صنعاء 19C امطار خفيفة

محاكمة الزبيدي أخلاقيًا هي البداية

السقوط السياسي ليس النهاية، والهزيمة العسكرية ليست النصر المبين، لكن المحاكمة الأخلاقية هي البداية!

لا يمكن اختزال سقوط عيدروس الزبيدي ومجلسه الانتقالي «القروي» في موازين القوى العسكرية أو في المناورات السياسية وحدها؛ فالسقوط الحقيقي – الذي لا قيام بعده – هو السقوط الأخلاقي على عيون الأشهاد.
ومع ذاكرة جمعية ضعيفة ومشتتة، قد يتجاوز التاريخ الفشل العسكري، وقد يبرر الهزائم السياسية، لكنه لا يغفر دماء الناس، ولا آهات المعذبين، ولا آلام المغيبين قسرًا.
لذلك، فإن الخطوة الأهم اليوم – بالتوازي مع إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري والأمني – هي كشف الحقيقة كاملة وتعرية تفاصيلها، عبر فتح «الصناديق السوداء» لملفات انتهاكات حقوق الإنسان التي مارسها المجلس الانتقالي في سجونه ومراكز احتجازه الخاصة ضد معارضيه، وفي مقدمتهم المخفيون قسرًا، والمعتقلون، والذين تمّت تصفيتهم في الزنازين الرهيبة.
لم يُفرّق الانتقالي بين عابر طريق وقاطع طريق، ولا بين رجل وامرأة، ولا بين طفل وشيخ، ولا بين مريض وطالب، ولا بين صاحب رأي وصاحب عربة لبيع الفاكهة.
يجب أن تتحول هذه الملفات إلى قضية رأي عام وطني وإقليمي ودولي، تُنشر تفاصيلها بلا تردد في جميع وسائل الإعلام محليًا وإقليميًا، لتكون فضيحة أخلاقية مدوية تعرّي الجلادين وتكشف منظومات القمع للمجلس الانتقالي، ومن ورائه دولة الإمارات؛ تمامًا كما كُشفت ملفات سجن «صيدنايا» والمسالخ البشرية لنظام الأسد.
هذه الإجراءات يجب أن تتم وفقًا لقوانين حقوق الإنسان الوطنية والدولية، وليس بدوافع الثأر ومشاعر الانتقام.
وستفقد هذه الإجراءات قيمتها الأخلاقية إذا تمت بدافع الانتقام.
وِفقًا للقاعدة الأخلاقية والتاريخية التي تقول: «من أمِن العقاب أساء الأدب».
فإن تعرية هذا الإرث القمعي، وكشف فظائعه، وتعرية فضائحه أمام الناس والإقليم والعالم، تمثل ضمانة مهمة لعدم تكرار هذه الجرائم، وشرطًا استباقيًا لوقف سياسة الإخفاء والقتل التي استباحت كرامة الإنسان اليمني.
كما أن السقوط الأخلاقي لعيدروس والانتقالي هو شرط لازم لتعزيز الوعي الوطني بحقوق الإنسان، وسابقة شرطية تجعل أي وحش بشري مهووس يفكر ويتردد قبل ارتكاب تلك الجرائم تحت أي لافتة.
وأخيرًا، كما أولًا،
القول الفصل هو:
إن استعادة الدولة اليمنية هي الضامن الحقيقي للحريات، ولصون كرامة الإنسان اليمني وحماية حقوقه الأساسية.
أما محاولات تقسيم اليمن، والعبث ببنائه الدستوري، وتمزيق نسيجه الوطني، فلن تنتج عنها إلا دويلات قمعية فاشية على أسس قروية ومذهبية، تُنتهك فيها حرمات الناس وأعراضهم وأموالهم.
وحدها الدولة اليمنية القائمة على العدالة والمساءلة وسيادة القانون هي القادرة على كسر دائرة الدم، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب، وبناء مستقبل لا يُعاد فيه إنتاج الجريمة باسم السياسة أو السلاح أو الجغرافيا.

الكلمات الدلالية