اصطدام المشاريع بالقبول الاجتماعي في لحظة التفكك
تمثّل حضرموت، في هذه اللحظة المفصلية، نقطة كاشفة أعادت رسم حدود الممكن السياسي، وعرّت في الوقت نفسه حدود القوة في بلد متشظّي القرار، تتآكل فيه أدوات الحكم بقدر ما تتعدد عناوينه.
فالشرعية لا تُقاس بميزان الاعتراف الدولي وحده، بل بقدرتها على إنتاج قرار نافذ في المجال العام. ومأزق البلاد لا يكمن في غياب الصفة القانونية بقدر ما يكمن في غياب أدوات التنفيذ القادرة على تحويل القرار السياسي من صيغة معلنة إلى واقع ملموس. وفي لحظة التفكك، يغدو سؤال الفاعلية هو الخط الفاصل بين السياسة بوصفها إدارة عقلانية، والسياسة بوصفها مغامرة مفتوحة على الفشل.
في هذا السياق، برزت حضرموت خلال الأسابيع الأخيرة لا كساحة صراع إضافية، بل كفاعل سياسي واجتماعي فرض حضوره وحدوده. فالرفض الواسع داخل المحافظة لأي محاولة لفرض أمر واقع جديد، كما عبّرت عنه مكونات حضرمية فاعلة كحلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع، لم يكن انفعالًا عاطفيًا، بل تعبيرًا عن وعي محلي يطالب بعلاقة ندّية مع المركز، ويرفض تحويل المحافظة إلى ورقة في صراع النفوذ الإقليمي. وقد شكّل هذا الموقف الشعبي المنظم الحاضنة الحقيقية لأي حسم سياسي لاحق، مذكّرًا بأن السيطرة لا تُبنى بهيمنة القوة المسلحة وحدها، بل بالقبول الاجتماعي. وما جرى في حضرموت لا يخصها وحدها، بل يكشف قاعدة أوسع مفادها أن أي مشروع سياسي لا يمر عبر قبول محلي منظم، سيتحوّل عاجلًا أو آجلًا إلى عبء أمني على داعميه.
تشهد البلاد منذ سنوات حالة تعدد سلطات بلا عقد وطني، فلا جهة واحدة تمتلك قرار الحرب أو السلم، ولا سلطة قادرة على فرض مشروع دولة متماسك. الجديد اليوم ليس التفكك بحد ذاته، بل محاولة كسر التوازنات الهشة التي أدارت هذا التفكك طويلًا، عبر التمدد الجغرافي بوصفه بديلًا عن التوافق السياسي. وفي هذا الإطار، اصطدمت محاولة نقل الصراع إلى المحافظات الشرقية بعاملين متلازمين: موقف إقليمي حاسم، ورفض محلي حضرمي واضح، ما أعاد ضبط المشهد لمصلحة الشرعية، لا بوصفها عنوانًا سياسيًا مجردًا، بل بوصفها حدًا لا يمكن تجاوزه من دون كلفة.
ولا يمكن قراءة هذا التحول كمواجهة محدودة، بل بوصفه إعادة رسم للخطوط الحمراء. فحضرموت ليست ساحة مفتوحة للمغامرة، بل عقدة سياسية واقتصادية لا يمكن تجاوزها من دون ثمن مرتفع. وما جرى يكشف أن بعض المشاريع السياسية بلغ حدّه الأقصى؛ إذ لم تعد القوة وحدها كافية لتوسيع الجغرافيا أو إنتاج شرعية جديدة. كما يوضح حدود النفوذ الإقليمي حين يصطدم بإرادة مضادة وحاضنة محلية ترفض الوصاية. ومع أن هذا النفوذ لا يزال قائمًا في بعض المحافظات الجنوبية، فإن سقف التمدد بات أوضح وأقل قابلية للتوسّع.
