من الحمدي إلى الغشمي.. أبو إصبع يروي شهادته عن الاغتيال ومشروع الدولة الذي لم يكتمل
في الحلقة الثالثة من برنامج «حكايتي»، يأخذنا الأستاذ يحيى منصور أبو إصبع، رئيس اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، في جولة عميقة داخل مرحلة مفصلية من تاريخ اليمن الجمهوري، تبدأ بعد كسر حصار السبعين، مرورًا بالمصالحة الوطنية وما أفضت إليه من عودة الملكيين ضمن إطار النظام الجمهوري، وصولًا إلى تشكل التنظيمات اليسارية واختلاف خياراتها بين العمل السياسي والعمل المسلح. كما يتوقف عند تفاصيل تأسيس الحزب الديمقراطي الثوري اليمني، والدور الذي اضطلعت به شخصيات بارزة مثل عبدالقادر سعيد وسلطان أحمد عمر في رسم ملامح تلك المرحلة.
ويروي أبو إصبع، في حديثه للزميلة رحمة حجيرة، شهادته حول علاقة الرئيس إبراهيم الحمدي بمشاريع «دولة النظام والقانون» والتعاونيات، مستعرضًا رواية تحذيره من مخطط اغتياله قبل أيام من وقوعه، ثم انتقال المشهد إلى مرحلة أحمد الغشمي، وظروف تسليم نفسه، وملابسات قربه من مركز القرار آنذاك.
حلقةٌ تُقدَّم بوصفها شهادة سياسية وتاريخية، تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية مع التحولات الكبرى، وتفتح بابًا واسعًا لأسئلة ظلت معلّقة، ولم تجد حتى اليوم إجاباتٍ مكتملة.
"النداء" تنشر النص الكامل للحلقة بالتزامن مع عرضها المصوّر على قناة "حكايتي" في يوتيوب.
--------------------------
رحمة: مرحبًا مشاهدينا. الحديث مع الأستاذ يحيى منصور أبو إصبع حديثٌ ذو شجون وممتع، وفيه الكثير من المعلومات القيمة. لأول مرة نتطرق للصراع الذي تبع ثورة 26 سبتمبر بين الجمهوريين التقليديين والجمهوريين الليبراليين، ولأول مرة نقترب من نشاط الجبهة القومية والحزب الثوري الديمقراطي اليمني.
أهلًا أستاذ يحيى، كنا قد وصلنا في الحلقة السابقة للانتخابات التي تمت في محافظة إب، وحاول الجمهوريون التقليديون الالتفاف عليها، فإلى أين وصلوا؟
أبو إصبع: في الحقيقة تحولت إب إلى مظاهرات شاملة كاملة، وأعلنوا الإضراب العام، وشُلَّت حركات المرور، حتى عمال الحطب كان لديهم نقابة وأضربوا، وأصحاب الطواحين أضربوا. في إب خرجت النساء مع عبدالحفيظ بهران: أنه لا يوجد طحين ولا يوجد حطب. فأرسل القاضي عبدالرحمن الإرياني، مع أنه لم يكن متشددًا ضد عبدالحفيظ، لجنةً برئاسة القاضي محمد إسماعيل الحجي وعدد من الوزراء بينهم الداخلية والإعلام.
سمعنا بهذه اللجنة فتحركت الجماهير إلى خارج إب على بعد ثلاثة - أربعة كيلو، وعندما وصلوا رأوا الجماهير، والناس يخبروهم بأن إب جميعها جماهير، لأنه أدخلنا أعدادًا كبيرة جدًا من الأرياف، من بعدان، جبلة، مديرية إب، والمعاطرة، والمويه، والمناطق المجاورة لمدينة إب.

وقاموا بإرسال برقية إلى القاضي عبدالرحمن الإرياني، وقالوا له بأن المواطنون في إب يهتفون باسم ابن اليمن البار عبدالحفيظ بهران. فالقاضي الإرياني دعا المشائخ وقال: ماذا تريدون؟ في الأول انتخابات، والآن إب خرجت بأكملها، فلم تعد سيارة تستطيع النزول إلى تعز، ولا سيارة تستطيع أن تسافر من تعز إلى صنعاء. هل نرسل الجيش لقتل المواطنين والنساء والأطفال؟ فأمرهم القاضي بأن يعلنوا من الإذاعة بفوز عبدالحفيظ بهران.
عبد الحفيظ بهران شخصية غير عادية، وهو من الشخصيات الوطنية القلائل الذين شاركوا في ثورة 26 سبتمبر، وأول من فعل برقية مع أمين أبو راس حول انتصار ثورة 26 سبتمبر. وأنا عندما جئت لاستلام العمل الحزبي في إب كان هو مستقلًا، كان يحب جمال عبدالناصر، ولكن عندما رأى عملي، وخاصة عنده بالبيت، لأن ابنه وابنته زوجة الدكتور محمد قاسم الثور، هؤلاء كانوا حزبيين، وكانت الجلسات تتم عندهم.

ووصل إلى مرحلة وقال: أنا رفضت الدخول في الحزب الديمقراطي أو الحركيين أو الناصريين لأني لم أقتنع بهم، وأنا الآن مقتنع وأريد الدخول إلى الحزب الديمقراطي في حلقة ابتدائية. وقلت له: إن هذا خبر سار، ولكني لا أستطيع أن أفعل شيئًا إلا بعد أن أتحرك إلى تعز وأقابل عبد القادر سعيد.
وصلت إلى عبدالقادر سعيد، فقال: ماذا؟ وكان مرتاحًا جدًا، وقال: هذا عبدالحفيظ بهران كتلة وطنية لوحده، أنا الذي سأذهب إليه. وتحرك هو وعبدالحافظ قايد وسلطان أحمد عمر، وكان موجودًا في تلك الأيام، وتحركوا، وفي نفس الوقت تحرك عبدالحفيظ، وتقابلوا جميعًا في الطريق. ومنذ ذلك الوقت كان معنا في الحزب، أيام ما كانت علاقته بإبراهيم الحمدي قوية جدًا، وتحمل الاتحاد العام لهيئة التعاون والتطوير بعد انتخابات حرة في تعز جرت في مؤتمر التعاونيات سنة 1976، ولم يُزَح إلا في أيام علي عبدالله صالح.

رحمة: نحن سنتطرق إلى الحزب الديمقراطي الثوري والنشاط، إلى أين توسع، ولكن نريدك أن تتحدث عن نهاية حصار السبعين والمصالحة بين الملكيين والجمهوريين، وكانت المصالحة الأولى من نوعها في اليمن. وفي رأيك، هل يمكن أن تفيدنا في هذه الفترة؟
أبو إصبع: في الحقيقة، المصالحة مع الملكيين كانت مطلب القوى التقليدية هنا في صنعاء، الجمهوريين، وكثير من القوى اليسارية العاقلة والفاهمة. لكن معظم الثوريين في حركة القوميين العرب، أو البعث، أو الناصريين كانوا ضدها.
وعمل القاضي عبدالرحمن الإرياني بكل ما أوتي من قوة مع هذه المصالحة، لأجل أن تتوقف السعودية عن محاربة الثورة والنظام الجمهوري، لأن أكثر المتمسكين بالنظام الجمهوري هو القاضي عبد الرحمن الإرياني، وقوى الصاعقة والمظلة والمشاة ، وكثير من الشخصيات الوطنية. ولن أنكر أدوارهم، ولكن عبدالرحمن الإرياني كانت مسألة النظام الجمهوري بالنسبة له حياة أو موت، وهذا ما أثبته في مؤتمر حرض بين الملكيين والجمهوريين والسعودية.

بعد إفشال وكسر حصار السبعين يوماً، بدأت السعودية تعقل؛ لأنها صرفت إمكانياتها على أساس إسقاط النظام، وأحضرت المرتزقة من كل مكان في العالم، وصرفت لهم الغالي والرخيص، ومعها إيران والأردن وإسرائيل. وكل المرتزقة في حصار السبعين يوماً، وفي احدى الإيام ارسل الملكيون لحمود ناجي ظرفاً ممتلئاً بالذهب، وفيه رسالة يطلبون منه أن يكون مع الملكيين. فقام بأخذ الذهب وأرسله عبر قاسم منصر، قائد الملكيين في جبل الطويل في بني حشيش، وأرسل للملكيين معبراً مكتوباً عليه: «الجمهورية أو الموت»، وقال له: أما بالنسبة للذهب فسيتم توزيعه على الجنود الجائعين.

