صنعاء 19C امطار خفيفة

وقفات رمضانية مع الآيات القرآنية(13)

سُنّة الرقيّ في الاختيار

قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾

— الزمر: 18

--------------------------------------
لماذا لم يقل: يستمعون القول فيتبعونه؟
الآية دقيقة جدًا.
لم تمدح:
• كثرة الكلام،
• ولا كثرة السماع،
• ولا سرعة التفاعل.
بل مدحت القدرة على الانتقاء الواعي.
ليس كل ما يُسمع يُتَّبع.
وليس كل رأي يُطرح يستحق الانقياد.
الإنسان الراشد في منطق القرآن
هو من يملك مهارة الاختيار والتفكير الناقد
فلا يتبع إلا أفضلها وأحسنها وليس مهما من قالها.
--------------------------------------
الاستماع قبل الاتباع
الآية تبدأ بـ:
﴿يستمعون﴾
الاستماع هنا ليس سماعًا عابرًا،
بل:
• إنصات،
• وتفكير،
• وتمييز،
• وعدم انفعال فوري.
إنها ثقافة عقلية ناقدة واعية.
المتعجّل يتبع أول صوت،
أما الواعي فيصبر حتى يفهم.
--------------------------------------
لماذا قال: أحسنه؟
لأن في الحياة:
• خيرًا وأحسن،
• حقًا وأحق،
• صالحًا وأصلح.
الآية لا تطلب مجرد اتباع الصواب،
بل اختيار الأفضل بين البدائل.
وهذا مستوى أعلى من الالتزام.
--------------------------------------
أين تكمن الأزمة اليوم؟
نعيش زمن:
• كثرة الأصوات،
• تضخم الآراء،
• تسارع المواقف،
• واستجابة عاطفية سريعة.
كثيرون:
• يشاركون قبل أن يفكروا،
• ينفعلون قبل أن يتحققوا،
• يتبعون ما يوافق مشاعرهم لا ما يوافق الحق.
فصار المعيار:
ما يرضيني.. لا ما هو أحسن.
--------------------------------------
ما معنى أن تتبع الأحسن؟
أن تسأل نفسك:
• هل هذا الرأي عادل؟
• هل هذا التصرف أصلح؟
• هل هذا الردّ يرفع المستوى أم يخفضه؟
• هل هذا القرار أقرب للحق أم للهوى؟
الأحسن ليس دائمًا الأسهل،
ولا الأكثر شعبية،
ولا الأعلى صوتًا.
أحيانًا الأحسن هو:
• الصمت بدل الجدال،
• الإصلاح بدل الانتقام،
• التنازل الحكيم بدل الانتصار المؤقت.
--------------------------------------
لماذا ختمت الآية بالهداية؟
قال بعدها:
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾
الهداية هنا ليست معلومات إضافية،
بل توفيق في الاختيار.
فالله لا يهدي من يُغلق أذنه،
ولا من يتبع هواه،
بل من:
• يسمع،
• يفكر،
• ثم ينتقي الأحسن.
الهداية ثمرة عقلٍ منضبط لا قلبٍ منفلت.
--------------------------------------
رمضان وتدريب الاختيار
الصيام نفسه تدريب على:
اختيار الأحسن.
• يمكن أن تأكل.. لكنك تختار الامتناع.
• يمكن أن تردّ.. لكنك تختار الحلم، إني صائم.
• يمكن أن تنفعل.. لكنك تختار الصبر والحلم والتعالي المحمود.
كل يوم في رمضان
هو تمرين عملي على ترقية القرار.
--------------------------------------
خاتمة
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾
ليست وصفًا لثقافة نقاش،
بل سُنّة ارتقاء.
فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة الكلام،
بل بجودة الاختيار.
والإنسان لا يُعرَف بما يسمع،
بل بما يتبع.
ومن ارتقى في اختياراته،
ارتقى في حياته كلها.
وهنا يبدأ الفرق الحقيقي
بين من يعيش بردود الأفعال،
ومن يعيش بوعيٍ يقوده إلى الأحسن.
والله من وراء القصد،،،
غدا نلتقي- إن شاء الله- في وقفة وآية أخرى
طابت أوقاتكم/ن وتقبل الله منكم/ن

الكلمات الدلالية