ثمن العبور: عندما تتحول الفتيات إلى تأشيرات دخول
سبعة عشر عامًا هي العقوبة التي أصدرتها المحكمة بحق يمني من مدينة بافلو نيويورك، بسبب تهمة الاختطاف، كان الهدف منه إرغام ابنته على الزواج في اليمن، وتهديدها بالقتل في حال رفضها. لكن بعيدًا عن قاعات المحاكم، تحدث عشرات القضايا الشبيهة بهذا السيناريو، إذ يعتبر الحصول على الجنسية الأمريكية الهدف، وأجساد النساء ودفن أحلامهن هو الثمن المدفوع. يمكنك تسميتها "عادات وتقاليد" إذا شئت، لكن القانون يعرفها باسمها الصحيح: الاتجار بالبشر.
إن هذا الحكم القضائي الجريء يفرض على المجتمع العربي عامة واليمني خاصة، مواجهة حتمية مع ذاته. فلم يعد بالإمكان وصف الأمور بغير مسمياتها؛ فما يبدأ كـ"ترتيب عائلي" ينقلب إلى جريمة منظمة تنتهك أبسط حقوق الإنسان. ومسمى "المهر" ما هو إلا غطاء لمسمى سوداوي ومرعب، وهو المتاجرة بالفتيات. هنا لا نتحدث عن والد ارتكب خطأ في التقدير، بل عن نظام اجتماعي يسمح أحيانًا بتبرير العنف والإجبار تحت ذريعة العادات، ويتجاهل تحويل النساء إلى "تأشيرات دخول" متحركة.
على مدى العديد من العقود، ظلت الفتيات في بعض أجزاء المجتمع اليمني داخل الولايات المتحدة، سلعة يتم تبادلها مقابل وعود "الحلم الأمريكي". بينما كانت الأسر تتفاوض على أرقام ضخمة غير منطقية، كانت الفتيات يتساءلن في صمت عميق: هل تعتبر أمريكا مكانًا للإنقاذ، أم أنها جحيم وسجن أبدي؟ لقد بلغ الطمع اليوم أقصى مداه، واستفحل الجشع حتى بلغ منتهاه، بلا مواربة ولا خجل، وتحولت المهور إلى صفقات مرعبة لصالح الآباء، وحلّ مبدأ "من يدفع أكثر" محل "من يستحق أكثر". هذه الحلقة المفرغة لم تؤدِّ إلى بناء بيوت، بل أوجدت زنازين مُغلفة بمظاهر الرفاهية الكاذبة، حيث تُعصر قلوب الفتيات ليصبحن أشباحًا يعيشن في علاقات قائمة على المصالح بدلًا من الحب، وعلى المال وليس على الشراكة الحقيقية. فآلت النتيجة إلى زيجات بلا دفء، وأفرزت علاقات متيبسة باردة، يقيم معظم أطرافها في انفصال عاطفي موجع، وبيوت تفتقد السكينة، يغيب عنها التناغم والانسجام.
والأدهى من ذلك، أن "العمر" في هذه المقايضة هو العملة الأغلى؛ فكلما صغر سن الفتاة، سهل ترويض أحلامها وتطويع إرادتها. تُحاك حولها "خدعة التقاليد"، وتُستغل عواطفها الغضة كمراهقة عبر تصوير الزواج وإنجاب الأطفال كأسمى الغايات، وهي حقائق فعلية تُستخدم هنا كستار دخاني لعملية بيع وشراء مكتملة الأركان، واستغلال أحلام الشباب في الخارج لدخول الولايات المتحدة.
ولكي تكتمل المسرحية، تأتي خدعة العودة للجذور، إذ يتم الترويج للسفر إلى الوطن على أنه رحلة لاكتشاف الهوية والتعرف إلى الأهل والأرض، وهناك يشيد لها عالم زائف من الكمال والفضيلة، وفي تلك البيئة المعزولة، تكثف دروس الطاعة، وإعادة صياغة مسميات الخضوع والقبول على أنه قمة الالتزام، وتزييف حدود الدين وتشريعاته بما يتلاءم مع تنفيذ الصفقات. إنها عملية هندسة اجتماعية يقوم بها المجتمع لتحويل الفتاة إلى وسيلة لكسب المال، وبالحلال! تعود الفتاة المراهقة في النهاية إلى مقاعد مدرستها في الولايات المتحدة، محملة بخاتم خطبة أو زواج، وعشرة أضعاف عمرها من الوعود الكاذبة.
إنه لمن المرارة أن يعيش جزء من المجتمع اليمني في بلد الحرية، بينما تظل عقولهم وأقفال بيوتهم معزولة عن قوانينها؛ حيث تُحرم المرأة من حقوقها -كقيادة السيارة أو السفر- ولا تُمنح "مفاتيح" حريتها إلا كمكافأة على قبولها زواجًا رفضته بإصرار قاطع، وقبلت به -في الأخير- مرغمة.
واليوم، تضج وسائل التواصل الاجتماعي بالهجوم على الفتاة، واتهامها بتمزيق شمل الأسرة، لكن الحقيقة هي أن الأسرة هي من مزقت نفسها عندما رفضت الاستماع لرغبة ابنتها مند البداية. فالأب لم يسجن بوشاية ابنته، بل بسبب إصراره على تنفيذ خطته* بدون اكتراث لنداءات الفتاة بحجة التقاليد، بينما التقاليد الحقيقية هي التي تحمي الضعيف، وتنصف قليل الحيلة، لا التي تتربح منه ومن انكساره.
كاتبة يمنية مقيمة في الولايات المتحدة
__________
- خطته: عملية مكررة ومتعارف عليها بين الأوساط اليمنية، أن تقوم الأسرة بخداع الفتيات والسفر لليمن بحجة زيارة الأهل أو مناسبة ما، ومن ثم إجبارهن هناك على البقاء، البعض منهن قد لا تعود للولايات المتحدة إلا بعد زواجها، والتأكد من كونها حاملًا حتى يضمنوا استسلامها.