محمد مهيوب الوحش، هذا الذي كان مجاهداً، أبو شوارب وحسن العمري، كل القادة حتى الشيخ عبدالله حسين الأحمر، كانوا مبهورين منه. كان يقود عمليات عسكرية على مواقع الملكيين إلى قلب بني حشيش وجبل الطويل، وهو من مدينة تعز. لقد كان هو، وهائل محمد سعيد الصوفي، وهو من القريشة، الذي رفع شعار «الجمهورية أو الموت»، وكان بطلاً من الأبطال، وسُجن ثماني سنوات، وخرج وهو مجنون، وظل مجنوناً لمدة عشرين عاماً، ولم يره أحد.
طبعاً، محمد مهيوب الوحش هو أخو عبد العزيز الوحش، مسؤول سكرتارية منظمة الحزب في محافظة إب اليوم. لقد كان جميع المشايخ مدهوشين منه، وكان صوته مثل الرعد. إذا وصل إلى وسط الملكيين صرخ بصوته وبقنابله، ويستولي على المواقع. ولا أنسى أنه كان معه من المقاتلين عبدالله بن ناجي دارس، أصدقاؤه هؤلاء كانوا مع الوحش، ومع الصاعقة والمظلات في كل مكان.

لهذا، حتى الجبل الذي على طريق مأرب سموه تبة دارس؛ لأن عبدالله دارس كان متمركزاً فيها هو وذو محمد. وذو محمد قاتلوا في كل مكان من أجل النظام الجمهوري، وهذا بسبب أن الإمام، بعد انتفاضة حميد الأحمر وأهل برط ونهم، أرسل الحملات على أهل برط، دمروهم، وأكلوا ممتلكاتهم من "القرش" والكباش والأغنام، ولم يتركوا لهم شيئاً، إلى درجة أن قادة الحملات أرسلوا رسالة للإمام وقالوا: متى سترسل لنا بأكل وشرب من عندك؟ أما في برط فلم يبقَ فيها شيء. ولهذا قاتلوا على النظام الجمهوري، وخرجوا من السجن، منهم: فيصل عوفان، وعبد الله دارس، وأحمد بن علي فاضل، والشائف، وعبد الكريم الشائف، والكثير.

رحمة: بذلوا جهد كبير ولكن كيف وصلوا إلى المصالحة؟
أبو إصبع: كان هناك وساطات عربية واسعة النطاق عند الملك فيصل، وهو لم يكن يتقبل الجمهورية، وأقسم بعقاله الذي على رأسه أنه سينهي الجمهورية. بعد ذلك خضعوا، وجاءت المصالحة الوطنية عام 1972، على أساس أن يكون هناك ثلث الدولة، والحكومة، ومجلس النواب، والمحافظين، والوزراء للملكيين العائدين. ثم عاد الملكيون، ولكن تحت راية النظام الجمهوري فقط.
غير أن الملكيين العائدين، والجمهوريين التقليديين الذين سيطروا على صنعاء بعد أحداث أغسطس، الكل بدأ يتعاون في محاربة القوى اليسارية، والحزب الديمقراطي ومن معه، ومحاربة الجنوب. وكانوا لا ينطقون بشيء إلا عن النظام الشيوعي والحزب الكافر في عدن.
رحمة: من السبعينيات، إذاً دعنا نتحدث حول كيف واجهتم كيساريين هذا التحالف للملكيين العائدين بعد المصالحة، وللجمهوريين التقليديين.
أبو إصبع: بالطبع، في هذه الحالة، في أوائل السبعينيات، كانت قد تشكلت أحزاب أخرى لليسار. إلا أن القادة العسكريين الذين هربوا من صنعاء في أحداث أغسطس، فروا بجنودهم إلى المناطق الوسطى، ووصلوا إلى هناك، وبدأوا بتفجير الأوضاع ضد السلطة.
ونحن في الحزب الديمقراطي كنا منقسمين؛ لأن الذين فروا بالأساس هم منتمين للحزب الديمقراطي، وكنا منقسمين حول العمل العسكري والعمل السياسي. أبرز قادتنا الناضجين والفاهمين كانوا مع العمل السياسي وضد العمل المسلح، وعلى رأسهم عبدالقادر سعيد أحمد طاهر، هذا السياسي اليمني المخضرم، الذي لن تخلق اليمن بعده إلا بعد مئة سنة. وقد توفي في مستشفى جبلة عن عمر ناهز 34 عاماً.

وهو من عمل على إنشاء الجبهة القومية وأشرف عليها، وكان يمثل حركة القوميين العرب في اليمن في القيادة المركزية في بيروت. وهو من بدأ يدعو حركة القوميين العرب للخروج من الفكر القومي الشوفيني إلى الفكر العلمي، إلى الاشتراكية العلمية. وهو أسطورة العمل السياسي، وهنا أستطيع أن أقول لك إنني متأثر به من أول لحظة التقيته، ولا زال يؤثر عليّ حتى هذه اللحظة، رغم أنه توفي في 4 مايو سنة 1974، قبل حركة إبراهيم الحمدي بشهرين.
وكان عبدالقادر سعيد ضد العمل العسكري، وهم بدأوا عملاً عسكرياً. وكان ضد الاغتيالات والعنف. الجبهة القومية اتجهت لتشكيل عمل عسكري ضد الشمال من خلال رفاقنا العسكريين، فشكلوا سنة 1970 منظمة المقاومين الثوريين. وهذه المنظمة بدأت في البيضاء ودمت وغيرها بعمل مسلح. وعبدالقادر سعيد كان ضد هذا الاتجاه، ولكن زميله السلطان أحمد عمر كان مع هذا الاتجاه، وأحمد عمر من الشخصيات التاريخية.
طبعاً، حركة القوميين العرب في اليمن كلف بتشكيلها ثلاثة في عام 1958: فيصل عبداللطيف الشعبي من عدن، ويحيى عبد الرحمن الإرياني من الشمال، والسلطان أحمد عمر ينسق بين الاثنين، بين عدن وصنعاء. وهؤلاء هم مؤسسو حركة القوميين العرب في اليمن، وهم شخصيات متزنة وجبارة، لكن سلطان أحمد عمر كان متشدداً، ومع التطرف والعمل العسكري الثوري، وعبدالقادر كان عكسه تماماً.

رحمة: ما أبرز الأنشطة العنيفة التي مارستها منظمة المقاومين الثوريين؟
أبو إصبع: منظمة المقاومين الثوريين عملت وسيطرت على مناطق كثيرة في دمت، والرياشية، والحبيشية. وبعد ذلك جاءت منظمة الحزب الديمقراطي الثوري اليمني، وشكلت منظمة عسكرية اسمها منظمة "جيش الشعب الثوري" ، في المؤتمر الثالث الذي عقد في زنجبار. وانتخب سلطان أحمد عمر سكرتيراً أول، وعبدالحميد حريب سكرتيراً ثانياً، وجار الله عمر مسؤولاً عسكرياً.
أخذوا حلاً وسطاً؛ لأن عبدالقادر سعيد لم يحضر، وعملوا على أن يحطموا عبدالقادر سعيد، وهو كان الخط القوي، فأنزلوه إلى مرشح لجنة مركزية من مسؤول سياسي. وبالطبع، عبدالقادر سعيد كان ضد منظمة جيش الشعب الثوري، وكان يكتب لعبدالفتاح وعلي سالم ربيع، وهم تربوا سياسياً عنده. وعندما كان يكتب لهم، لم يكن أحد يسمع له.

