حكمة الحياد وضغوط التورط: قراءة في السياسة العُمانية في اليمن (2)
ثمة دول تختار مواقفها، وأخرى تُفرض عليها. أما عُمان، فقد وجدت نفسها في تلك المنطقة الرمادية الصعبة حيث يتقاطع الاختيار مع الاضطرار، والحكمة مع القلق، والحياد مع ضغوط الجغرافيا والأمن التي لا تعترف بالحياد.
لم تكن الأزمة التي أخذ يختبرها اليمن منذ 2011 بالنسبة للعُمانيين مجرد ملف آخر في أروقة وزارة الخارجية، فما يجري على الضفة الأخرى من الحدود ليس أزمة إقليمية أخرى تكفي سياسة الحياد والتوسط العُمانية للتعامل معها. فأزمة كهذه تحمل لها تهديدات وتثير لديها مخاوف تخص الأمن القومي، والطموحات الاقتصادية، والعلاقة المعقدة مع الجارتين الخليجيتين الكبريين، وذلك الإحساس العميق بالخصوصية الذي رافق العمانيين منذ كانت سلطنتهم إمبراطورية بحرية تمتد إلى سواحل أفريقيا الشرقية. هذه الأزمة وضعت الثوابت العُمانية أمام اختبار قاس، ولم تغيّر المحددات التقليدية للسياسة العُمانية بل عمّقتها وأضافت إليها.
تقف قضية الأمن في مقدمة المحددات الحاكمة للسياسة الخارجية العُمانية، إلى حدّ تبدو معه هذه السياسة أقرب إلى ممارسات تحكمها غريزة البقاء محفزة بمخاوف حقيقية ومتصورة. جاء الصراع في اليمن ليضغط على هذا الهاجس بقوة لم تعرفها مسقط من قبل. فعدوى عدم الاستقرار يمكن أن تتسرب إلى الداخل العماني عبر الحدود الطويلة مع اليمن (300 كم): السلاح والمسلحين، وتدفقات اللاجئين، والمتطرفين وأنشطة التهريب. تتضاعف هذه المخاطر في المخيال الأمني العُماني، الحقيقي منه والمتصوَّر على حد سواء، مع كل تراجع أو تآكل للدولة اليمنية.
لكن القلق العُماني لا يتوقف عند البعد الأمني، فلدى مسقط طموحات اقتصادية كبرى للمستقبل، فمحدودية مواردها الهيدروكربونية والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط جعلها تراهن، كما تشي "رؤية عُمان 2040"، على تنويع الاقتصاد، خصوصاً من خلال إعادة تعريف موقع السلطنة في الاقتصاد العالمي: مركز للهيدروجين الأخضر، مركز عالمي للنقل والخدمات اللوجستية. معتمدة على موقعها الجغرافي الذي يشكل رأس مالها الأهم، استثمرت عمان في تطوير موانئ كصلالة والدقم، وتوسيع شبكة اتفاقات التجارة الحرة وجذب الاستثمارات. غير أن هذه الرهانات تبقى هشّة في بيئة مضطربة، والصراع المشتعل في الجوار يهدد كل ذلك. فمن يستثمر في مركز لوجستي تحيط به الفوضى؟ ومن يراهن على طرق تجارية قد تتحول في أي لحظة إلى مناطق خطر؟
تأخذ المعضلة اليمنية منحى أكثر دراماتيكية بسبب تدخل السعودية والإمارات. فالعلاقة بالدولتين ليست علاقة جوار عادية، ولا تُقرأ فقط بمنطق المصالح التقليدية، فهي مثقلة بذاكرة من الصراع والمخاوف وإحساس عُماني قديم بالخصوصية والتميّز. التدخل العسكري للرياض وأبوظبي في اليمن يعكس فائض قوة وطموحاً جيوسياسياً متصاعداً. هذا الصعود الجيوسياسي للدولتين يوقظ لدى مسقط، التي كانت يوماً قوة مركزية في الخليج وإمبراطورية بحرية تمتد إلى شرق أفريقيا، شعوراً بالحنين السياسي وإدراكاً لتحوّل موازين القوة، وقد ترى فيه مزاحمةً تاريخية ومصدر قلق وجودي. هذا التدخل، من جهة أخرى، حوّل الصراع من أزمة جوار إلى معضلة إقليمية. والأخطر من ذلك أن الوجود العسكري السعودي والإماراتي بات قريباً جداً من الحدود العُمانية. وهذا لا يهدد النفوذ التقليدي لعُمان في مناطقها الغربية فحسب، بل يمنح الدولتين أوراقاً يمكن توظيفها للضغط على مسقط متى شاءتا. وقد تفاقمت هذه المخاوف حين وجدت عُمان نفسها في مرمى اتهامات بالتواطؤ في تهريب الأسلحة الإيرانية إلى الحوثيين. إلى ذلك، يهدد الطموح الجيو-اقتصادي للسعودية والإمارات في اليمن طموحات عمان وخطط تحولها إلى مركز لوجستي عالمي.
