صنعاء 19C امطار خفيفة

هذه ليست حربكم

هذه "ليست حربكم" عبارة وردت على لسان وزير خارجية سلطنة عُمان بعد لحظات من العدوان على إيران. ليس للعبارة من معنى سوى أن أمريكا تخوض حربا بالوكالة عن إسرائيل، كما فعلت عام 2003 في عدوانها على العراق ثم احتلاله وجعله بصورته الضعيفة الحالية. الاستراتيجية الإسراء-أمريكية تريد أنظمة مطواعة في المنطقة. أمريكا التي تنتقد أذرع إيران، لا مانع لديها في أن تكون ذراعا لإسرائيل، الحاكم الفعلي في واشنطن. إن العدوان الثنائي الأمريكي-الإسرائيلي على إيران ليس من أجل النووي أو الحرية للإيرانيين، التي من بشائرها قتل إسرائيل لـ108 طفلة في مدرسة ابتدائية للبنات وجرح ضعف هذا العدد، لأن أمريكا لم تناصر قضية الحرية طوال تاريخها.

قصف مدرسة ابتدائية للبنات في إيران- منصات

وهذه الحرب ليست سوى خدمة للمصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، وليس للحرية التي تنكرها أمريكا على الفلسطينيين، ولا تريدها لكوبا التي تريد احتلالها احتلالا وديا، ولا لجزيرة جرينلاند التي تريد أمريكا استعمارها.

الذريعة النووية:

منذ ربع قرن وإسرائيل تصرخ في كل مناسبة خوفا من النووي الإيراني، وتحذر من استهدافه لأوربا وأمريكا. وفي إحدى أكاذيب نتنياهو قال بأن إيران ستتوصل إلى إنتاج قنبلة نووية بعد أسبوعين، ومع ذلك تنصاع أمريكا لأكاذيبه، وتقول فرنسا أمس إنها تريد من إيران التفاوض بحسن نية! إن من لا يريدون إيران نووية يعون أن هدف إسرائيل هو أن تستمر في احتكار القنبلة النووية التي تملك منها 200 رأس، ساعدتها بريطانيا وأمريكا وفرنسا على إنتاجها، والاستحواذ على التكنولوجيا العسكرية والمدنية، ليبقى الجوار كله مستهلكا وتحت رحمتها. قبل العدوان بأقل من 24 ساعة قال وزير خارجية سلطنة عُمان، بدر البوسعيدي، لقناة CBS الأمريكية ما يلي: "لو أن الهدف النهائي للمفاوضات مع إيران هو منعها من امتلاك سلاح نووي إلى الأبد، فقد حققت المفاوضات اختراقا غير مسبوق، حيث وافقت إيران على عدم تصنيع أي مواد قد تستخدم لإنتاج قنبلة نووية، وهذا ما لم يكن موجودا في اتفاق 2015، وأنه سيتم التخلص من المخزون النووي الإيراني". وزير خارجية إيران صدر منه تصريح يدعو إلى التفاؤل أيضا، ولكن أمريكا الرسمية التابعة لتل أبيب لا تتوقف عن الكذب. فقبيل شن العدوان كان وزير الحرب هجسيث يتحدث عن المسيحية كعقيدة للقوات المسلحة الأمريكية، ولكنه سرعان ما كشف عن الوجه اللامسيحي لأمريكا بكذبه الفاضح بقوله: "أن سبب الهجمات على إيران هو رفضها التوصل إلى صفقة مع الولايات المتحدة". وهذا يتنافى مع ما قاله العمانيون، وهم الأصدق. قبل العدوان عقدت جولات تفاوض خادعة للعمانيين والإيرانيين ولكل دول العالم، لأن العدوان كان مبيتا منذ أسابيع بحسب مصادر عديدة، وبحسب ما نشر عن إشعار أمريكا لدول خليجية عن هجوم وشيك على إيران، ربما في الوقت الذي كان فيه الوزير البوسعيدي يتحدث في CBS.

أهداف العدوان:

الأهداف عديدة، وكلها في الصالح المشترك لدولتيه الاستعماريتين العنصريتين ومن يقودهما. ترامب يواجه ضغوطا كبرى ليقول الحقيقة عن علاقته المشبوهة بالمجرم إبستين، التي تدينه صوره العديدة وهو مع أطفال تعرضوا للانتهاك الجسدي، ولرفع منسوب شعبيته المتدنية في أحدث الاستطلاعات، ولإضعاف صديق للصين يصدر إليها النفط ولا يتعامل معها بالدولار، ولإضعاف مشروع الحزام والطريق الصيني الذي خلقت أمريكا طريقا موازيا له سمي بـ"الممر الهندي"، والذي يضم الهند ودولة الإمارات ويمر بغزة ودولة الاحتلال وصولا إلى أوربا. أما نتنياهو، فبعد تدميره لغزة وتهربه من التحقيق عن مسؤوليته وإخفاقه بصد هجوم السابع من أكتوبر 2023 ضد المستعمرين في غلاف غزة، فيريد تحقيق نصر خارجي يعفيه من إدانته بالتقصير وينقذه من محاكمته بتهم الفساد التي بلغت جلساتها 57 جلسة منذ عام 2019.

مصير النظام الإيراني:

الذين ينتقدون سياساته الداخلية والخارجية وأوتوقراطية السلطة يتوقعون سقوطه، رغم علمهم بأنه قد بنى قاعدة شعبية وخلق مصالح تمكنه من البقاء، رغم وجود العديد من العناصر التي تجعله محل نقد، ومنها عدم الفصل بين الدين والحكم والفساد والطائفية والقمع وخلق عدم الثقة بينه وبين جيرانه. مشكلة الإيرانيين أن البديل الذي سيبني دولة مدنية لا وجود له، وإن وجد فشعبيته ضعيفة وفي الخارج. من جهة ثانية فإن البديل لن يكون عودة نظام الشاه الإمبراطوري بقيادة رضا بهلوي، نجل الشاه المؤيد لإسرائيل، الذي لا تؤيده إلا أقلية محدودة داخل إيران وخارجها، ومنها مؤيدون في بريطانيا شربوا نخب العدوان، "شمبانيا"، في رمضان ورقصوا ورفعوا أعلام أمريكا وإسرائيل وصور نتنياهو وترامب وقالوا: شكرا لترامب. من يريد نهاية لنظام ولي الفقيه، الذي لا يخلو الوطن العربي من طبعات مشابهة له، فعليه مد النظر إلى الصورة كلها، ويفكر بأنه إذا انتصر نتنياهو وترامب في إيران فعليه انتظار نفس المصير، لأن العدوان خطوة استراتيجية أولى لتغيير خريطة الشرق الأوسط وتحقيق الحلم الصهيوني بإنشاء إسرائيل الكبرى باستعمار أراضي دول مجاورة وغير مجاورة، والتفكيك الطائفي لعدة دول عربية. يقول المثل اليمني: "إذا حلق أخوك بلّيت..".

الكلمات الدلالية