وكان الاتجاه إن القوى الرجعية في الشمال وجبهة التحرير يريدون القضاء على النظام الديمقراطي الوطني الثوري في الجنوب، ولهذا ينبغي أن نعمل سداً منيعاً، وحزاماً عسكرياً أمنياً على الحدود بالكامل، يحمي التجربة في الجنوب. وكان سلطان أحمد عمر المنظر الأول لمنظمة جيش الشعب الثوري، وكان متشدداً مع العمل العسكري، ثم تحول إلى أنضج السياسيين، وكان يدعو إلى الديمقراطية.
رحمة: تحول بعد ان استهلك في الجانب الثوري، ولكن إلى أي مدى، 1974 وصعود الرئيس إبراهيم الحمدي دعمتكم كليبراليين في تلك الفترة؟
أبو إصبع: كانت قد تشكلت نواة من الجبهة الوطنية، ولكن الجبهة الوطنية بالكامل تشكلت في 1976، أيام إبراهيم الحمدي، من الحزب الديمقراطي والاتحاد الشعبي الديمقراطي وحزب البعث العربي الاشتراكي فرع العراق، ومن السبتمبريين برئاسة صالح الأشول وأحمد الرحومي وأحمد قرحش، ومن حزب العمل برئاسة عبدالله حميد العلفي وعبدالقادر هاشم وعبدالباري طاهر وسيف أحمد حيدر، ثم عملت الجبهة الوطنية بطريقة أخرى.

رحمة: كيف عملت الجبهة الوطنية بطريقة أخرى؟
أبو إصبع: الجبهة التي قبلها كانت تقود النضال المسلح، وكانت قد سيطرت في المنطقة الوسطى، وعلى عتمة ووصاب والعدين وشرعب وكثير من المناطق القبلية، وكانوا يقاتلون قتالًا شرسًا، والجيش في صنعاء كان لا يزال جيشًا ضعيفًا. ثم جاءت حرب 1972 التي ضُربت فيها القبائل، ولو قرأتِ كتاب مذكرات الإرياني حول حرب 1972 وكيف القبائل وجهت لهم ضربات مخيفة للذين كانوا يريدون أن يذهبوا إلى عدن لنهبها.

رحمة: كانوا يقولون إنها من أجل الوحدة؟
أبو إصبع: من أجل الوحدة نعم، ولكنهم كانوا يريدون الفيد، لأن القوى التقليدية قالوا لهم أن يدخلوا عدن، وأن كل ما في عدن لهم. فتوجه حوالي 5000 إلى الراهدة بقيادة مجاهد أبو شوارب، وأقسم مجاهد أنه لن يتردد ولن يعود. وحاول الإرياني، بحسب مذكراته، أن يقنعه، وقال له: يا مجاهد، أنت رجل شجاع وقاتلت على نظام الجمهوري في كل مكان ونجحت كثيرًا، ولكن هذه الحرب تختلف، الناس سيوجهون لك جيشًا وسيضربوك. لكنه لم يهتم، وقال له إن الآخر معهم دبابات، وأنت وأنت والقبائل. قال: لن تمر الدبابة إلا على ظهري، أنا لدي 5000 مقاتل وسيأتيك الخبر. وبدأت المعركة اليوم الأول، وفي اليوم الثاني دخل لهم الجيش والطيران، ثم اتصل مجاهد بالرئيس الإرياني وقال: لم يبقَ معي من القبائل أحد يُحَوَّلون عليا. وهذا كلام الإرياني في مذكراته. ثم جاء الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر وقال: أنا سأذهب وأعود بالقبائل. فكان يرد 30 أو 40 أو 50، ثم يجد آخرين، ولكن بعد قليل لا يرى أحدًا بعده. ثم توقفت الحرب بعد ذلك. ولكن، وللأمانة وللتاريخ، كان الإرياني ضد الحروب في اليمن وضد الحروب بين اليمنيين. عندما تقرئين مذكراته وصراعاته مع الشيخ عبدالله وسنان والسعودية ستجدين ذلك.

رحمة: ولكن هناك من يقول بأن القاضي الرئيس عبدالرحمن الإرياني كان ضعيفًا أمامهم.
أبو إصبع: بكل تأكيد، وهذا وارد. وقد كانت هناك أشياء عند القاضي عبد الرحمن الإرياني محرمة، منها الحرب مع الجنوب. كان عندما يجد بعض القبائل الكبيرة تصر، مع السعودية، على الحرب، يقول لهم: هذه استقالتي، ويذهب. وهم لا يستطيعون أن يأتوا بشخص غيره. وعندما جاء انقلاب الشهيد إبراهيم الحمدي، قدم استقالته للحمدي في 13 يونيو 1974.
رحمة: وكيف تم تأسيس الحزب الديمقراطي الثوري اليمني؟
أبو إصبع: في البدء، حركة القوميين العرب بدأت تتحول إلى الفكرة العلمية من سنة 1965، وهنا كان هناك أحداث ومستجدات وتطورات، أبرزها الجبهة القومية وصراعها وتشكيلها. الحزب الديمقراطي الثوري اليمني تشكل في قرية حارات في الأعبوس، في قرية سلطان أحمد عمر وبيت عبدالرحمن محمد عمر، وحضر قيادات من كل المحافظات، وخرج بنتيجة أن يكون المسؤول الأول عبدالحافظ قايد أبو صلاح، وهذا من خيرة رجالات اليمن، وعبدالقادر سعيد مسؤولًا سياسيًا، والسلطان أحمد عمر المسؤول الفكري، ويحيى عبدالرحمن المسؤول الثقافي. وكان عبد الرحمن الإرياني يمسك صحيفة الحقيقة الخاصة بالحزب الديمقراطي. وبعد تشكل الحزب الديمقراطي الثوري، وبعد خلافات مع الجبهة القومية، لأنهم اعتبروا الحزب الديمقراطي اليمني معنى أن اليمن هو الشمال والجنوب، وعبدالقادر سعيد حل هذه المشكلة مع فيصل عبداللطيف وقحطان الشعبي، وقد كانوا يحترمونه كثيرًا. بعد ذلك، الحزب الديمقراطي دخل مباشرة بعد شهرين في أحداث أغسطس والاعتقالات والمشاكل وغيرها، ولكن كان قد صنع أمجادًا عند تشكيل الجبهة القومية. وكانت الجبهة القومية قد تشكلت في 1963، عندما بدأت بريطانيا تعتدي على المناطق الشمالية في مريس في إب والبيضاء والهبيل، وبدأوا باستدعاء الملكيين على أساس تهب لهم الأرضيين ويدخلوا، فإما يأتي الملكيون من صعدة والجوف، وهؤلاء يأتون من الجنوب.

رحمة: إذًا تشكلت الجبهة القومية في 1963، وكان لعبدالقادر سعيد تراكم من العلاقات والمكانة.
أبو إصبع: بالطبع، وكان أبرز قادتها وقت التشكيل قحطان الشعبي وعبدالله المجعلي، وهو ناصري واستشهد في حادث سيارة، وأقام عندنا في جبلة مع أسرته أيام الكفاح المسلح، ومحمد صالح مطيع عن جبهة النضال اليافعية، وكثير من التنظيمات الأخرى تشكلت منها الجبهة القومية. وكان إعلان الجبهة عندما استشهد غالب راجح لبوزة، أول شهيد في الجبهة القومية، فأعلنوا في تلك الأيام قيام الجبهة القومية في 14 أكتوبر سنة 1963.
رحمة: وبعدها بسنتين تأسس الحزب الديمقراطي الثوري اليمني.
أبو إصبع: نعم. مرت سنوات معينة، والمصريون لم يكن يعجبهم عمل الجبهة القومية لأنهم يريدون القيادة العسكرية أن تسمع كلامهم. وكانت تأتي الجبهة ولديها مشاريع قرارات ومشاريع سياسية، وكانوا يصرون عليها. فحسّ البعث والسلاطين وشكلوا منظمة اسمها منظمة تحرير الجنوب المحتل، وجمعوا الجبهة القومية وجبهة التحرير. وكان من زعماء جبهة التحرير عبدالله الأصنج، وعبدالقوي مكاوي، ومحمد سالم باسندوه، ومحمد سالم علي. والمصريون قالوا: لا بد من التوحيد. فدعوا من الجبهة القومية ثلاثة الذين حضروا التوحيد ووقعوا عليه، وكانوا سالم زين، وعلي أحمد السلامي، وطه مقبل. وهؤلاء كانوا في القيادة مع قحطان وفيصل عبداللطيف وعبدالفتاح إسماعيل وسالم ربيع علي. والجبهة القومية، عندما سمعت بهذا التوحيد، رفضته. بدأ الصراع بين الناصريين المؤيدين لجبهة التحرير وبين الجبهة القومية الذين يريدون أن يستقلوا. مع العلم أن جبهة التحرير ضمت الرابطة، وهي مع الجنوب العربي، وضمت سلاطين سلطان لحج وأبين. وعبدالقادر سعيد أخبرهم بأن يرتبوا موضوع كيفية الرفض بطريقة نظامية وقانونية ومدروسة. فقالوا له: كيف؟ قال: اعقدوا مؤتمرًا. فعُقد المؤتمر الثاني في جبلة، مؤتمر الجبهة القومية الثاني، وكان المؤتمر الأول سنة 1965، وكانوا في هذا المؤتمر قد تبنوا الاشتراكية العلمية. ومن هنا جاء الخلاف مع المصريين، وأن هؤلاء ذاهبون باتجاه ماركس. جاء مؤتمر جبلة، وأبرز من حضره: علي ناصر محمد، محمد علي هيثم، سيف الضلعي، محمد البيشي، سالم ربيع علي، محمد سعيد عبدالله محسن، محمد صالح مطيع، صالح باقيس، وكان عدد كبير في حدود 30 قائدًا، وعبد الفتاح إسماعيل، وأنور خالد، ونجوى مكاوي التي لها دور ريادي في المظاهرات العارمة بمدينة عدن التي كانت تطالب بجلاء الاستعمار وتحقيق الاستقلال، وهي زوجة المناضل عبد الوارث الأبي، وهو من قرية الجعاشن من بلاد الشيخ محمد بن أحمد منصور. وقد عقد المؤتمر في جبلة لأنها كانت، مع إب، القاعدة الأولى في اليمن لحركة القوميين العرب، وكانت من طرفها الى طرفها حركيين ومثقفين ومناضلين.

