توريث الوظيفة في اليمن: الأوليغاركية الممتدة
منذ الأمس والفيسبوك غارق في سيل من اقتراحات الأصدقاء حول التعيينات التي تقوم بها حكومة الشرعية، في سياق تمثُّل وهميٍّ للسلطة، ناتج عن شعور الأفراد بأنهم شركاء فيها، بينما هم في الواقع يمارسون تعويضًا نفسيًا عن العجز في الممارسة السياسية الحقيقية، بما يشبه الشعبوية الرقمية حين تُختزل الدولة في "بوست"، ومؤسساتها في "تعليق"، وقراراتها في ترشيح انفعالي من مؤثّر في فيسبوك أو في غيرها من وسائل التواصل الاجتماعي.
الأصدقاء في فيسبوك يمارسون أدوار هوائية وتمثيلية، كما لو كانوا على خشبة مسرح. فهذا الصديق يقترح فلانًا، وذاك يرشّح علّانًا، هذا يستحق، وذاك لا يستحق… وكأنّهم جميعًا صاروا شركاء في "زفّة اجتماعية"، وكلّ يرى نفسه، من خلال صفحته، معنيًّا ليس بإبداء الرأي فقط، وإنما بتسمية الأشخاص وتوزيع المناصب، وكأنّ التعيينات شأن شخصي، أو كأنّ الدولة صفحة فيسبوك تُدار بالتعليقات لا بالمؤسسات.
وفي هذا الإطار أعيد نشر هذه التدوينة التي سبق أن نشرتها في وقت سابق.
مرّ أكثر من ستين عامًا على قيام النظام الجمهوري في اليمن، وما زالت بعض الأسر تتحكّم في المناصب الوظيفية العليا والمتوسطة وحتى الدنيا، حيث تتوارث هذه الأسر الوظائف العامة كأحد أوجه هيمنة "الأوليغاركية" (حكم القلّة) التي تعتمد على التوريث أكثر من الكفاءة أو الأهلية. وتبدأ القصة منذ الأيام الأولى للنظام الجمهوري في اليمن، حين شارك فرد أو مجموعة من أفراد هذه الأسر في قيام النظام الجمهوري وتأسيسه، مما منحهم حقًا غير مستحق للاحتفاظ بالوظائف المختلفة، خاصة المناصب العليا، خلال عقود طويلة.
في الواقع، يمكنني أن أذكر نحو مئة أسرة تقريبًا لم تخرج من منصب الوزارة خلال هذه الفترة الطويلة وحتى اليوم. هؤلاء الأفراد توارثوا الوزارة كما لو كانت ملكية خاصة، وإذا غضضنا الطرف عن مشكلة توريث الوظيفة، فإن معظمهم فاشلون وغير مؤهلين للقيام بواجباتهم الوظيفية. فهل يكفي أن يكون أحدهم قد ساهم أبوه أو جدّه في ثورة أو حركة تغييرية ليُمنح حق احتكار الوظائف العامة لعقود طويلة؟ من غير المعقول أن يظل هؤلاء كأسر أوليغاركية محتكرة للسلطة والوظيفة مع فسادهم وعدم قدرتهم على أداء مهامهم بشكل كفؤ. بعض أفراد هذه الأسر أصبحوا أشبه بالمصابين بمرض هنتنغتون نتيجة الزواج الدائم مع الوظيفة، حتى إنهم قد ورثوا ضعفًا فكريًا وإداريًا، بل ربما حتى جينات التخلف الإداري، من خلال الارتباط المستمر بالوظيفة داخل الدوائر العائلية المغلقة.
إن توريث الوظيفة لن يؤدي إلا إلى الفشل الإداري وعدم الاستفادة من الكفاءات الموجودة في البلاد. كذلك يؤدي توريث الوظيفة إلى انعدام المساءلة، خاصة عندما تكون المناصب محصورة بين عدد قليل من الأُسر، مما يجعل المحاسبة شبه معدومة، ويؤدي إلى انتشار الفساد وغياب الشفافية، فضلًا عن التهميش الاجتماعي لشرائح واسعة من المجتمع. وهذا يعزّز التفرقة الطبقية والاجتماعية ويؤدي إلى ضعف الانتماء الوطني. إن استمرار هذه السياسة في توريث الوظائف سيؤدي إلى تأبيد الفجوة بين النخبة وبقية الشعب، ويعمّق من أزمات اليمن الاقتصادية والاجتماعية، مما يجعل من الصعب تحقيق أي تقدّم حقيقي على أرض الواقع.
كيف يمكن لأي دولة أن تتقدّم إذا كانت مفاصلها الحيوية في أيدي فاسدين، أو في أحسن الأحوال لا يملكون القدرة على اتخاذ القرارات الصائبة أو مواجهة التحديات؟
المشكلة لا تكمن فقط في هؤلاء المسؤولين الذين فقدوا الأهلية الوظيفية، بل تكمن في حقيقة أن هذا التوريث الممتد للوظيفة يعني أن أكثر من ثلاثين مليون يمني لا يوجد بينهم من يتحمّل المسؤولية بشكل حقيقي..! هذه المنظومة المتكلّسة تجعل من المستحيل على الدولة أن تستفيد من طاقاتها البشرية المتنوعة، مما يخلق طبقة من النخبة السياسية والإدارية التي لا تشعر بمسؤوليتها تجاه المجتمع ولا تتفاعل مع احتياجاته، مستندة إلى ماضيها النضالي..!