صنعاء 19C امطار خفيفة

ترامب.. المخلص التلمودي

من كربلاء مرورًا بحائط المبكى، إلى حفر الباطن، ومن عناقيد عنب صنعاء إلى جماليات شجرة دمّ الأخوين في سقطرى؛ فرادة الموقع وعراقة التاريخ، مرورًا بحروب صعدة وما تلاها من سهامات طائشة أطلقتها مدافع سان سبستيان في ربيعٍ كالح… ليُطاح بالرئيس اللا صالح، ومن تلاه من جوقة حكّام «أهون الشرّين»، الذين ظلّوا خلال فترات حكمهم التي تحوّلت إلى ابتكارات لأزياء العائلات والمشيخات التي توارثت الحكم أبًا عن جد.

وقد كان يا ما كان من مجريات ربيعٍ أهوج نالت من خلاله بلقيس اليمن «جائزة نوبل»، التي كان التلمودي الأرعن ترامب يسعى لنيلها، لكن الجائزة ذهبت لعنقاء آخر الزمان، عارضة أزياء معارضة من الدرجة العاشرة حسب الطلب، معارضة لنظام فنزويلا، الذي تهوّر ترامب، وعبر قرصنة لا مثيل لها، بعد أن عطّل كل وسائل الاتصال والتواصل وأدوات المراقبة، ليقتاد الرئيس مادورو سجينًا تحت سمع ونظر العالم، تمهيدًا لإعادة صياغة قطبية القوة الأمريكية وعناوينها:
تغيير نظام الحكم ضمن مسعى لإعادة هندسة منطقة الكاريبي على هوى الكاوبوي الأمريكي، باعتبارها منطقة خالصة للنفوذ الأمريكي.
محاكمة الرئيس مادورو… ونِعْمَ بالله على العدالة الأمريكية.
الاستيلاء عنوةً على موارد فنزويلا، أغنى بلدان العالم نفطًا.
التلويح عبر مفاعيل القوة بأن لا مجال لأي قطب يتحدّى شعار «ميغا: أمريكا أولًا».
ضمن هذه العناوين والمشتهيات، وضمن طبق فلكلوري من إعداد وإخراج عليل الفكر، متين العضلات، يُعِدّ ترامب العدّة لإعادة صياغة العالم حسب هوى المصالح الكبرى الرأسمالية للشيطان الأكبر. فما سنراه بعد حصار فنزويلا سيفرض على الكاريبي أولًا، يليه حصار أمريكا الجنوبية، باعتبارها الحديقة الخلفية لأمريكا.
وسيمضي للذهاب بعيدًا لاستلاب جزيرة غرينلاند، إلى إعادة تربية أوروبا، وختامًا سيُكمل رقصة التانغو مرة مع الصين، ومرة مع بوتين روسيا.
الصين عبر ملف بحر الصين وجزيرة فرموزا، وسباق ماراثوني على قيادة العالم اقتصاديًا، وروسيا عبر مفاعيل حرب أوكرانيا والصراع على مخزونات الموارد الثمينة.
أما الشرق الأوسط، فحسابه في المعادلة الترامبية بات يسيرًا بعد أن اختلّت موازين المنطقة، للأسف، لصالح أمريكا وإسرائيل، وكلاهما قدمان في بنطال واحد. وهكذا كان، حتى حان وقت إيران وأذرعها، لقطف ثمراتها عبر الإطاحة بالمرشد الأعلى خامنئي اغتيالًا، عبر عملية اغتيال للشرق الأوسط بأكمله، وإعادة هندسته وفق قراءات تلمودية تُترجم لاحقًا لاتفاقات إبراهيم.
أما القارة الهندية، فبعد الزيارة المشؤومة لرئيس وزراء الهند التلمودي التفكير، وبمقتضاه ستُعاد هندسة طرق التجارة والإمداد عبر خطوط الهند مرورًا بالخليج، تحديدًا جبل علي بالإمارات، وصولًا لدولة الكيان، بعد إعادة هندسة خارطة غزة، ربطًا للتبادل التجاري مع أوروبا، بما يُضعف ويواجه مكانة قناة السويس.
إلى جانب ما سيطال جوهر الصراع الهندي–الباكستاني–الأفغاني خدمة لمحور دلهي–تل أبيب. بل إن الأمر سيأخذ أبعادًا تطال ليس فقط «النجم الأحمر» الصيني الصاعد لكبح جماح تمدّده وانتشاره، حيث يعمل ترامب على تغذية وإثارة النزاعات والصراعات وفتح ملفات ما زال لهيب نيرانها لم ولن تهدأ آثارها سياسيًا واقتصاديًا، سعيًا لإجهاض فكرة خلق محور «البريكس» المواجه لهيمنة القطبية الغربية بمعناها الاستعماري المهيمن.