رحمة: وهذا يعود بالفضل لبيت أبو إصبع وبيت دماج الذين اشتغلوا بشكل كبير ومكثف، أليس كذلك؟
أبو إصبع: وكذلك عبدالله الوصابي. لقد كان هناك قيادات غير عادية في جبلة، وكان أبي المسؤول عن الغذاء، ومعه الكثير من المشايخ مثل إسماعيل المقلية ومحمد عبدالواحد دماج. ولكن أبي كان يتولى القضايا الأساسية قبل أن يموت بأربعة أو خمسة شهور، وكنت أنا في تلك الأيام أشتغل معهم كجهاز عند عبدالله الوصابي، وهو المشرف الأمني في جبلة، ومعه أحمد قاسم، وأحمد منصور، ومحمد محسن عبد الحاج، وعبد الفتاح أزحم، وكثير من القيادات من أبناء جبلة. طبعًا، عبدالفتاح إسماعيل كان موجودًا، ولكنه لم يكن يحضر الاجتماع، رغم أن حركة القوميين العرب كانوا مسيطرين وعاملين حراسات ومراقبات من المصريين حتى لا يهجموا على جبلة، وهم يريدون عبدالفتاح إسماعيل، لأنه اتهم في تلك الأيام هو والمناضل أنور خالد أنهم وراء مقتل حسين قاضي، أحد القيادات النقابية للمؤتمر العمالي ولحزب الشعب الاشتراكي الذي كان يرأسه باسندوه والأصنج، وهو تابع لحزب البعث، وهم في الأساس لا علاقة لهم بمقتله. وبعد ذلك قام تابعون لجبهة التحرير بأخذ ثأرهم بقتل عبدالله عبدالمجيد السلفي، وهو من خيرة رجالات اليمن، وكان يترأس الشبيبة الديمقراطية.

في مؤتمر جِبْلة كان عبدالفتاح إسماعيل يقيم في منزل عمّتي شيخة، زوجة إسماعيل مجلي، وعلى أساس أن لا يعرف أحد، وكان اسمه أبو صلاح. والمؤتمر في بيت العَمّال، وهو منزل أسرة زوجتي تقوى، واختاروه لأن فيه مكانًا كبيرًا.
عبدالقادر سعيد كان في الدور الأسفل، وكانوا عندما يتفقوا أو يختلفوا لا بد أن ينزلوا ويستشيروا عبدالقادر سعيد في الدور الأسفل. بعد ذلك وصلوا إلى قرار يعلنوا الانسحاب من جبهة التحرير، وعبدالقادر سعيد رفض، وقال لهم: لا تستعجلون بالانسحاب من جبهة التحرير، ولا تنسحبوا إلا عندما تكونوا معتمدين على أنفسكم بالتمويل والسلاح والمواد الغذائية، وكل صغيرة وكبيرة. وتغلب قراره لأن دعمه عبدالفتاح إسماعيل.
وأنا كنت قد عرفت عبدالفتاح إسماعيل في تلك الأيام، لأنهم كانوا يجعلوني أذهب له بالقات، وقال لي: هل أنت حركي؟ قلت له: لا، أنا في اتحاد الشعب الديمقراطي. قال: حق باذيب؟ قلت له: نعم. وقال: أنت سبقتنا بمراحل. وهو أعجب بي. كنت عندما آتي إليه يناقشني: ما هي الكتب التي قرأتها؟ وكيف تتواصل مع باذيب وغيره.
وبالنسبة للجلسات في المؤتمر، كان أكثر من يترأسها علي ناصر، وأنا دخلت مرتين عليهم وهو يترأس الجلسة، ومرة محمد علي هيثم، ومرة سيف الضالعي.

ومن أهم القرارات في مؤتمر جبلة أنه يؤجل قضية الانسحاب حتى تتمكن الجبهة القومية من أن يكون لديها إمكانيات كبيرة، ولهذا أمروا بتشكيل اللجان لجمع التبرعات من محافظة إب وتعز والبيضاء ومأرب. وكانت اللجنة في إب رئاسة علي شايع، وأنا نائبًا له.
نجمع تبرع: الذرة، وبر، وشعير، بطانيات، رصاص، بنادق، أي شيء يأتي من المواطنين. وذهبت أنا وعلي شايع إلى بعدان والمخادر وحبيش وجِبْلة، وإلى السياني، وكنا أنا وهو شهر كامل. وكان كل ما جمعناه نرسله بالسيارات إلى قعطبة في الضالع ليتم تخزينه. ولهذا صداقتي مع علي شايع عبدالفتاح منذ أيام مؤتمر جِبْلة وبعده.
مثلاً، سالم ربيع علي عندما اختلفوا هم وقحطان الشعبي جاء هاربًا إلى جِبْلة حتى يعمل عملية للوز في مستشفى جِبْلة، وجلس في بيتنا. وكان علي سالم ربيع لطيف المعشر، ويجلس مع البنات، ومتواضع، وشعبي لأبعد الحدود.

طبعاً عقدوا بعد مؤتمر جبلة الذي عقد في يوليو 1966 مؤتمرًا في نهاية سنة 1966، في 3 ديسمبر، واستمر لمدة ستة أيام. وهناك أعلن الانفصال والانسحاب من الجبهة القومية، واستمرار النضال المسلح بالاعتماد على الذات والجماهير، لأن المصريين قطعوا عليهم كل شيء وطاردوهم في كل مكان.
وكانت كل المساعدات والدعم لجبهة التحرير، والعمليات التي يقوم بها الجبهة القومية كانت إذاعة صنعاء والقاهرة تذيعها باسم جبهة التحرير، حتى انتصرت الجبهة القومية والسيطرة على المديريات.
وجاء يوم الاستقلال في 30 نوفمبر، وقد كانت جميع المحافظات بيدهم، وجبهة التحرير كانت متواجدة في الشيخ عثمان بعدن ودار سعد، ولحج في بعض المناطق، وطريق تعز، ولكن بقية الجنوب كان مع الجبهة القومية.
وللإنصاف، كانت جبهة التحرير قد شكّلت قوة عسكرية سميت التنظيم الشعبي للقوات الشعبية. هذا التنظيم يتكون من الناصريين، وكان يرأسه عبدالله المجعلي، وكان يقاتل الإنجليز. وعندما اقتتلت جبهة التحرير والجبهة القومية في الحرب الأهلية في نوفمبر، قبل الاستقلال بأسبوع، الذي كان يقاتل الجبهة القومية هو التنظيم الشعبي.

