الشرعية المفقودة.. من التوافق الوطني إلى وهم الحلول الجزئية
ليست أزمة اليمن الراهنة مجرد صراع عسكري طال أمده، لكنها في الواقع فراغ شرعي عميق في بنية الدولة بدأ منذ 15 سنة؛ وما الحرب إلا التعبير الأعنف عن هذا الفراغ.
إن جوهر الأزمة اليمنية يكمن في انهيار الشرعية الدستورية وغياب العقد السياسي الجامع، الذي بيغيابه أديرت الدولة بصيغ مؤقتة (شرعيات توافقية) تتآكل مع كل اختبار حقيقي.
عجزت هذه الشرعيات التوافقية، منذ سنوات، عن تحويل القوة إلى سياسة، والسياسة إلى دولة.
شرعية فبراير
لم تنتج ثورة 11 فبراير 2011 شرعية ثورية صلبة، بل أفرزت شرعية توافقية، كان إطارها القانوني "المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية". أُنتجت تلك الشرعية، برعاية أقليمية في محاولة لاحتواء حركة التغيير وتجنب الانفجار، لا لبناء دولة مكتملة.
بالرغم من هشاشة هذه الشرعية، غير أنها كانت آخر مظلة سياسية جامعة، أتاحت إدارة التناقضات، وفتحت مسار الحوار الوطني الشامل.
وبدلا من الإجابة على الأسئلة الكبرى المتعلقة بشكل الدولة ونظامها، عملت هذه الشرعية على ترحيلها، بل وعملت على محاولة حسمها بإرادة سياسية، بعيدا عن الحوار والتوافق، ورحلت المشكلة، منشغلة بربط الاستقرار بتوازنات مؤقتة لا بأسس دستورية راسخة.
الانقلاب.. سقوط التوافق
حين وقع انقلاب صالح والحوثي في 2014، لم يكن انقلابا على السلطة القائمة، أكثر مما استهدف فكرة التوافق نفسها.
أسفر الانقلاب عن سقوط إطار التوافق السياسي، الذي كان ينظم الخلاف، ودخلت اليمن مرحلة إدارة الصراع بالقوة، تحولت معها الدولة إلى غنيمة، ووجدت الهويات والمشاريع التفكيكية مساحة لملء الفراغ.
منذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال كيف نصلح الدولة، بل من يفرض واقعا جديدا على أنقاضها.
اتفاق الرياض.. ترميم هش لشرعية منهارة
أعادت السعودية قائدة التحالف العربي المساند للشرعية في اليمن، في 2019، المحاولة لتجميع ما تبقى من الشرعية عبر "مؤتمر الرياض"، وإنتاج صيغة توافقية جديدة، تستوعب المتغيرات الميدانية التي افرزتها حرب صالح والحوثي، لكنها كانت أضعف من سابقتها.
كانت نقطة ضعف هذه الصيغة الجديدة، من كونها لم تنطلق من إرادة وطنية جامعة، وبنيت على توازنات قوى فرضتها الحرب وتدخلات الإقليم.
كان ذلك التوافق أقرب ما يكون "هدنة سياسية" لإدارة الانقسام في إطار مكونات الشرعية المناهضة للحوثيين.
رغم هشاشة هذا التوافق، ظل يشكل الإطار القانوني الوحيد الذي، يدير الصراع ويحاول منع الانفجار داخل معسكر الشرعية، حتى 2025.
التحرك الأحادي.. لحظة سقوط التوافق الأخير
شكل التحرك الأحادي للمجلس الانتقالي باتجاه حضرموت والمهرة لحظة كاشفة، بالرغم من أنه قد سبقه قبل ثلاث سنوات، تحركات أحادية مماثلة في أبين وشبوة. بيد أن التحرك الأخير لم يكن مجرد خطوة عسكرية أو سياسية، أكثر مما كان بيان عملي بانتهاء منطق التوافق والشراكة، واستبداله بمنطق فرض الأمر الواقع.
عند هذه النقطة، سقط التوافق السياسي الذي كانت تقوم عليه الشرعية، ووجدت البلاد نفسها مرة أخرى بلا إطار جامع، وبلا مرجعية تنظم الخلاف داخل المعسكر الواحد.
السؤال المركزي.. من أين تُستمد الشرعية؟
هنا يفرض السؤال نفسه بقوة: ما الذي يمنح الشرعية اليوم؟ هل السيطرة على الأرض، أم البيانات الدستورية، أم المؤتمرات الجزئية؟
في الواقع، وعندما يصعب إيجاد شرعية دستورية، لا تستمد الشرعية التوافقية من أي من ذلك بمعزل عن توافق سياسي جامع؛ فالنصوص بلا توافق تتحول إلى إعلانات قوة، والمؤتمرات بلا إطار وطني تصبح أدوات لإدارة الانقسام لا حله.
المؤتمر الجنوبي.. حل جزئي لأزمة كلية
في هذا السياق، يبدو الاتجاه نحو عقد مؤتمر جنوبي شامل لمعالجة القضية الجنوبية انحراف خطير عن جوهر الأزمة. فالقضية الجنوبية، في أصلها، ليست قضية إقليم منفصل عن الدولة، بل قضية سياسية وحقوقية داخل أزمة دولة شاملة.
إن إخراجها من هذا السياق، والذهاب بها إلى مسار تفاوضي خاص، يعني عمليا الاعتراف بعجز الشرعية عن طرح مشروع وطني جامع، وتحويل الدولة من إطار جامع إلى طرف في نزاع جهوي.
ما يفترض أن تشتغل ما تبقى من الشرعية، على مؤتمر وطني يجمع كل القوى المناهضة للحوثي، بتمثيل حقيقي ومتساوي لكل المكونات الوطنية، للخروج بصيغة توافقية، كإطار قانوني، يحمي الشرعية، ويعطيها الحق الشرعي في بحث وتقرير أي قضايا مصيرية، مثل استعادة الدولة والقضية الجنوبية وغيرها.
ما الذي تحتاجه الشرعية فعلا؟
ما تحتاجه الشرعية اليوم ليس مؤتمرا جنوبيا، ولا إعادة إنتاج صيغ انتقالية بلا قاعدة سياسية؛ تحتاج الشرعية إعادة تأسيس التوافق الوطني ذاته؛ توافق جديد لا يقوم فقط على ميزان القوة، بل على ربط القوة بالسياسة، والموارد بالمصلحة العامة، والقضية الجنوبية بمشروع دولة، لا بمشروع فصيل أو منطقة.
فبدون هذا التوافق، سنكون أمام شرعية بلا مضمون، وحكومة بلا تفويض حقيقي، وقضية جنوبية بلا أفق وطني جامع، وحرب تغير أشكالها ولا تنتهي.
إن الدولة لا تستعاد بالحلول الجزئية، كما لا تبنى بإعلانات دستورية معزولة. وحده التوافق الوطني، مهما كان صعبا ومؤلما، هو ما يمنح الشرعية معناها، ويجعل استعادة الدولة، سلما أو حربا، احتمالا ممكنا، وحل القضية الجنوبية كمدخل لحلحلة كافة القضايا الوطنية، لا مجرد شعارات.