في ضوء ذلك، دخلت البلاد مرحلة يمكن توصيفها بكبح الطموحات القصوى من دون إنتاج بديل سياسي متماسك. واللقاء المرتقب في الرياض، المتداول سياسيًا وإعلاميًا، يأتي على الأرجح في إطار احتواء هذا التحول لا حسمه. غير أن حصر الحوار في مكونات بعينها يطرح إشكالية جوهرية، إذ يعيد إنتاج الانقسام داخل معسكر الشرعية بدل معالجته. فالمسارات الجزئية لا تؤجل الانقسام فحسب، بل تمنحه شرعية مؤقتة قد يصعب تفكيكها لاحقًا. وأي مسار سياسي لا يُوسَّع ليشمل كامل مكونات الشرعية ضمن إطار واضح للقرار والمسؤولية، سيظل عاجزًا عن إنتاج استقرار فعلي، مهما بدا مريحًا على المدى القصير.
في قلب هذا المشهد، يبرز مأزق المجلس الرئاسي والحكومة معًا بوصفه مأزقًا بنيويًا لا شخصيًا. فالمجلس، بتكوينه المتعدد، لا يعكس تنوعًا سياسيًا بقدر ما يجسّد ازدواجية ولاء على مستوى القرار السيادي ذاته، ويعاني من غياب مركز حسم قادر على تحويل التوافقات إلى سياسات. أما الحكومة، فتبدو امتدادًا تنفيذيًا لهذا الخلل البنيوي، من خلال مواقف متعارضة لبعض أعضائها بلغت حد مباركة خطوات تناقض الإطار الذي يُفترض أن يعملوا ضمنه. وهذه الازدواجية ليست خللًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لترتيبات سياسية تبلورت في مشاورات الرياض، حيث أُعيد إنتاج السلطة على قاعدة التوازن القسري وتقاسم النفوذ، بما شرعن وجود قوى متعارضة داخل بنية الدولة من دون آليات واضحة لضبط الولاء الوظيفي، فتحولت مؤسسات الدولة إلى مساحة تداخل بين الدولة واللا دولة.
أما الإعلان عن الدخول في مرحلة انتقالية تمهيدًا للاستقلال، فقد دخل عمليًا مرحلة الانكماش الاضطراري. لم يُلغَ الإعلان، لكنه فقد زخمه السياسي وغطاءه الإقليمي، وبات أقرب إلى ورقة ضغط تفاوضية منه إلى مشروع قابل للتنفيذ. فالاستقلال الذي لا يمر عبر حضرموت، ولا يحظى بإجماع واسع، ولا يستند إلى اقتصاد قابل للحياة، يصعب تحويله إلى واقع، مهما ارتفعت نبرة الخطاب.
وينعكس هذا التفكك السياسي مباشرة على الاقتصاد. فالعملة لم تعد أداة سيادة وطنية موحدة، بل مرآة لانقسام السلطة، تتباين قيمتها باختلاف الجغرافيا والجهة القائمة على إدارتها. كما تحولت الموانئ من أدوات تنمية إلى أوراق نفوذ تُدار بمنطق السيطرة لا الخدمة العامة. وحين يُدار ميناء أو مورد نفطي بمنطق الغلبة لا بمنطق المصلحة العامة، تتحول السيادة الاقتصادية إلى أداة صراع بدل أن تكون رافعة استقرار. ومع غياب قرار سياسي جامع، تتآكل الثقة بالسوق، ويتوسع اقتصاد الظل، وتزداد هشاشة الحياة المعيشية.
في المحصلة، لا تواجه البلاد أزمة شرعية فحسب، بل أزمة فاعلية. فالشرعية القادرة على الاستمرار هي التي تستعيد دورها كمرجعية سياسية واجتماعية قبل أن تكون إطارًا إداريًا، وتمتلك القدرة على فرض ثمن للخروج عليها وحدودًا للتعامل معها، لا عبر البيانات، بل عبر حضور فعلي يضبط المجال السياسي ويمنع الالتفاف عليه. ومن دون هذا التحول، لن تكون المغامرات السياسية استثناءً، بل القاعدة التي تُدار بها البلاد.