رحمة: وماذا حدث بعد الاقتتال بين جبهة التحرير والجبهة القومية؟
أبو إصبع: لم يأتِ الاستقلال إلا وجبهة التحرير انتهت، وسيطرت الجبهة القومية على كل شيء.
رحمة: دعنا الآن نعود إلى الرئيس إبراهيم الحمدي، 13 يونيو، وإلى أي مدى دعمت الليبراليين، وإلى أي مدى خفّت سلطة الجمهوريين التقليديين كما وصفتهم؟
أبو إصبع: أولًا، سأعطيك نبذة عن إبراهيم الحمدي. إبراهيم هو ابن محمد بن أحمد بن أبي بكر الحمدي، وأبوه عالم كبير، وكان الوصي للإمام يحيى، وقد كلفه الإمام يحيى أنه الوصي بعد موته حتى يتولى القسمة بين أولاد الإمام يحيى.
وإبراهيم ذهب مع والده والإمام إلى روما، وعرفه هناك، وجلس الإمام يناقشه ووجده أنه فقيه، لذلك أمر بتعيينه حاكمًا لمدينة ذمار، وكان أصغر حاكم في تاريخ اليمن. ولهذا قامت الثورة واعتقلوه، ولكنه كان معروفًا بعلاقته الجيدة مع الناس، فأفرجوا عنه.

بعد أن جاءت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، التحق بحركة القوميين العرب هو وشقيقه عبدالله الحمدي ومحمد الأرياني، وبقي فيها، وكان على علاقة قوية جدًا بأحمد قاسم وأحمد منصور. وجاء إلى جِبْلة، وجاء إلى بيتنا مرتين يتغدى عندما كان ضابطًا صغيرًا. بعد ذلك دخل الحزب الديمقراطي الثوري اليمني إلى سنة 1972.
رحمة: ولكن الناصريين يقولون إنه ناصري.
أبو إصبع: الناصريون الذين يفهمون يقولون إنه لم ينتمِ للتنظيم، وكان قوميًّا وحركياً وحزب ديمقراطي حتى عام 1972، عندما قاد حملة عسكرية هو ومحمد الإرياني، الذي كان القائد العام للقوات المسلحة، وإبراهيم الحمدي كان نائب رئيس مجلس الوزراء ومسؤول قوات الاحتياط.
رحمة: هذا يعني، وبحسب قولك، أن إبراهيم الحمدي ظل عضو في الحزب الديمقراطي حتى عام 1972، وليس في التنظيم الناصري.
أبو إصبع: إبراهيم الحمدي وأخوه عبد الله، ومحمد الإرياني، الذي كان القائد العام للقوات، قادوا حملة عسكرية على المنطقة الوسطى، وبالذات على دِمت، وقتلوا وسفكوا الدماء ضد الجبهة الوطنية. فأصدر الحزب الديمقراطي الثوري اليمني قرارين: الأول بتجميدهم، والثاني بفصلهم.

وهناك من يقول إنه تم فصله، وهناك من يقول إنه تم تجميده فقط . وأنا عندما رأيت إبراهيم الحمدي قال: «سترَفعون قرار التجميد»، ولم يتحدث عن قرار الفصل. وقد اتُّخذ هذا القرار بسبب الحملات العسكرية التي قادوها على المناضلين في المناطق الوسطى. وإبراهيم الحمدي استطاع بذكائه أن يُوجد علاقات مع كل القوى المؤثرة قبل الحركة، وخاصة مع السعودية، والشيخ عبدالله، ومع البعثيين. وكان طريقه إلى هذا هو شتمه الوصل للحركيين والجبهة الوطنية، وللنظام في الجنوب. وإلا كيف ستقبل به السعودية وعبدالله الأحمر وسنان أبو لحوم؟ وكان أول المرحبين به لأنهم بيدهم.
رحمة: وماذا عن علاقته بعلي سالم ربيع، وعلاقته المتوترة، ورسالته الشهيرة إلى الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر؟
أبو إصبع: تلك فيما بعد. وقد كانت علاقته بالإرياني علاقة قوية جدًّا، وكان يعتبره مثل ولده. اشتدت الخلافات بين الإرياني والشيخ عبدالله والمشايخ، وبدأ المشايخ يكتبون رسائل للإرياني ويهددونه بالسحل، وبأوامر السعودية، واضحة وردت في مذكرات الإرياني نفسه.
والإرياني لم يكن متمسكًا بالسلطة، وكان من وقت لآخر يقدم استقالته عندما يريدون منه موقفًا وهو يرفض، وخاصة بالحرب مع الجنوب. وكان يقول: «فليذهبوا ليقاتلوا بحدود السعودية أو مناطقهم حيث لا توجد الدولة الشمالية، أما نحن فلن نتورط في حرب مع الجنوب. نحن لا نملك جيشًا، وهم سيهزموننا، ويلحقون بنا العار».

رحمة: هل تقصد أن السعودية دعمت الرئيس إبراهيم الحمدي من أجل الانقلاب على القاضي عبدالرحمن الإرياني؟
أبو إصبع: بالطبع، وهذه شهادة للتاريخ. السعودية وافقت على أن يكون إبراهيم الحمدي رئيسًا، وهو عمل أشياء للسعودية. مثلًا: في السنة الأولى من ولايته أقر المعاهد الدينية، وعيَّن هيئة الأمر بالمعروف والإرشاد والنهي عن المنكر برئاسة يحيى الفسيل وعبدالمجيد الزنداني، إرضاءً للسعودية.

ولكن إبراهيم لديه قضية داخلية، وهي بناء دولة. وفي البداية بدء بالتقرب من الشيخ عبدالله بن الأحمر، وأشعره بأن البعثيين يريدون أن يعملوا انقلابًا على إبراهيم. والبعثيون في تلك الأيام كانوا يمسكون بزمام الجيش بقوة، وكانوا بنسبة 60%، وسنان أبو لحوم لم يكن سهلًا؛ إخوانه كلهم في قيادة الألوية: محمد بن عبدالله، ودرهم، وعلي قائد الاحتياط، وقائد لواء تعز، وغيرهم.
فإبراهيم، بعد عام من حركته، أقال البعثيين دفعة واحدة، ومجاهد أبو شوارب، لأنه كان بعثيًّا، والبعثيون كانوا يستلمون الأموال. أما سنان، فأنا تصادقت معه في السنوات السبع الأخيرة قبل أن يسافر إلى الخارج. كنا كأب وابن، لدرجة أنه لم يكن يدع أحدًا من أبنائه يدخل أثناء اجتماعي به، وإذا لم أذهب لزيارته ليومين أو ثلاثة يغضب.
وكان عمي سنان يستلم أموالًا من صدام حسين؛ لقد كان يرسل له 100,000 دولار كونه أكبر واحد، و50,000 لمجاهد أبو شوارب، و50,000 مع يحيى المتوكل، وهو أفضلهم كلهم، والآخرين 30,000 دولار، من بينهم صادق بن عبدالله الأحمر. مشايخ اليمن كانوا يستلمون من صدام حسين، وكان البعثيون يعتقدون، بالقبائل والجيش، أنهم سيقدرون على إبراهيم الحمدي، ولكنهم لم يستطيعوا.

وتبقى مجاهد، وطلبوا منه المشائخ أن يأتي بسلاح من الصين، وأول ما وصل الصين أصدر إبراهيم الحمدي قرارًا بتغييره كقائد لقوات المجد، التي كانت موجودة في حجة، وهي قوة كبيرة جدًّا، وعيَّن بدله علي صلاح، وقد لعب أدوارًا كبيرة جدًّا، وكان سريًّا من الحزب الديمقراطي الثوري اليمني، وهو يسمعني ولا يزال موجودًا.
بعد ذلك، مجاهد لم يعد إلى اليمن، وعاد إلى السعودية. وعبدالله الأحمر، بعد استبعاد مجاهد، بدأ يفزع من إبراهيم. وبالنسبة لسنان، خرج إلى الجِدعان في نهم، وعبدالله بن حسين خرج إلى خَمِر، ومن هنا بدأت.
ولكن إبراهيم كان لديه قضية وطنية أساسية لا يحيد عنها أبدًا، وهي بناء دولة مركزية يسودها النظام والقانون على كل مناطق اليمن، بما في ذلك المناطق النائية في صعدة والجوف، وأي مكان آخر لم تصل إليه الدولة.

