الموقف السعودي من القضية الجنوبية في اليمن
يمثل الموقف السعودي من القضية الجنوبية في اليمن أحد العوامل الأساسية لفهم التحولات السياسية والأمنية في المنطقة. جذور هذا الموقف تمتد إلى القرن العشرين، عندما شهدت العلاقات السعودية -اليمنية سلسلة نزاعات حدودية وصراعات نفوذ، أبرزها حرب الوديعة عام 1969، التي انتهت بسيطرة الرياض على مثلث الوديعة وشرورة، وهي مناطق يعتبرها اليمنيون تاريخيًا جزء من أراضيهم.
النزاع لم يقتصر على الجغرافيا، بل شكّل أيضًا محورا للصراع الأيديولوجي والسياسي في المنطقة.
قبل ذلك رسمت اتفاقية الطائف عام 1934 الحدود بين السعودية وشمال اليمن، لكنها لم تشمل الجنوب بشكل مباشر، وهو ما جعل مناطق نجران وجيزان وعسير ذات حساسية خاصة بالنسبة للسياسة السعودية، باعتبارها نقاط تماس مباشرة مع عمق اليمن الجنوبي. فيما بعد حاولت معاهدة جدة عام 2000 حل ملف الحدود بين السعودية واليمن الموحد، إلا أن القضايا المرتبطة بالوعي التاريخي والمطالب الشعبية لم تُغلق بالكامل، إذ يعتبر بعض اليمنيين هذه المناطق جزءًا من كيانهم الجغرافي قبل عقود طويلة.
المحددات الاستراتيجية والسلوك السعودي تجاه الجنوب
تستند السياسة السعودية تجاه الجنوب اليمني إلى مزيج من الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية. السعودية لا تخشى بشكل رئيسي مطالبة جنوبية فورية بالأراضي بقدر ما تخشى قيام دولة جنوبية مستقلة ذات سيادة كاملة، تمتلك مؤسسات قادرة على مراجعة التاريخ السياسي والحدودي، إذ قد يحوّل وجود مثل هذه الدولة ملف الحدود من قضية "مغلقة" إلى قضية سياسية قابلة للتدويل، ما يفتح الباب للتوترات الإقليمية.
من ناحية الاعتبارات الأمنية والإقليمية، ترى الرياض أن انفصال الجنوب قد يخلق فراغًا أمنيًا على حدودها ويفتح المجال لنفوذ إقليمي منافس، خصوصًا في ظل الحضور الإماراتي، ويضعف قدرتها على التحكم في التوازنات جنوب الجزيرة العربية.
في الأيام الأخيرة، شهد الجنوب تصاعدًا في التوتر بين القوات السعودية والمجلس الانتقالي، حيث قامت السعودية بشن ضربات جوية على مواقع تابعة للقوات الجنوبية في سياق محاولتها للحد من توسع سيطرة المجلس على مناطق استراتيجية مثل حضرموت والمهرة. وهذا التصعيد يعكس المخاوف السعودية من أية خطوات انفصالية، ويؤكد حرصها على أن تبقى الحدود الجنوبية تحت سيطرة مباشرة أو غير مباشرة، بما يحمي مصالحها الاستراتيجية ويمنع أي انفجار أمني محتمل.
التقييم الاستراتيجي والسيناريوهات المستقبلية
الموقف السعودي من القضية الجنوبية يحاول الموازنة بين الاعتراف بجذور القضية وأحقية مطالب الجنوب وبين رفض أي مسار يقود إلى استقلال كامل قد يعيد فتح ملفات حساسة، خصوصًا الأراضي التي أصبحت جزءًا من السعودية منذ القرن العشرين مثل نجران وجيزان وعسير والوديعة.
تركز الرياض على إبقاء المجلس الانتقالي أداة لضبط المشهد السياسي والعسكري في الجنوب، بحيث تبقى تحركاته تحت مراقبة مع دعم وحدة اليمن ومنع الانفصال واستخدامه في الحوار السياسي الإقليمي لتنسيق المواقف مع الإمارات والدول العربية الأخرى ضمن التحالف العربي. كما يشمل هذا الموقف قبولًا ضمنيًا باستخدام القوة عند الضرورة، كما حدث في الضربات الجوية على مواقع القوات الجنوبية، لضمان عدم تحول الجنوب إلى كيان مستقل يهدد الأمن السعودي.
السيناريو المستقبلي المتوقع يشير إلى استمرار سياسة الاحتواء عبر ضبط المجلس الانتقالي وتجنب تفكك الدولة، مع احتمال اعتماد حل فيدرالي يمنح الجنوب صلاحيات محلية أوسع دون انفصال وفي الوقت نفسه تحمل الرياض خيار التصعيد المحدود في حال تجاوز المجلس الخطوط الحمراء. وفي هذا السياق، دعت السعودية إلى حوار جنوبي -جنوبي في الرياض بهدف توحيد المواقف الجنوبية وتقليل الانقسامات وخلق أرضية تفاوضية حول آليات الحكم والصلاحيات المحلية مع الحفاظ على وحدة اليمن وتجنب أي انفصال قد يضعف مؤسسات الدولة ويخدم مصالح أطراف إقليمية معارضة.
الخلاصة
يبقى الموقف السعودي تجاه القضية الجنوبية معقد، إذ يعكس توازنًا بين الاعتراف بجذور القضية ومطالب الجنوب، وبين رفض أي انفصال قد يفتح ملفات تاريخية وحدودية حساسة. المخاوف من قيام دولة جنوبية ذات سيادة كاملة، إلى جانب الاعتبارات الأمنية والإقليمية تجعل الرياض تمارس سياسة ضبط دقيقة تشمل الاحتواء والحوار واستخدام القوة عند الضرورة.
السيناريوهات المستقبلية تتراوح بين الاحتواء والحل الفيدرالي، مع إمكانية التصعيد المحدود، بينما يظل الحوار الجنوبي -الجنوبي أداة أساسية لضبط الوضع والحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي.