقة بالمجلس الانتقالي الجنوبي فتتسم بالحذر ومحكومة بالمخاوف، فمسقط لا تنظر إليه بود وتعتبره قوة مزعزعة للاستقرار. ومواقف الطرفين في أهم القضايا متباينة، خصوصاً تجاه قضية الوحدة اليمنية، وهو ما وضعهما في حالة تضاد. لكن علاقة المجلس بدولة الإمارات تشكل العقدة الأهم التي تحكم العلاقة بالمجلس، فمسقط تنظر للمجلس وأي قوات مدعومة إماراتياً كـتهديد للأمن القومي العُماني. لقد أثارت تحركات الانتقالي واستيلائها مؤخراً على مناطق حضرموت والمهرة المجاورة مخاوف عمان، بل وضعتها في حالة استنفار. ووفقا لتقارير تعاونت مسقط مع السعودية لمواجهة الانتقالي وطرد قواته من المنطقتين. وعلى الرغم من كل شيء، ومن كون مسقط تحافظ على موقفاً متمسكاً بالوحدة ومعارض لتقسيم اليمن، إلا أن التحليلات تتفق أنها قد تظهر قبولاً بصيغة الحكم الذاتي أو حتى الاستقلال لجنوب اليمن إذا كان ذلك هو "الحل الأخير" والضامن الوحيد للاستقرار وإنهاء الأزمة.
خلاصة القول، إن علاقة عُمان بأطراف الصراع هي علاقة براغماتية تجمع في غايتها النهائية الحرص على احتواء التهديدات التي يمثلها الصراع والتحوط للمستقبل.
تمسكت مسقط بدور الوسيط كأداة سياسية واستراتيجية. هذا الخيار المفضل لديها لا ينسجم فقط مع فلسفتها الخارجية، بل يعكس أيضاً إدراكها العميق لتعقيدات الصراع وحدود القوة فيه. وفي الصورة العامة، فضلت مسقط مقاربة الوضع اليمني من خلال الجهود الجماعية، وترجم هذا التوجه في دعمها المستمر للجهود الأممية. إلا أنها ظلت تبدي استعداداً دائماً للاضطلاع بدور الوسيط حين يطُلب منها ذلك. وكان لها بالتأكيد مبادراتها الخاصة في هذا السياق. وهناك ما يمنح عُمان ميزة نسبية للعب دور وساطي مهم في مساعي السلام: حيادها، وسياسة "صديق الجميع"، ومعرفتها بالملف اليمني، وعلاقاتها مع إيران والحوثيين.
انخرطت الدبلوماسية العُمانية مبكراً في الملف اليمني، فكانت من رعاة المبادرة الخليجية، وأسهمت في التوصل إلى اتفاق "السلم والشراكة" عام 2014، قبل أن تقترح خطة سلام أو مبادرة خليجية ثانية في 2015. ومع تعقّد المشهد، ركزت مسقط على دعم الجهود الأممية والدولية وتيسيرها، لكنها تحولت تدريجياً إلى مركز نشط للحوارات السياسية المتعلقة باليمن. فقد لعبت دور "ساعي البريد" الموثوق، ونقلت الرسائل بين مختلف الأطراف المعنية. ولعبت دور الميسّر والوسيط، واستضافت جولات حوار غير رسمية بين أطراف الصراع، خصوصاً بين السعودية والحوثيين، وصولاً إلى عقد محادثات مباشرة علنية بين الطرفين في 2023. وأسهمت مسقط كذلك في الوساطات الإنسانية: تبادل الأسرى، والإفراج عن رهائن غربيين لدى الحوثيين. وعلى الرغم من جمود مسار السلام منذ نهاية 2023، واصلت عمان جهودها لاستناف هذا المسار، وجهوداً جانبية موازية، أبرزها تسهيل مفاوضات غير مباشرة بين الحوثيين والأمريكيين أفضت في 2025 إلى وقف الهجمات المتبادلة. واستضافت مؤخراً مباحثات تبادل الأسرى. ورغم إسهامها في تحقيق نجاحات ملموسة، أبرزها التوصل إلى هدنة 2022، ومسودة خارطة الطريق في عام 2023، ظلت جهودها محكومة بحدود قدرتها على فرض حلول، ومتوقفة على إرادة الأطراف واستعدادها للتسوية وتحت رحمة التطورات الإقليمية والدولية.
في مواجهة مخاوفها والتهديدات التي يمثلها الصراع في اليمن، عملت مسقط على تعزيز موقف وكلائها وتوسيع دائرة حُلفائها وشبكة المحسوبية التابعة لها، مع إعطاء الأولوية لعلاقتها مع سكان المناطق الحدودية، فزادت من المعونات المقدمة لتلك المناطق، بما في ذلك المنح النفطية. وبمساعدة جهاز المخابرات العُمانية، وبطرق مختلفة، عملت على استقطاب الشخصيات السياسية والاجتماعية وزعماء القبائل. وزادت من عمليات التجنيس، حتى أن السلطان قابوس أصدر مرسوماً يسمح بالجمع بين الجنسيتين العُمانية واليمنية.
من جهة أخرى، قامت مسقط بدعم التوجهات المعارضة للسعودية والإمارات: دعمت الاحتجاجات المطالبة بانسحاب قوات الدولتين من المهرة، ودعمت تشكيل كيانات تؤطر هذه المعارضة، كمجلس الإنقاذ الوطني في المهرة وسقطرى الذي تشكل عام2019. ودعمت تظاهرات احتجاجية منتظمة ضد تواجد السعوديين في المهرة، وحدثت اشتباكات مسلحة متفرقة في المهرة بين القوات السعودي ومسلحين محليين مدعومين منها.
على الصعيد الأمني أيضاً، اتجهت مسقط لضبط الحدود ومراقبتها، وتعزيز الترتيبات الأمنية والدفاعية: قامت بزيادة أعداد قواتها على الحدود، والتنسيق مع الأمنيين اليمنيين، واتجهت إلى تطوير علاقتها الدفاعية مع رعاتها الدوليين، فوقعت اتفاقية دفاع مشترك مع بريطانيا نهاية عام 2018، وسعت لبناء تعاون عسكري مع الصين، وثمة تفاهمات مع هذه لبناء منشأة عسكرية صينية في أراضيها، وقامت بشراء مزيد من الأسلحة، حتى أنها كانت في الفترة بين 2012 و2021 من بين أكبر مستوردي الأسلحة في العالم، وشكل الإنفاق العسكري 7.3% من ناتجها المحلي.