رحمة (مقاطعة): حتى لو كانت بأدوات إسلامية وتقليدية؟
أبو إصبع: عندما تكون هناك دولة على نظام وقانون، بعد ذلك تنتفي كل هذه الأشياء: دولة مركزية للنظام والقانون.
رحمة: هل عرفت الرئيس الغشمي؟
أبو إصبع: تعرفت عليه عند الحمدي.
رحمة: وماذا كان انطباعك عنه؟
أبو إصبع: سأتحدث عن ذلك ولكن اريد ان نتسلسل بالحوار.. بالنسبة للحمدي، بدأت السعودية بمراقبة علاقاته مع الجنوب. وعندما بدأوا بمعرفة أنه يقيم علاقات قوية مع الجنوب، كشوا منه؛ لأنهم يريدون أن يعدّوه حتى يقوم بحرب على الجنوب. هم يريدون أن يتقاتل اليمنيون فيما بينهم.
وعندما وجدوا أنه مصرٌّ على بناء الدولة، فدفعوا بالمشايخ بكل قوة ضد دولة النظام والقانون. إبراهيم الحمدي في الجوف، التي لم تدخل مع الدولة في ذلك الوقت، نشر فيها المدارس وآبار الماء على حدود السعودية، وفي كل مناطق الجوف، وكان يرسل المدرسين ويعطيهم مرتبات مضاعفة. هو كان يريد أن يوجد الدولة في المناطق النائية كدولة بمؤسسات تعليمية وصحية وزراعية وغيرها، وليس مجرد جيش أو أمن.
إبراهيم الحمدي كان صادقًا في هذا التوجه الوطني، والسعوديون بدأوا يراقبوا تحركاته، والمشايخ، وبدأت التحركات ضده. هو قوّى علاقاته بالجنوب، وتحديدًا مع علي سالم ربيع، وبدأ يتحدث عن الوحدة اليمنية، وهذا جعل السعودية يجنّ جنونها.
وعندما كان إبراهيم الحمدي يستعد للسفر إلى عدن، والزيارة كانت معلنة، والإخوة في الجنوب كانوا ينتظرونه، وكانت علاقته مع علي سالم ربيع قوية جدًّا. وسالم ربيع هو زعيم شعبي لا نظير له في الوطن العربي، واتفق مع إبراهيم، وهو أيضًا شعبي. وعندما نتحدث عن التعاونيات، فهذا شيء لم يحدث في أي بلد.

المهم، السعودية أصدرت تعليماتها أنه ينبغي ألا يذهب هذا الرجل إلى عدن، وارسلت مخطط اغتيال إبراهيم. وأنا هنا أريد أن أروي قصتي. كنت في جبلة، وخرجت من مخبئي بقرار من الحمدي في فبراير 1977. كنت أنا وعبدالوارث عبدالكريم، وجلست عند الحمدي، وعرفت الغشمي عنده. بعد ذلك نزلت منظمة الحزب في إب، وعملنا من أجل التعاونيات والطرقات، ونشق الطرقات، ومشاريع المياه، والمدارس، إلى آخره.
ثم اتصلوا بي من صنعاء برسالة من عبدالوارث عبدالكريم، وهو من أخطر الشخصيات في حياة حركة القوميين العرب والحزب الديمقراطي الثوري، والذي اختُطف أيام الغشمي ولا يزال مخفيًّا قسريًّا حتى اليوم. وأنا كتبت عنه مذكرات حوالي 160 صفحة.
وعندما وصلت صنعاء، عند عبدالحفيظ ظهران، وأخبرني أن عبدالوارث يريدني الآن، وأخذني إليه، وقال: «تحرّك، نحن لم نستطع التواصل مع إبراهيم الحمدي، وهو مقاطع لنا».
قلت له: ولماذا مقاطع لكم؟
قال: لأنه اتصل بنا في السنوات الماضية، وقال إنه يريدنا أن نكون معه، وهو مستعد أن يعيد الحزب بدون إعلان. وقال: «نحن قلنا له تمام، ولكن نأتي معك ببرنامج الحزب». فقال: «لا، ببرنامجي أنا». فقالوا له: «لا». فرجع مع الناصريين، وقال لهم: «تعالوا ببرنامجي أنا». فذهبوا معه. ولهذا ذهب مع الناصريين ببرنامجه، وليس برنامج الناصريين. وهذا هو الفارق بينه وبين الحزب الديمقراطي، الذي قال لإبراهيم: «سنأتي معك ببرنامج الحزب الديمقراطي».
المهم، عبدالوارث قال: لم نستطع الاتصال به، وإبراهيم حياته في خطر. قلت له: كيف؟ قال: السعودية أوصلوا خطة لقتله. جلست معه، وأخبرني بمعلومات، وأعطاني أسماء بعض الضباط التابعين للأمن الذين كانوا يعملون معه، لأنه كان نائب رئيس جهاز الأمن الوطني في صنعاء. فأعطاني معلومات كثيرة جدًّا عن تحركات الغشمي، وصالح الهذيان، وتحركات القيادات السعودية، وعلي مسلم. فقلت له: لماذا لم تتصلوا به؟ قال: لم نستطع.
وقال عبدالحميد حنيبر، وهو أستاذ إبراهيم الحمدي في الكلية العسكرية: حاولنا الاتصال به ولكنه لا يرد. أنت بطريقتك، واستعن بأحمد منصور أو من تريد، لديك أصحاب وأصدقاء، وشوف إبراهيم وبلّغه بهذه المعلومات قبل أن يتم قتله.
وذهبت إلى محمد سري شايع، وكان مدير الكلية العسكرية. أبوه كان جنرالًا أيام الأتراك، وقتل في ثورة 1948، وكان من ثوار 48، ووالده شخصية فذة جدًا، وكانوا يطلقون عليه الزعيم محمد سري. وهو كان زميلي في الدراسة في تعز، وصديقي، وقريب من الحزب الديمقراطي. وأخبرته أن الموضوع كذا وكذا، وقال: لقد حاولنا جميعًا، والمعلومات عندنا، وحاولنا نشعر إبراهيم ولكنه يرفض حتى أن يسمع لنا الكلام. فاتصل ولم يرد عليه إبراهيم الحمدي.

وذهبت إلى محمد الحمدي، وهو لا يزال عايشًا، ويسمعني هو الأخ الأكبر لإبراهيم. وقلت له: أريد أن أتحدث معك حديثًا خاصًا. وأخبرته، واتصل بإبراهيم وقال له: ضروري أن تحدد موعدًا ليحيى أبو أصبع، هؤلاء هم الذين يحبوك، وهم أصدقاؤنا. وكان أحمد منصور صديق محمد الحمدي جدًا. فاتصلوا بمحمد سري شايع من بيت الحمدي وطلبوا منه أن يأتي معي.
وذهبت عند إبراهيم قبل العصر. أدخلنا إلى ديوانه، وهو بيت صغير يتكون من ست لبن، وهو لا يزال موجودًا حتى اللحظة. جاء إبراهيم بعد قليل، ولديه نزول شديد، وهو يرتدي فوطة عدنية، وجرم علاقي، ومنشفة بلون بردي. وكان إبراهيم الحمدي رجلًا وسيمًا وجميل الطلعة. ثم جلس في ركن الديوان وقال لي: كيف الأخبار؟ وسألني عن إب، وعن شخص صديقه اسمه عبدالكريم الحشاش. وأخبرته أنه موجود. والحشاش كان شخصية منكّتة، وإبراهيم الحمدي لم ينسَه.
ومن نكاته قال فيها إن عبدالملك الطيب، الذي كان ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين وعُيّن محافظًا لإب، ولم يكن يعطيه شيء فقال عنه أنه كان يتوضأ بالبيبسي، ولهذا يسير والذباب خلفه. وانتشرت هذه النكتة على عبدالملك الطيب. كما قال عن المحافظ محمد إسماعيل الحجي، وهو رجل ضخم، سألوه: ما رأيك بهذا المحافظ؟ قال: هذا أسد مفرشة. وانتشرت.

