صنعاء 19C امطار خفيفة

حين تعيد القوى الكبرى ترتيب العالم

يمرّ العالم اليوم بمرحلة دقيقة، قد لا تبدو واضحة في تفاصيلها اليومية، لكنها عميقة الأثر في مسار السنوات القادمة. ما يجري ليس حدثًا عابرًا، ولا أزمة مؤقتة، بل إعادة ترتيب واسعة لموازين القوة الدولية، ستنعكس آثارها على الجميع، بما في ذلك الدول البعيدة عن مراكز القرار، ومنها اليمن.

العام الحالي والذي يليه يُنظر إليهما، في حسابات القوى الكبرى، بوصفهما مرحلة حاسمة لرسم ملامح النفوذ في هذا القرن. الولايات المتحدة، بوصفها القوة الأكثر تأثيرًا في النظام الدولي، تتحرك اليوم بعقلية مختلفة، أقل صبرًا، وأكثر ميلًا إلى الحسم. وهي ترى أن المنافس الحقيقي الوحيد الذي يهدد موقعها هو الصين، لا دولة أخرى.
من هذا المنطلق، يمكن فهم كثير من التحركات الأمريكية التي تبدو، للوهلة الأولى، متفرقة أو غير مترابطة. فالصين لم تتوسع بالقوة العسكرية المباشرة، بل عبر التجارة والاستثمار وبناء الشراكات الاقتصادية بهدوء. هذا النوع من النفوذ أقل ضجيجًا، لكنه أكثر ثباتًا، وقد أثار قلق واشنطن لأنه يغيّر موازين القوة دون إطلاق رصاصة واحدة.
في أمريكا اللاتينية، بدأت الولايات المتحدة تشعر بأن نفوذها التقليدي يتآكل. فكان لا بد من إعادة الإمساك بالملفات الحساسة، مثل قناة بنما، ومصادر الطاقة الكبرى. فنزويلا، بما تملكه من نفط، وبما تمثله من توجهات سياسية قريبة من الشرق، أصبحت جزءًا من هذا الصراع، ليس لذاتها فقط، بل لدورها في تغذية الاقتصاد الصيني بالطاقة.
أما إيران، فهي في نظر واشنطن وتل أبيب دولة تعرقل التوازن الإقليمي. لكنها في الحسابات الأوسع تمثل حلقة مهمة في شبكة الاقتصاد الصيني، سواء عبر النفط أو عبر موقعها الجغرافي في طرق التجارة الدولية. من هنا يمكن فهم الضغوط الكبيرة المفروضة عليها، والتي لا تتوقف عند حدود الخلافات السياسية أو الأمنية.
في شمال العالم، تبرز غرينلاند كمنطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة، سواء بسبب موقعها أو مواردها أو دورها المستقبلي في طرق التجارة. السعي الأمريكي للسيطرة عليها يعكس رؤية ترى المصالح قبل التحالفات، وتتعامل مع الشراكات الدولية ببراغماتية شديدة.
أما روسيا، فهي تمثل الشريك الأهم للصين في موازنة القوة الغربية. ولهذا فإن انشغالها في حرب طويلة الأمد في أوكرانيا يخدم، من وجهة النظر الأمريكية، هدف إضعاف هذا التحالف أو على الأقل تقليص قدرته على التأثير العالمي.
وسط هذا المشهد المعقّد، تبقى تايوان النقطة الأكثر حساسية. فهي تمثل بالنسبة للصين قضية سيادة، وبالنسبة للولايات المتحدة خطًا متقدمًا في مواجهة النفوذ الصيني. أي تصعيد هناك لن يكون حدثًا محليًا، بل شرارة قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وإلى استقرار مناطق بعيدة جغرافيًا، لكنها مرتبطة بالسوق والطاقة والغذاء.
قد يبدو كل هذا بعيدًا عن هموم اليمنيين اليومية، لكنه في الحقيقة ليس كذلك. فاضطراب النظام العالمي يعني اضطراب أسعار الغذاء والطاقة، ويعني تغير أولويات الدول المانحة، ويعني أن الأزمات المحلية قد تطول أكثر مما نتصور. الدول الضعيفة عادة ما تدفع ثمن صراعات الكبار، حتى وإن لم تشارك فيها.
ما نعيشه اليوم هو صراع بين قوة صاعدة ترى أن الزمن يعمل لصالحها، وقوة مهيمنة تخشى أن يفلت منها زمام القيادة. وبين هذا وذاك، يقف العالم في منطقة رمادية، لا حرب شاملة ولا سلام مستقر.
الفهم الهادئ لما يجري لا يغير الواقع فورًا، لكنه يمنحنا قدرة أفضل على قراءة المستقبل، وعلى إدراك أن ما يحدث خارج حدودنا ليس منفصلًا عما نعيشه داخلها. وفي زمن التحولات الكبرى، يكون الوعي أحيانًا هو الخطوة الأولى نحو تقليل الخسائر، حتى عندما لا نملك تغيير المسار.

الكلمات الدلالية