القوة والضعف جدلية السياسة والصراع
في عالم تحكمه المصالح لا المبادئ تبدو السياسة الدولية اشبه بحلبة صراع مفتوحة لا مكان فيها للبراءة ولا للحياد القوة ليست مجرد تفوق عسكري او اقتصادي بل هي قدرة على فرض السردية وصياغة الوعي والتحكم في مسارات الدول الضعيفة قبل ان تنتبه الى انها دخلت اللعبة اصلا في المقابل لا يعني الضعف غياب الموارد او فشل الشعوب بقدر ما يعني الوقوع داخل شبكة معقدة من الهيمنة والابتزاز واعادة التشكيل المستمر
الدول الامبريالية لا تتحرك بعشوائية كما تحاول ان تظهر في خطابها الاعلامي بل وفق قواعد دقيقة وغطرسة سياسية عميقة تنطلق من سؤال واحد ما الذي يخدم المصلحة هذه المصلحة هي البوصلة الحقيقية التي تحدد شكل التدخل وحدوده وزمنه وادواته وما نراه في امريكا اللاتينية والشرق الاوسط وافريقيا واسيا يثبت ان المعايير المعلنة مثل الديمقراطية وحقوق الانسان ليست سوى ادوات انتقائية تستخدم عندما تخدم الهدف وتهمش عندما تعيقه
الولايات المتحدة مثلا لا تتحرك بوصفها دولة فقط بل كجزء من منظومة عالمية اوسع واشد تعقيدا شبكة من البنوك العابرة للقارات والشركات الصناعية العملاقة ومؤسسات المال الدولية وشركات الطاقة والسلاح اضافة الى اجهزة مخابرات ولوبيات ضغط تتحكم بصناعة القرار هذه الشبكة لا تعمل في العلن بل في الظل حيث تصاغ السياسات الحقيقية بعيدا عن خطابات البيت الابيض والمؤتمرات الصحفية
من هنا يصبح اختزال ازمات دول مثل فنزويلا او غيرها في فشل القيادات المحلية فقط تبسيطا مضللا ..
للانظمة اخطاؤها بل وجرائمها احيانا لكن السؤال الاهم من استفاد من هذه الاخطاء من حاصر من منع من عزل من حرك السوق والسلاح والاعلام ضد دولة بعينها الفقر لا يولد من الفراغ بل غالبا ما يكون نتيجة عملية طويلة من الخنق الاقتصادي والسياسي المنظم
التدخل لم يعد دائما دبابات وطائرات في سماء العواصم التدخل الاكثر خطورة اليوم هو التدخل الناعم ذاك الذي يتسلل باسم الدعم وباسم التنمية وباسم المجتمع المدني برامج تمويل تبدو انسانية في ظاهرها لكنها سياسية في جوهرها منظمات محلية تقدم على انها مستقلة بينما هي مرتبطة عضويا بمراكز قرار خارجية فئات شبابية يجري تدريبها وتوجيه خطابها بعناية للمطالبة بتغيير النظام او اقالة الحكومة او تفكيك بنية الدولة من الداخل
هذا النمط من التدخل اخطر لانه لا يعلن نفسه كعدو بل كصديق لا يأتي بزي عسكري بل ببدلة رسمية وابتسامة دبلوماسية لا يقول نحن نريد مواردكم بل يقول نحن نريد مستقبلا افضل لاطفالكم وهنا تكمن المفارقة كيف يمكن لمن يفرض العقوبات ويجمد الاموال ويمنع الدواء والغذاء ان يدعي الحرص على الاطفال
السيادة في هذا السياق تصبح مفهوما مهددا ليس فقط بالغزو المباشر بل بالتفكيك البطيء حين تفقد الدولة قرارها الاقتصادي ثم السياسي ثم الثقافي تصبح مجرد ساحة صراع بين قوى خارجية بينما يدفع المواطن العادي الثمن وحده بطالته وفقره وخوفه وهجرته القسرية
القوة في السياسة الدولية لا تعني دائما القدرة على البناء بل غالبا القدرة على التعطيل تعطيل امكانات الاخرين تعطيل نهوضهم تعطيل اي مسار مستقل قد يخرج عن الطاعة اما الضعف فليس قدرا ابديا لكنه نتيجة تراكمات تاريخية من الاستعمار المباشر ثم غير المباشر من التبعية الاقتصادية من النخب المحلية المرتبطة بالخارج من غياب مشروع وطني جامع
في جدلية القوة والضعف لا توجد دولة بريئة بالكامل ولا دولة شريرة بالكامل لكن توجد منظومات تستفيد من الفوضى اكثر مما تستفيد من الاستقرار وتوجد قوى كبرى لا ترى في الدول الضعيفة سوى اوراق تفاوض ومخازن موارد وساحات اختبار لسياساتها
واذا كانت المصلحة الحقيقية فعلا هي الشعوب كما يقال فالمسار يجب ان يكون مختلفا تماما مسارا يحترم سيادة الدول لا يفرض عليها نماذج جاهزة ولا يستخدم معاناتها كورقة ضغط مسارا يعالج جذور الازمات لا نتائجها فقط جذور تتعلق بالعدالة الاقتصادية وبحق الشعوب في اختيار طريقها دون حصار او ابتزاز
غير ذلك تبقى كل الشعارات مجرد غطاء اخلاقوي لصراع مصالح قاس لا يعترف الا بالقوة ولا يرى في الضعفاء سوى ارقام في تقارير او صورا عابرة في نشرات الاخبار وهنا تكمن مأساة السياسة الدولية ان الانسان فيها غالبا هو اخر ما يؤخذ في الحسبان رغم انه اول من يدفع الثمن
هذه هي جدلية القوة والضعف صراع مستمر لا ينتهي بانتصار نهائي بل يعاد انتاجه باشكال جديدة وفي كل مرة تتغير الادوات ويبقى الجوهر واحدا من يملك القوة يكتب القواعد ومن يعاني الضعف يطالب فقط بحق.