صنعاء 19C امطار خفيفة

بين الخوف على الوحدة والخوف منها: دحباشي في قرية جنوبية

عشت في الضالع عشر سنوات، حتى بدايات ما عُرف بالحراك الجنوبي، في قرية لا تبعد سوى عشر دقائق عن مدينة الضالع، هي "قرية الحود". كانت هذه القرية نموذجًا للقرية المتعلّمة، إن جاز التعبير؛ فقد كان أغلب موظفي الجهاز الإداري بمحافظة الضالع، وكذلك الأطباء والمهندسين، من هذه القرية.

كانت الحود تُوصَف بأنها القرية المحافظة، حيث تضم عددًا كبيرًا من الفقهاء والقضاة والمتدينين. وكانت توصم أيضًا بأنها "القرية المتدحبشة"، لأنها استقبلت كثيرًا من الموظفين والضباط والجنود الشماليين التابعين للواء العسكري المجاور، الذين سكنوا فيها.
ومع ذلك، لم ترتبط تجربتي في الإقامة هناك بأهمية تاريخ القرية، ولا بانتماءات سكانها، بل بأسلوب معاملتهم لي؛ إذ لم ألقَ لطفًا، ولا تهذيبًا، ولا سكينة داخلية كتلك التي استقبلني بها أبناء الحود. في هذا اللطف، كنت ألمح نضجًا أخلاقيًا لا تُنتجه السياسة، بل تنتجه الروح الجمعية حين تتعالى على الانقسام وتختار الإنسان بغضّ النظر عن انتمائه الجغرافي أو الفكري أو السياسي.
كان أهل القرية يرون في الوحدة ما يتجاوز الوثيقة السياسية التي وُقّعت في مايو؛ كانوا يرون في اليمن كينونة أزلية، سابقة على الجغرافيا السياسية ولاحقة لها. الوحدة، في تصورهم، ليست فعلاً يُفرض بالقوة، ولا مشروعًا يُهدم بالعنف، بل هي فكرة ينبغي أن تُروى بالعدل كي تنمو، وتُحمى بالكرامة حتى لا تموت.
رأوا أن الانفصال خطر، لكنهم لم يتشبثوا بالوحدة بوصفها صنمًا، بل تساءلوا عن جدواها حين تُدار بالفساد، أو تُغتال الحقوق باسمها. كانوا يرفضون الطرفين معًا: من يزعم حمايتها بالعنف، ومن ينادي بتمزيقها بالحقد وردّات الفعل.
كانوا في حيرة وجودية لخّصها الشاعر الشعبي الخالدي بقوله:
قلبي مع الوحــدة وعقلــي ضــدها
من با يوحّد بين فكري والضمير؟
خايف على الوحدة وخايف منها
أخاف أزرع بُر ويطلع لي شعير
أخاف على جاموس يأكل سمنها
كلاب مسعورة وترضعها حمير
إنها مفارقة الكينونة في لحظة تشظٍّ: حين تكون خائفًا على الشيء، وخائفًا منه في آن، وحين لا تدري إن كنت تزرع بُرًّا فيخرج لك شعير، أو تطعم جاموسًا فتنهشه الكلاب، لا لأنها تجوع، بل لأنها لا تعرف أهمية اللبن للبقار، ولا تحترم طهارة الحليب.

الكلمات الدلالية