جاء بعد ذلك يحيى مصلح أيام الحمدي، وهو رجل مشهور من محافظة ريمة، من ضباط الثورة، محافظ لإب، وكان متسرعًا ويصدر قرارات سريعة. وفي إحدى الأيام قابل الحشاش، فقال له: قلت على المحافظين الذين سبقوني نكت، ولم يتبقَّ لك إلا أنا. وهو كان يتوقع أنه سيتحدث عنه حديثًا جميلًا، فرد عليه: أتركني بحالي يا يحيى مصلح، الله يحفظك. وطلب منه أن يقيمه، قال: ألن تغضب مني؟ فرد: لا. قال له: "أنت مثل البندق الشيكي يقرح وهو بالمعلق".
رحمة: لنعود إلى إبراهيم الحمدي.
أبو اصبع: أما فيما يتعلق بالرئيس إبراهيم الحمدي والحشاش، قال الحمدي إنه في إحدى الأيام ذهبوا إلى إب وشكلوا لجنة عليا لتصحيح المالي والإداري برئاسة أحمد دهمش. ونزلنا للنقاش بأعمال اللجنة العليا لتصحيح المالي والإداري، ومعرفة رأي أهل إب ومقترحاتهم. وكانوا جميعهم في طيرمانة المحافظة. وعندما انتهى الناس جميعهم، وكان عبد الكريم الحشاش يجلس وهو صامت، فالتفت له إبراهيم وقال له: لماذا لا تبدي برأيك؟ فقال: أنا من جبلة ولا أدري بماذا تتحدث. قال له: ولكنك مواطن. فرد: اتركني لحالي. والجميع طلبوا منه أن يبدي رأيه، فقال لإبراهيم الحمدي: أنا سأقول رأيي حول اللجنة، ولكن هل تضمن أن لا يحبسني أحد؟ قال له: بوجهي. قال: هذه اللجنة التي شكلتها مثل جمعة الزاجر. والزاجر هو السجن المركزي الذي كان في إب. وسأله الحمدي: ماذا تعني بجمعة الزاجر؟ فرد عليه: الإمام قاطع طريق، والذي يخطب قاتل، والذي يصلي بهم زاني. هذه هي جمعة الزاجر. وقال الحمدي إن الناس في الديوان جميعهم انفجروا ضحكًا، وأنا استدت نفسي، ولم أجلس إلا قليلًا ومشيت.

رحمة: وهل حذرت الرئيس إبراهيم الحمدي من خطة اغتياله؟
أبو أصبع: هو بعد ذلك سألني وقال: ماذا تريد أنت والحزب حقك هذا؟ قلت له: الموضوع 1، 2، 3 إلى آخره. وتركني أتحدث مدة نصف ساعة. ثم قام بعدها من مكانه وصرخ بصوت عالي: ماذا تريد مني يا يحيى منصور؟ ماذا تريد أنت والحزب الديمقراطي الثوري اليمني؟ تريدون أن تسيئوا إلى أقرب الناس لي، وأن تفعلوا فتنة بيني وبين أصدقائي ومستشاري. قد اتصلتم بالناس ولغمتم، وتتقاتلون في الجنوب. ما الذي تريده مني؟
وبعدها قال لمحمد سري شايع: سيأخذني إلى السجن. وأنا تماسكت وقلت له: لماذا تصرخ علي؟ أنا أقول لك هذا كان محبة لك، ومن أصحاب حريصين عليك، لأنك تمثل شيء لليمن ومستقبل اليمن. إذا أعجبك أعجبك، وإذا لم يعجبك ارمه بين أقدامك.
بعد ذلك، هناك من طرق باب الديوان، وكان الطارق أخته صفية. وخرج إليها وقالت له: ماذا حدث بك؟ هؤلاء الناس هم حريصون عليك ويحبونك، وجاؤوا يحذروك، وأنت تغضب عليهم بهذا الشكل وهم في بيتك؟ ألا تخجل؟ طبعًا أخبرتني هي بما قالت له في ذلك اليوم، وصفية لا تزال على قيد الحياة.
بعد ذلك عاد وهو هادئ وقال لي: ماذا يا أخ يحيى؟ وأول مرة يقول لي: أخ يحيى. هل كنت قاسيًا معك؟ قلت له: لا، لم تكن قاسيًا. المشكلة أن الأخ محمد سري قد مات ثلاث موتات، أما أنا تماسكت. وقلت له: والآن ماذا تريد مني؟ هل تريد أن تأخذني إلى الحبس أم أذهب؟
قام وأخذ القات وأعطاني إياه، وقال: أنا لن أمضغ القات. وقلت له: أنا لا أريد القات. نحن جئنا لنحدثك أنك في وضع خطير. نحن لسنا حريصين على إبراهيم، ولكن لديك مشروع وطني، لديك التعاونية، عملت انقلابًا اجتماعيًا في تاريخ اليمن، والطرقات الآن تشق في كل مكان، ومشاريع اليمن في كل مكان، والمدارس. نحن نريد هذه الأشياء تبقى، وهم الآن يريدون القضاء عليك من أجل القضاء على التعاونيات وعلى شعار دولة النظام والقانون والتعاونيات.
رحمة: وبعد كم تم اغتياله من هذا اللقاء؟
أبو أصبع: تم اغتياله بعد خمسة أيام من لقائي به.
رحمة: وكيف تلقيت خبر اغتيال الشهيد إبراهيم الحمدي؟
أبو أصبع: أنا كنت على علم بذلك، ولم يفاجئني الخبر.
رحمة: بعد ذلك جاء الغشمي، ألم تقلق من الغشمي خصوصًا، وأنه عرف بأنه دموي؟
أبو أصبع: بعد اغتيال الحمدي بخمسة أو ستة أشهر افتعلوا لي مواقف في القرية. السلطة والمخابرات شكلوا عصابات التقطع في الطرقات ونهب المواطنين، وقالوا إن هؤلاء أتباع يحيى منصور، ولأني كنت ماسك بزمام جبلة من الألف إلى الياء، هم أرادوا التشهير بي، وكذلك حتى لو خرجوا بحملة يتعاون المواطنون معهم. وكان من يقوم بالتقطع هم من الجيش، كانوا في العمالقة والشرطة العسكرية، وأكثرهم من منطقتي. وكنت مخترقهم من قبل أشخاص، وكانت تأتيني الأخبار أولًا بأول.
بعد ذلك طلب مني المواطنون أن أتحرك ضد هذه العصابات، فتحركت لهم بيوم وليلة، وأمسكت بهم جميعًا في كل المديريات والعزل والقرى، وسلمنا المنهوبات، والأعيان يشهدون بذلك. ثم ذهبوا إلى الغشمي وقالوا: يحيى منصور قتل علينا ضباط. فقال: نفذوا عليه. فنفذوا حملة عسكرية كبيرة. خرجت الحملة، وكانت تصلني أخبارها أولًا بأول من محسن خصروف، وهو رفيق الحزب العزيز.

بعد ذلك وصلت الحملة العسكرية، وفتحنا لهم البيوت، وأنا كان لدي مقاتلون كثر. فالذي حدث أن أخي أحمد تحرك هو وعبدالحميد الحدي إلى الغشمي وحمود قطينة وغيرهم، وأرسلوا لهم يقولون: لن نعتدي على عساكر الدولة. فتحنا لهم البيوت، وسنكافئهم، ويجلسون كما يريدون. ونحن نعطي أوامر لأصدقائنا أنه لا تُطلق طلقة واحدة على جيش الدولة.
وبعد ذلك ذهب أخي أحمد منصور إلى الشيخ محمد الغشمي، وهو شقيق الرئيس أحمد الغشمي. ومحمد الغشمي يعرف جدي عبدالحميد، وقد سُجن معه في سجن حجة في 1944 و1945. كان صديق أخي جدًا. وعندما جاء له أحمد سأله وقال له: ماذا تريدون من أخي؟ فاتصل محمد بأخيه وقال له: ماذا تريد من يحيى منصور أبو أصبع؟ قالوا: لأنه مفسد وباع تعكر للجنوبيين ولديه كوبيين. فقال: وهل تصدق هذا الكلام؟ قال: إذا فليأتِ. ثم طلب منه أن يرفع العساكر، فرفض وقال: أنا رئيس دولة ولست رئيسك أنت، فليأتِ أولًا المطلوب، وبعدها يتم رفع العساكر.
رحمة: أريد أن تحدثنا كيف سلّمت نفسك وقابلت الغشمي؟
أبو إصبع: بالطبع، أصدقائي لم يكونوا موافقين، وكانوا يقولون إنني إذا ذهبت إلى الغشمي سيقوم بقتلي. أنا كنت أقول لهم إن الوضع القبلي لا يسمح له، وإذا كان يريدني ففي وقت آخر. وأختي نورية الوحيدة التي وقفت معي، وقالت: اذهب ولا تصدقهم، هؤلاء المثقفين، لقد أدموا قلبي، وارفع العساكر من فوق المواطنين. وأنا كان لدي ما يقارب 160 شخصًا في السجن، اذهب ولن يحدث لك شيء.
رحمة: وهل ذهبت؟
أبو إصبع: نعم، ذهبت. أخذني أخي أحمد إلى حمود قطينة، كان قائد قوات الاحتياط وهو صديقه. بعد ذلك أخذني عبدالحميد الحدي إلى أحمد الغشمي صباحًا. الغشمي استقبلني استقبالًا حارًا لدرجة أنه قام من فوق الكرسي واستقبلني بالأحضان. وجلست معه وقال: يا يحيى منصور أبو إصبع، أنا لن أتحدث معك في بيت الدولة، أنت ضيفي في بيتي.