هكذا، وجدت مسقط نفسها محاصرة استراتيجياً. وهو وضع يُشكّل تحدياً صعباً لسياستها التقليدية القائمة على الحياد وعدم التدخل والوساطة التي طالما منحتها نفوذاً ومكانة. الواقع الجديد يدفعها، شاءت أم أبت، نحو سياسات أكثر تدخلاً ومبادرة. ووجدت عُمان نفسها أمام معضلة: كيف تحافظ على تقاليدها في الحياد وعدم التدخل؟ وكيف تبقى خارج الصراع، فيما تداعياته تضغط على أمنها واقتصادها ونفوذها؟ أخذت هذه الأسئلة تفرض مراجعات هادئة، لكنها عميقة، لأولويات السياسة العُمانية.
وعلى كل حال، لم يكن الموقف العماني من الأزمة اليمنية جامداً، بل تطور عبر أربع مراحل متمايزة، كلٌّ منها تحمل بصمة ظروفها:
المرحلة الأولى (2011-2014): في هذه المرحلة، اكتفت مسقط بالمراقبة والاحتواء. راقبت الأحداث بعين يقظة، ودعمت مسار الانتقال السياسي عبر المبادرة الخليجية، ثم توسطت للتوصل إلى اتفاق السلم والشراكة بين الحوثيين وبقية الأطراف اليمنية.
المرحلة الثانية (2015-2018): عندما انطلقت "عاصفة الحزم" في مارس 2015، اتخذت عُمان قراراً أثار جدلاً واسعاً وربما غضباً خليجياً مكتوماً: رفضت الانضمام إلى التحالف. بررت مسقط موقفها بدستورها الذي يحظر التدخل في شؤون الدول الأخرى، وبقناعة راسخة بأن الحلول العسكرية لن تُفضي إلى استقرار، وأن الحوار السياسي الشامل وحده هو السبيل. ما بدا آنذاك موقفاً محرجاً، تحوّل لاحقاً إلى مصدر قوة دبلوماسية. في هذه الفترة، بدأت مسقط تلعب دور الوسيط عبر دبلوماسية الأبواب الخلفية: استضافت اجتماعات سرية وعلنية بين الحوثيين والأمريكيين، وبين الحوثيين والسعوديين.
المرحلة الثالثة (2019-2022): جاءت الرياح بما تشتهي السفن العُمانية. تغيرت مواقف المجتمع الدولي والسعودية والإمارات من الحرب، وبرز توتر سعودي إماراتي خفف من الضغوط على مسقط. هذه التطورات منحت عُمان موقفاً أفضل، وسمحت بتقارب مع الرياض، خصوصاً بعد تولي السلطان هيثم بن طارق الحكم في يناير 2020. وأصبحت الوساطة العُمانية متغيراً مهماً في مساعي السلام، ولعبت دوراً محورياً في التوصل إلى الهدنة الأممية في أبريل 2022.
المرحلة الرابعة (2022-2025): شهدت هذه المرحلة متغيرات إقليمية مواتية، أبرزها المصالحة السعودية الإيرانية. ورعت فيها عمان مفاوضات أكثر كثافة بين السعودية والجماعة الحوثية، فقد استضافت مسقط جولات عديدة من المحادثات انتهت بالتوصل إلى مسودة خارطة طريق للسلام. لكن التطورات التي بدأت في 7 أكتوبر 2023 جمدت مسار السلام، حتى اللحظة. ولكن القلق عاد ليطل برأسه مع سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على حضرموت والمهرة في نهاية 2025، تلك المناطق الشرقية التي تمثل خاصرة عُمان الرخوة.