من سيخطف قميص عثمان؟
من كربلاء إلى حفر الباطن،
من عناقيد عنب صنعاء إلى جماليات شجرة دم الأخوين بسقطرى؛ فرادةُ الموقع، وعراقةُ التاريخ، مرورًا بحروب صعدة، وما تلاها من سهاماتٍ طائشات أطلقتها مدافع سان سبستيان.
الربيعُ الكالح ليُطاح بالرئيس البارح أولًا، وتلاه من تلاه من جوقة حكّام، أهونُ الشرّين من ظلّوا خلال فترات حكمهم، التي تحولت إلى ابتكارات أزياءٍ للعائلات التي توارثت الحكم أبًا عن جد.
وقد كان يا ما كان، من مجريات ربيعٍ أهوج، نالت من خلاله بلقيس اليمن جائزة نوبل، التي كان التلمودي الأرعن ترامب يسعى لنيلها؛ لكن الجائزة ذهبت لعنقاء آخر زمان:
عارضة أزياء، معارضة درجة عاشرة، حسب الطلب، لنظام فنزويلا.
تهوّر ترامب، وعبر قرصنة لا مثيل لها، بعد أن عطّل كل وسائل الاتصال والتواصل وأدوات المراقبة، ليقتاد الرئيس مادورو سجينًا تحت سمعٍ ونظر العالم، تمهيدًا لأمورٍ ثلاث:
تغيير نظام الحكم، ضمن مسعى لإعادة هندسة منطقة الكاريبي على هوى الكاوبوي الأمريكي.
محاكمة الرئيس مادورو… ونِعْمَ بالله على العدالة الأمريكية!
الاستيلاء عنوةً على موارد فنزويلا، أغنى بلدان العالم نفطًا.
ضمن هذه المشهيّات، وضمن طبقٍ فلكلوري من إعداد وإخراج عليل الفكر متين العضلات، يعدّ ترامب العدّة لإعادة صياغة العالم حسب هوى المصالح الكبرى الرأسمالية للشيطان الأكبر.
فما سنراه بعد حصار فنزويلا، سيُفرض على الكاريبي أولًا، يليه حصار أمريكا الجنوبية، باعتبارها الحديقة الخلفية لأمريكا.
وسيمضي بعيدًا:
لاستلاب جزيرة غرينلاند،
إلى إعادة تربية أوروبا،
وختامًا سيكمل رقصة التانغو: مرةً مع الصين، ومرةً مع بوتين وروسيا.
الصين عبر ملف بحر الصين وجزيرة فرموزا، وسباق ماراثوني على قيادة العالم اقتصاديًا.
وروسيا عبر مفاعيل حرب أوكرانيا، والصراع على مخزونات الموارد الثمينة.
أما الشرق الأوسط، فحسابه في المعادلة الترامبية بات يسيرًا، بعد أن اختلّت موازين المنطقة – للأسف – لصالح أمريكا وإسرائيل، وكلاهما بهيمان ببنطالٍ واحد.
تبقى إيران وأذرعها مسألة وقت.
أما القارة الهندية، والصراع الهندي–الباكستاني–الأفغاني، وبينهم النجم الأحمر الصيني، فترامب يعوّل على تغذية وإثارة النزاعات، وفتح ملفات ما زال جوف نيرانها لم ولن يهدأ.
المنطقة العربية تفتّت قبليًا، وهندسة طوائف، وهلمّ جرّا؛ باتت رهينة المحبسين، لا ترى أبعد من أنفها.
مصر العزيزة باتت أيضًا – عمدًا – محاصرة بأحكام.
وغزة تحت مداميك مبايعات القرن.
لبنان تُفسَّر جملته حسب قراءة الكاهن توم باراك، موفد ترامب لرعاية سوريا ولبنان.
والسودان على شفا حفرة من النار، تُنفخ من نفس فم المنفاخ القاذف للهب فيها، وأصله – للأسف – عربي (بين قوسين).
وينفخ نيرانه في بلادنا اليمن، الغارق بجراحه وتغوّلات أطراف تسعى لتمزيقه.
وهنا نتوقف برهة، لنأخذ شهيقًا وزفيرًا، حتى تتنظف ليس فقط مسالك التنفس كي تستمر الروح الوطنية حيّة، بل أيضًا كي يظل العقل الجمعي الوطني حاضرًا جنوبًا وشمالًا.
وتقتضي الضرورة، والصيرورة التاريخية، إعادة صياغة وطنٍ آخر، نغادر من خلاله خانات الحرب واستلاب الآخر، إلى واقعٍ يتحلل من:
آثام الحرب وفرض الوقائع على الأرض بالقوة.
مغادرة خانة التخوين وإلغاء الآخر؛ فالوطن ملك للجميع، والحقيقة نسبية.
لا يملك أي طرف – مهما ادعى – الحقيقة المطلقة، ولا تفويضًا سماويًا منزلًا، ولا تفويضًا شعبيًا حقيقيًا يبيح له إلغاء الآخر أو التصدّر عنوةً للمشهد.
فكانت النتيجة ما شاهدناه من خراب ودمار ودماء، جرت في كل الربوع اليمنية:
من صعدة، إلى صنعاء، إلى عدن، إلى حضرموت؛ بل شملت الوطن كله.
والختام:
بعد الدماء، لا بد من الجلوس إلى طاولة العقل، والحوار ضمن المؤتمر القادم، حوارٍ نديٍّ حقيقي، خالٍ من الفرض والإجبار؛ حوار يتبنى مصالح الشعب ومستقبل البلد، نغادر من خلاله نهائيًا آلة الحرب واستلاب الآخر.
وكل ما نرجوه ونأمله: اقتناص وفهم حقيقي لأبعاد هذه الفرصة التاريخية، لإخراج البلاد والعباد من نفق أزمة باتت تتكرر مع حوليات عشرية من تاريخ البلاد.
دولة وطنية، ذات مؤسسات حقيقية، يُحترم فيها القانون، ولا يُقفز عليها، ولا تُصادر، ولا يُحتكم فيها لقوة الإجبار.
وهنا نسأل ونقول:
ترى من سيمسك بقميص عثمان، ويرفعه على رؤوس الأشهاد، ليزايد به بعد كل ما جرى؟
لا نريد رؤية من يرفع قميص عثمان للمزايدة.
الكل مطالب – من ذهبوا ومن لم يذهبوا – إلى مؤتمر حوار الرياض، لإنجاح مهام هذه المحطة التاريخية.
وعلى ذلك يعوّل شعبنا كثيرًا، ومعهم كل الخيرين.