الأحزاب والفساد: مسؤولية الموقف قبل فوات الأوان
في ظل ما يتكشف اليوم من قضايا فساد أخذت تتداول علنًا، والمنسوبة للمجلس الانتقالي، ومشاركة وبموافقة الحكومة، تبرز مرحلة دقيقة تتطلب موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا واضحًا، لا يكتفي بإدانة الانتقالي، بل يبدأ بمراجعة الذات.
إن خطورة اللحظة الراهنة لا تكمن فقط في حجم الفساد المطروح، بل في اتساع دائرة الصمت حياله، وفي تحوّل هذا الصمت -بقصد أو بغير قصد- إلى غطاء سياسي يمنح ممارسات خاطئة قدرًا من الشرعية.
الأحزاب السياسية ليست كيانات معزولة عن الواقع العام، بل جزء من بنية المشهد السياسي، ومسؤوليتها مضاعفة بحكم خطابها ودورها التاريخي. ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس بيانات إدانة عامة، مع أنه إلى الآن لا توجد أية إدانة من أي حزب، بل خطوات عملية تعكس جدية الموقف.
إن أي حزب يسعى إلى إصلاح الدولة، لا بد أن يبدأ بإصلاح بيته الداخلي، وترسيخ مبدأ المساءلة والشفافية التنظيمية بوصفهما ركيزتين أساسيتين للعمل الحزبي السليم.
الشفافية حق تنظيمي
وانطلاقًا من هذا المبدأ، يصبح من حق أعضاء الأحزاب وهيئاتها القيادية والرقابية الاطلاع الواضح والدقيق على:
الموارد المالية
مصادر التمويل
ميزانيات الأحزاب
آليات الصرف
وأوجه الرقابة والمحاسبة.
وفي هذا السياق، فإن الحزب الاشتراكي اليمني، بما يحمله من إرث سياسي ونضالي وانحياز تاريخي لقضايا العدالة الاجتماعية، معنيّ اليوم بتقديم نموذج عملي في الشفافية، ينسجم مع قيمه المعلنة، ويعزز ثقة أعضائه وجمهوره.
إن إدانة الفساد في مؤسسات الدولة تفقد معناها إذا لم تترافق مع محاسبة داخل الأطر الحزبية نفسها أولًا، فلا تعظ الناس بالتقوى وأنت فاسد. فالتغاضي عن أي خلل داخلي، مهما كان حجمه، يضعف الخطاب السياسي، ويقوّض مصداقية الدعوة للإصلاح.
والأخطر من ذلك، أن استمرار مشاركة الأحزاب في مشهد سياسي مختل، دون مراجعة أو موقف واضح، يسهم في إطالة عمر الأزمات، بينما يدفع المواطن البسيط الثمن الأكبر من معيشته وكرامته.
نحن اليوم أمام وضع اقتصادي واجتماعي بالغ الصعوبة:
فقر متزايد، إذ تعد اليمن من أفقر الدول حسب التقارير الأممية.
غياب للرواتب.
تراجع للخدمات.
وانسداد في الأفق السياسي.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح رفع الصوت المسؤول واجبًا وطنيًا، لا بد أن يصدر من داخل الأحزاب قبل خارجها، دفاعًا عن المجتمع، وعن السياسة نفسها بوصفها أداة تغيير لا أداة تبرير.
إن معركة مكافحة الفساد لا يمكن أن تُخاض بانتقائية، ولا بشعارات عامة.
بل تبدأ من:
الشفافية
والمساءلة
واحترام حق العضو
واستعادة ثقة الناس بالعمل السياسي
دون ذلك، ستبقى الأحزاب جزءًا من الأزمة لا جزءًا من الحل، وسيبقى الفساد هو المستفيد الأكبر من هذا الصمت الطويل أما دون ذلك، فسيظل الفساد هو الحزب الحاكم،
والشعب... مجرد ضحية مؤجلة.
* باحث في علم المناعة الجزائية، ألمانيا