عندما أخطأ القرار طريقه وضاعت لحظة الجنوب
في لحظات التحول الكبرى لا تقاس الأخطاء بحجمها الظاهر بل بما تفتحه من أبواب لم تكن في الحسبان. وفي المشهد الجنوبي الأخير لم يكن الخلل في رصاصة أُطلقت أو موقعٍ سقط بل في قرار سياسي أُسيء تقدير توقيته ورمزيته فجرّ وراءه سلسلة انهيارات متتابعة.
حين وُضعت السعودية فجأة أمام مشهد غير مألوف في عدن، لم تكن المسألة مجرد إجراء بروتوكولي عابر بل إشارة سياسية ثقيلة المعنى. الرياض وجدت نفسها في وضع حرج، إما القبول بسابقة تضعف هيبتها أو الذهاب نحو خيارات قاسية لم تكن ترغب بها. في مثل هذه اللحظات لا تُدار السياسة بالعواطف بل بالحسابات الباردة، وهذا ما بدا أن قيادة المجلس الانتقالي لم تدركه جيداً.
منذ تلك اللحظة بدأ العد التنازلي. الرياض التي لم تكن تبحث عن صدام حاولت اختبار الفرصة الأخيرة. رسائل التهدئة أُرسلت ومحاولات الاحتواء استُنفدت لكن الأرض في عدن كانت تسير بعكس الاتجاه. الشك تغلّب على العقل والقراءة الخاطئة للمشهد الإقليمي جعلت كل خطوة لاحقة أكثر ارتباكًا من سابقتها.
الخطأ الأخطر لم يكن في سوء الظن بل في ترجمة هذا الظن إلى قرارات ميدانية. نقل السلاح وتفريغ المعسكرات وإرسال إشارات متناقضة للحلفاء والخصوم معاً، كل ذلك حوّل الشك السياسي إلى قناعة أمنية لدى الطرف الآخر بأن شيئاً يُحضَّر في الخفاء. وهنا لم تعد النوايا تهم بل ما يُرى على الأرض.
في الداخل كان الأثر أشد فتكاً. القواعد العسكرية لا تعيش على الأوامر وحدها بل على وضوح الرؤية. وعندما يسمع القادة الميدانيون عبارات معلقة على الاحتمال ويُتركون أمام مصير مفتوح بلا توجيه، فإن أول ما ينهار هو الثقة، ثم ينفرط العقد سريعاً. لم يعد السؤال: من سنقاتل؟ بل ولماذا؟ وتحت هذا السؤال الكبير انسحب الجنود قبل أن تُطلق الطلقات.
المشهد في عدن خلال تلك الأيام لم يكن مشهد هزيمة عسكرية بل صورة فوضى سياسية مكتملة. قرارات تُتخذ ثم تُسحب، انسحابات يعقبها عودة مرتبكة، وسلطة تبدو وكأنها تتحرك بلا غرفة عمليات واحدة. حتى الرمزية السيادية كالمطار والطائرة والرحلة تحولت إلى مسرح توتر يعكس حجم الارتباك لا أكثر.
رحلة الرياض التي لم تكتمل لقائد المجلس، واكتملت لغيره، لم تكن تفصيلاً عابراً. كانت خاتمة رمزية لمسار كامل من التردد وسوء الحساب. طار من طار وبقي من بقي، لكن الأهم أن اللحظة نفسها كانت قد طارت ومعها فرصة إدارة الأزمة بأقل الخسائر.
ما جرى بعد ذلك على الأرض كان تحصيل حاصل. حين تدار السياسة بمنطق رد الفعل، وحين يُفهم التحالف على أنه مظلة دائمة لا شراكة مشروطة، تصبح الصدمة حتمية. الجنوب لم يخسر معركة واحدة بل خسر توازناً سياسياً كان يمكن الحفاظ عليه لو أُحسن التعامل مع الرموز قبل البنادق.
ليست هذه قصة سقوط موقع ولا رواية مؤامرة مكتملة الأركان. إنها حكاية قرار سيئ في توقيت خاطئ، تُرك لينمو دون مراجعة حتى التهم أصحابه. وفي السياسة، كما في التاريخ، بعض الأخطاء لا تصحح بل تُدفع أثمانها كاملة.