أما المنطقة العربية ووضعها بعد الحرب الدائرة حاليًا على إيران، فإلى المزيد من تغذية عوامل وعناصر التفتّت قبليًا، عبر هندسة طوائف ومذهبيات، وهلم جرّا. للأسف، جلّ منطقتنا العربية باتت رهينة المحبسين، لا ترى أبعد من أنفها، حبيسة ارتباطاتها الأمريكية.
بينما نجد مصر العزيزة عمدًا وتعمدًا محاصَرة بأحكام عبر تحالفات صهيونية إثيوبية. أما مصير الدولة الفلسطينية فبات غامضًا تحت مداميك مبايعات «مجلس ترامب الصهيوني للسلام الكاذب».
أما لبنان العزيز، فقد بات جملة يتم تفسيرها بعد قضم سوريا أمريكيًا وتركيا إسرائيليًا، حسب قراءة الكاهن الأمريكي توم باراك، موفد إله الكون الجديد ترامب لرعاية شؤون الشرق الأوسط.
أما السودان وليبيا فقد باتا على شفا حفرة من نار، تحترق من نفس فم المنفاخ القاذف للهب فيها، وأصله للأسف عربي خليجي، ينفخ نيرانه ليس في السودان وليبيا فقط، بل ضمن نطاق يجد تفسيره في محتوى مشروع «السلام الإبراهيمي» وعنوانه اتفاقات أبراهام.
وبلادنا اليمن غرقت بأوحالها عبر تغوّلات أطراف سعت لتمزيقها، وما تزال بقايا الحريق لم تنطفئ بعد.
وهنا نتوقف برهة لنأخذ شهيقًا وزفيرًا، حتى تتنظف ليس فقط مسالك التنفّس كي تستمر الروح الوطنية حيّة، ولكن أيضًا كي يظل العقل الجمعي الوطني ببلادنا حاضرًا جنوبًا وشمالًا.
وتقتضي الضرورة والصيرورة التاريخية إعادة صياغة مشروع وطني نغادر من خلاله خانات الحرب واستلاب الآخر، إلى واقع يتحلّل من:
آثام الحرب وفرض الوقائع على الأرض بالقوة.
مغادرة خانة التخوين وإلغاء الآخر، فالوطن ملك للجميع، والحقيقة نسبية، ولا يملك أي طرف، مهما ادّعى، امتلاك الحقيقة المطلقة، ولا التفويض السماوي المنزل، ولا التفويض الشعبي الحقيقي، الذي يُلغي الآخر ويتصدّر عنوة المشهد، وكانت نتيجته ما شاهدناه من خراب ودمار ودماء جرت داخل الربوع اليمنية كلها، من صعدة إلى صنعاء إلى عدن إلى حضرموت، بل شملت كل الوطن.
والختام: بعد الدماء، الجلوس إلى طاولة العقل والحوار، ضمن المؤتمر القادم، حوار ندّي حقيقي خالٍ من الفرض والإجبار، يتبنّى مصالح شعب ومستقبل بلد، تتم من خلاله مغادرة نهائية لآلة الحرب واستلاب الآخر.
وكل ما نرجوه ونأمله اقتناص وفهم حقيقي لأبعاد هذه الفرصة التاريخية لإخراج البلاد والعباد من نفق أزمة باتت تتكرر مع حوليات عشرية من تاريخ البلاد وشعبها، بما يعني تعطّلًا حقيقيًا لمسار حياة الناس مكتملة الأركان سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا وعلميًا وثقافيًا.
كل ذلك مرهون بقراءات فاحصة متمعّنة تضمن الخروج والوصول إلى دولة وطنية غير ممزّقة، بعيدًا عن توجهات برزت مؤخرًا ذات طابع غير وطني، بينما المطلوب تواصل وطني بعيد عن أي هيمنة أو تسميات ضيقة، وضرورة الاحتكام للدستور والقانون، لا لعنصر القوة والارتهان للعامل الخارجي أيًّا كان، كوسيلة للإجبار وفرض الأمر الواقع.
وهنا نسأل ونقول:
ترى من سيمسك بقميص عثمان ويرفعه على رؤوس الأشهاد للمزايدة به بعد كل ما جرى؟
لا نريد رؤية من يرفع قميص عثمان للمزايدة.
الكل مطالبون، من ذهبوا ومن لم يذهبوا، إلى مؤتمر حوار الرياض المزمع انعقاده، بإنجاح مهمات هذه المحطة التاريخية بما يلبي تطلعات الجنوب والشمال، مع تأكيداتنا على ما يعنيه الوصول لحل وطني حقيقي للقضية الجنوبية، كشريك فاعل ومقرّر، وليس مجرد ملحق.
وعلى ذلك يُعوّل شعبنا كثيرًا، ومعهم كل الخيرين في البلاد شمالًا وجنوبًا.

الكلمات الدلالية