فنزويلا.. كلفة العصيان
لم تستيقظ واشنطن صباحاً وهي تفكّر في رفاهية الفنزويليين، ولا نامت وهي قلقة على ديمقراطية كراكاس. كل ما في الأمر أن برميل النفط الفنزويلي ظلّ لسنوات يتصرّف وكأنه ملكٌ لفنزويلا، وهذه وحدها جريمة لا تُغتفر في قاموس الإمبراطوريات.
أمريكا لا تحب الموارد حين تكون عنيدة، ولا تعشق السيادة عندما ترتدي بزّة نفطية. النفط يجب أن يكون مطيعاً، يخرج من الأرض بلا خطاب ثوري ويمر عبر الأسواق وهو يهمس بالدولار لا بالسيادة.
مشكلة فنزويلا أنها أخطأت الفهم، ظنت أن امتلاك أكبر احتياطي نفطي في العالم يمنحها حق القرار. بينما الحقيقة كما أثبتتها التجارب، أن الثروة في هذا العالم استعارة مشروطة تُسحب فور استخدامك لها خارج النص.
كراكاس لم تكتفِ بالعصيان بل فتحت صالونها للخصوم، روسيا، الصين، إيران.. قدمت لهم القهوة على مرأى من البيت الأبيض. وهنا لم يعد الأمر اقتصادياً بل مسألة كرامة استراتيجية، كيف تُدار "الحديقة الخلفية" دون إذن البستاني؟
أما خطاب الديمقراطية فهو كالعادة يُستخرج من الدرج عند الحاجة، يُلمع سريعاً، ويُعاد إلى مكانه بعد انتهاء العملية. الديمقراطية هنا ليست نظام حكم بل مفتاح إنجليزي يُستخدم لفكّ صواميل الدولة ثم يُرمى.
الهدف ليس إنقاذ فنزويلا بل تحويلها إلى دولة تعمل دون أن تفكر، وتنتج دون أن تسأل، وتصدّر دون أن تفاوض. دولة نفطية بلا ذاكرة سياسية وبلا أصدقاء خارج دفتر العناوين الأمريكي.
ليست المشكلة في مادورو كشخص بل في الفكرة التي مثّلها.. أن تقول دولة نفطية "لا". و"لا" في هذا العالم ليست موقفاً سيادياً بل إعلان حرب مؤجل.