وقال له عبدالحميد: تمام، ولكن يحيى منصور يخشى محمد خميس وعلي العتمي. ولاحظي ماذا قال أحمد الغشمي عندما سمع بذلك، قال: يحيى منصور يخرج من عند أحمد الغشمي ويأتي أحد ويعترضه؟ "والله لأقطعه من رقبته" . اذهب إلى خميس وقل له: أنت ضيفي.
بعد ذلك ذهبنا إلى الجماعة، لأن اللقاء مع الغشمي سيكون بعد المغرب. فأحمد منصور وعبد الحافظ وزيد مطيع دماج وأحمد قاسم دماج قلقوا كثيرًا، وقالوا: لماذا لا يريدك إلا في منزله؟ هل حتى يقتلك كما قتل إبراهيم؟ ورفضوا جميعًا، إلا أختي نورية قالت: اذهب، ولك من الله ما كتب.
بعد ذلك أخذني حمود قطينة في المغرب. وصلنا إلى منزل الغشمي، الذي كان أمام السفارة السعودية، وبجواره منزل محمد سري شايع وفي الجانب الآخر منزل عبدالعزيز الغشمي. ودخلنا، وكان منزلاً بسيطًا يتكون من دور واحد. عند الدخول تجد غرفة للحراسة تتكون من كراسٍ من القش، وكان موجود مجموعات، كان علي عبدالله صالح ويحيى محب النبي والشيخ أحمد علي المطري وأحمد فرج والشيخ حمود عاطف.
فدخلت أنا وحمود قطينة، وقال لهم: اعرفكم هذا الشيخ يحيى منصور
أبو إصبع. وكان في تلك الفترة علي عبدالله صالح قائد تعز، وكان متابع منطقتي ومتابعًا لي. فقال: هل هذا هو يحيى منصور؟ وقال: كنت أتخيلك طويلًا وعريضًا، ستأتي مثل فيدل كاسترو بلحية، وأنك طلعت حبّة وربع. وأنا ضحكت ولم أتفوه بشيء.
وبعدها قال: أنت رجل لأنك جئت إلى عند الرئيس. وأحمد علي المطري قال: لا يوجد شيء على يحيى أبو إصبع، وهم ناس مناضلين وجمهوريين، واحمدوا الله أنه قبلي من برط وجالس في إب، واستطاع أن يوجد له نفوذًا ومكانة، وإلا سيقولون عنه إنه نقيلة وقبسيس. فما الذي تريده منه؟

وبعد قليل جاء محمد الأنسي، كان سكرتير الرئيس، وجلسنا. وقال: تعال لنسمع موجز الأخبار الساعة 6:00 أو 7:00. سمع موجز الأخبار، وأخذ بيدي ودخلنا، وأنا بدأت أخاف وتساءلت: لماذا أخذني؟ ولكني كنت متماسكًا، وكنت من شدة الخوف أشعر بأن الطريق طويل في الحجرة. وفتح غرفة، ومنها فتح غرفة ثانية، وقلت في نفسي: رحمة الله عليك يا يحيى منصور، ولكن عليك أن تتماسك.
وكانت الغرفة التي دخلنا فيها مضاءة باللون الأحمر. وقال: هذا صاحبك الذي كان يسجل عليك. وقلت: هذا يعني أنه سيفتح لي شريط صاحبي، والمقصود بصاحبي إبراهيم الحمدي. سجله، وفتح لي شريطًا كان كل كلامي فيه كلامًا ضد الغشمي. وقال: ذهبت إلى الحمدي وأوصلت له كل هذه الأخبار. قلت له: وهل كنتم تسجلون عليه؟ قال: نعم، كنا نسجل كل شيء. قال: أهلًا وسهلًا. وأنا ردّت لي روحي ووجداني، رغم أنني كنت متماسكًا أمامه ورابط الجأش، لأن عبدالوارث عبد الكريم قال لي: كن عند الغشمي قويًا، هادئًا، رابط الجأش، لا تهتز لك شعرة واحدة.
ثم قال لي: ما معك؟ قلت له: هناك حملة عسكرية في قريتي، ولديّ 160 مسجونًا. وكنت أستفزه، وقلت له: بالله عليك، هل يرضيك نساء ذو محمد يكنّ مشرّدات في عهد أحمد حسين الغشمي؟ قال: الله أكبر. اكتب أمرًا كما تريده لمحافظ وقائد إب، لأنني أريد أن أنتهي من هذه المشكلة، لأن لدي قضايا أخرى.
وكتبت:
الأخ محافظ إب،
الأخ قائد إب،
يكون رفع الحملة العسكرية من الربادي المرسلة على يحيى أبو إصبع، وإطلاق كافة المساجين من أبناء الربادي وجبلة، وبدون أي غرامات.
التوقيع: أحمد حسين الغشمي، رئيس مجلس القيادة.
وقال: لا، ليس هكذا. قال: اكتب: الأخ محافظ إب وقائده، مرسل إليكم النقيب الشيخ يحيى منصور أبو إصبع. وقلت له: واحدة منهما، إما أن تكتب نقيب أو شيخ.
رحمة (مقاطعة): ماذا كان يقصد الغشمي بالنقيب الشيخ؟
أبو إصبع: هناك فرق بين الشيخ والنقيب في اليمن. النقيب موجود في بعض القبائل فقط، في ذو محمد وذو حسين وأرحب ونهم وخولان، لأن النقيب أكبر من الشيخ. في حاشد وبقية اليمن ومناطق الشافعية وغيرها يسمّوها الشيخ. فنحن ذو محمد نُقباء. الغشمي أضاف لي شيخ، وقال: أنت شيخ في إب ونقيب هنا عندنا. هذا التفسير.
رحمة: ولكن من المؤكد أنه كان هناك هدف، وكان يريد منك شيئًا معينًا.
أبو إصبع: بالطبع. بعد أن كتبنا الأمر قال: ماذا تريد بعد هذا؟ كما كتب في الأمر أن أي قضايا سياسية أو جنائية على يحيى منصور أبو إصبع تُحال إلينا، ولا تتدخلوا. وأن أنزل وأعمل ما أريد وهم لا يتدخلوا بشيء. فكان الأمر من أعجب الأوامر.
وبالطبع هو طلب مني أن أعمل معه من أجل بناء دولة القبائل، وأن أمسك له الجنوب والجبهة القومية. وعملنا أنا وهو في هذا الاتجاه كثيرًا، بتنسيق مني مع الحزب الديمقراطي والغشمي. وعقدنا مع الجبهة الوطنية أربع اجتماعات بوساطتي خلال أربعة أشهر، والحمدي ظل مع الجبهة الوطنية ثلاث سنوات ولم يعقد غير اجتماع واحد فقط. وهناك قضايا كثيرة تخصني مع الغشمي، ولكن تحتاج لها وقت.
رحمة: أستاذ يحيى، أجهدتك كثيرًا بتفاصيل كثيرة، ونحن نريد أن نعرف أسرارك مع الغشمي. وكما قلت، إنه حكم فترة قصيرة، ولكنك كنت قريبًا منه كما ذكرت. نريد أن نعرف هذه التفاصيل، ولكن في الحلقة القادمة.
مشاهدينا، نلقاكم في الحلقة القادمة مع الأستاذ يحيى منصور أبو إصبع، وما زال هناك الكثير من الأسرار التي تُكشف لأول مرة، وببساطة وتلقائية ومصداقية يحيى منصور أبو إصبع.
ينشر هذا الحوار بالتزامن مع بثه على قناة "حكايتي" على يوتيوب، إعداد وتقديم الإعلامية رحمة حجيرة. لمشاهدة الحلقة (اضغط هنا)