صنعاء 19C امطار خفيفة

الجارودية.. العِرق يكتب نصّ العقيدة

عندما انسل أبو الجارود زياد بن المنذر من حلقات دروس محمد الباقر ليلتحق بصهيل خيول زيد بن علي، جاذباً معه خيوط التمرد، كان كأنما يبدل هواء التأويل بهواء السيوف. حمل معه فكرة أرادت أن تضبط معنى الإمامة بمسطرة سماوية وتنقل الانتماء من درس فقهي هادئ إلى التزام عقدي، يرى في السلطة حقاً مقرراً بترتيب لا يحتمل العبث.

في الكوفة خلال القرن الثاني الهجري الذي كان يكتب تاريخه بمداد متوتر، تشكلت الجارودية كقراءة تميل إلى تثبيت السلطة في قالب صلب، تقود علاماته إلى علي ثم إلى الحسن والحسين، وتتعامل مع هذا المسار كجزء من تعريف النجاة. تحول الخلاف السياسي المبكر إلى مادة مراجعة عقدية، وصار التاريخ ساحة اختبار إيماني طويل لا مجرد حكاية بشر يتنازعون ويدبرون شؤونهم.

انطلقت الجارودية  كصوت راديكالي يرفض القواعد الزيدية الأولى التي قبلت بإمامة المفضول مراعاة لمصلحة الجماعة، ومالت إلى قراءة أكثر صرامة لمسار الخلافة، معتبرة التقدم على علي خروجاً عن ترتيب مقرر سلفاً، ومحولة البيعة الأولى من فعل بشري إلى مادة للاحتقان العقدي الذي لا يغفره تقادم السنين، ليتحول الخلاف السياسي إلى مسألة تتجاوز إدارة الشأن العام نحو اختبار إيماني طويل، ويغدو التاريخ مادة للمراجعة العقائدية بدل أن يكون حكاية بشر يخطئون ويصيبون.

وقفت الجارودية في منطقة برزخية تتماس مع العقائد الإمامية في مسألة حصر الحق، غير أن الجارودية تفضل إماماً يمشي بين الناس ويجاهر بدعوته ويعلن خروجه وتترك للغيبة فلسفتها الخاصة في مكان آخر، وتتعامل مع العصمة بحذر محسوب، فيما تبقى السلالة إطاراً ثابتاً لا يُناقش، كأن شهادة الميلاد وثيقة دستورية وكأن السماء تتابع بدقة نسب الطامحين قبل أن تستمع إلى خطبهم.

وبينما انشغل الآخرون ببناء فلسفات الغيبة والانتظار الممل خلف أبواب السرداب، كانت الجارودية تصر على إمام يملك شجاعة الوقوف تحت الشمس، غير أن هذه الشمس لم تكن تشرق إلا على من امتلك 'خارطة جينية' تبدأ من خيمة أهل الكساء، وكأن الحق لا يكتمل إلا بصهيل الخيل الممزوج بعبق النسب الرفيع.

عندما عبرت هذه الرؤية الجبال إلى اليمن مع قدوم الهادي يحيى بن الحسين، وجدت تضاريس تساعدها على الرسوخ فتكوّنت الزيدية الهادوية، ومع الزمن صار الميل الجارودي عصباً مؤثراً في تصور الإمامة والحكم. وتحول النتاج العلمي من فقه عملي قريب من روح الكوفة إلى مدونات تُعلي من شأن الحصر في ذرية البطنين، وتمنح الخلاف التاريخي لغة أكثر صلابة، كما يظهر في كتابات عبد الله بن حمزة التي تتعامل مع الإمامة بوصفها عهداً مخصوصاً وتعيد تعريف الخصومة بلغة تتجاوز الجدل الفقهي إلى توصيف أخلاقي شامل.

تسللت الفكرة من بطون الكتب إلى تفاصيل الحياة اليومية. صار الأذان بعبارة حي على خير العمل إشارة هوية، وهيئة الصلاة علامة انتماء، والشعائر بطاقات تعريف صامتة. ومع تعاقب القرون ترسخ تصور للولاية يجعل تداول السلطة خارج إطار النسب احتمالاً نظرياً أكثر منه ممارسة واقعية، فتتشكل طبقات اجتماعية تتكئ على الامتداد العائلي، ويغدو الحديث عن الحكم مشروطاً بسلسلة نسب قبل أن يكون برنامجاً سياسياً، فتتمازج العقيدة بالأنساب مزاجاً واحداً، وتستقر فكرة أن العدل يحتاج إلى جذور عائلية كي يُزهر.

عاد اسم الجارودية إلى التداول خلال السنوات الماضية حيث يُستحضر مفهوم الولاية وتُستعاد سرديات المظلومية في سياق صراع سياسي مفتوح، ويتقاطع الخطاب مع مدارس إقليمية في طريقة توظيف التاريخ وتعبئة الذاكرة، ويغدو الماضي سنداً سياسياً للحاضر.

تبدو الجارودية كتجربة نقلت سؤال الإمامة من اجتهاد سياسي إلى بنية عقدية ترتكز على النسب ارتكازاً عضوياً، وتحمل توتراً دائماً بين خطاب العدالة وفكرة الاصطفاء، ينساب في النصوص كما ينساب في الواقع، ويمنح هذا التيار حضوره المستمر، حضوراً يكتب نفسه بذكاء تاريخي يبتسم أحياناً، ويقطب جبينه أحياناً أخرى، ويترك للقارئ أن يتأمل كيف يمكن لفكرة وُلدت في أزقة الكوفة أن تجد في جبال اليمن عمراً أطول من أعمار الرجال الذين أشعلوا شرارتها الأولى.

الكلمات الدلالية