التخابر... فوضى الاتهام وغياب المعنى
تُعدّ تهمة «التخابر» من أخطر التهم التي يمكن أن تُوجَّه لأي شخص، وتتضاعف خطورتها حين تُفرَّغ من معناها القانوني، وتُوظَّف في الصراع المحموم بين سلطات الأمر الواقع المختلفة، فتتحول من توصيف قانوني محدد إلى سلاح سياسي لإسكات الخصوم، أو أداة لتكميم الأصوات المخالفة، أو ورقة ضغط في مواجهة المحيط والمجتمع الدولي.
فلا يوجد تخابر «حميد» وآخر «خبيث». فجريمة التخابر، في ظل دولة مؤسسات شرعية ورسمية، جريمة واحدة يعاقب عليها القانون دون انتقائية أو ازدواجية. أما حين تتحول هذه التهمة إلى توصيف فضفاض يُفصَّل على مقاس أطراف الصراع، فإن ذلك لا يقوّض مفهوم العدالة فحسب، بل يهدم هيبة القانون، ويجعل الوطن رهينة لرؤى ضيقة ترى المصلحة العامة وشكل الدولة من زاوية فئوية، لا من منظور الدولة الجامعة التي يلتقي حولها الجميع.
وحين يتبادل أطراف الصراع الاتهامات بالخيانة، ويكون كل طرف أول من ينتهك القانون الذي يدّعي حمايته، فإن المشهد يتحول إلى عبث سياسي تُدار فيه الخلافات بمنطق الاستقواء ويضيع منطق الدولة، وتُزجّ العدالة في أتون الصراع، وتتحول السجون إلى أدوات تصفية سياسية، وتُستبدل القيم الوطنية بمسرحيات هزلية واستنفارات بلا جدوى.
إن الحكمة تقتضي إيقاف هذا النزيف، وإغلاق ملفات التشهير والتخوين، والعودة الصادقة إلى الوطن؛ إلى اليمن الجامعة التي تتسع للجميع، ولا تُختزل في فئة أو مشروع خاص. لقد آن الأوان طيّ صفحة الخلافات، وفتح صفحة يمنية خالصة، قوامها الحوار الصريح والمسؤول بين اليمنيين، بمشاركة واعية من الجوار، فالسفينة واحدة، والمصير واحد، والغرق -لا قدّر الله- لن يستثني أحدًا.
إنه زمن إعادة التكتل والالتحام، وتفادي التلاشي ومواجهة التهديد بالمصير المشترك، وزمن الاحتكام إلى الحكمة قبل أن يفوت الأوان.