من قراءة الميدان إلى حسابات الإقليم:
هل يكون مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض بوابةً للحل؟
غالبًا ما تقود القراءة الحرفية للواقع الميداني على الأرض إلى استنتاجات خاطئة أو قاصرة؛ ليس لأن الوقائع غير صحيحة، بل لأن ما يجري على السطح لا يعكس بالضرورة ما يُدار في العمق.
فثمّة ملفات تُدار على المستويين الدولي والإقليمي، وتُطبخ خلف الأبواب المغلقة، في إطار مساومات وصفقات وتنازلات متبادلة، يصعب التنبؤ بمساراتها أو بتوقيت انفجار نتائجها. وما نلبث أن نرى مخرجاتها تتجسّد فجأة في واقعنا المحلي، بشكل متسارع ومربك، يصعب فهمه دون العودة إلى تلك المؤشرات الخارجية.
وهذا بالضبط ما حدث عند دخول المجلس الانتقالي الجنوبي إلى المحافظات الشرقية «في يومٍ وليلة»، ثم خروجه منها ـ أو هزيمته ـ بالطريقة المفاجئة ذاتها. فمن حيث الظاهر، بدت الأحداث تحولاتٍ ميدانيةً خاطفة، لكن القراءة المتأنية للمؤشرات الخارجية تكشف بوضوح ما كان يجري خلف الستار.
فعند دخول الانتقالي، كان هناك غطاء إماراتي واضح وصريح، جاء مفاجئًا لنا، وللسعودية أيضًا. وعند خروجه، أو انكساره، جرى سحب ذلك الغطاء بالطريقة ذاتها، ولكن هذه المرة بشكل علني. ولعل أبرز شواهد ذلك البيان الإماراتي الذي دعا صراحة إلى التهدئة والحوار، في توقيت لا يمكن فصله عن مجريات الميدان. ومن المرجّح أن هذا التحول لم يكن معزولًا، بل جاء نتيجة صفقات أوسع، قد تكون مرتبطة بملفات إقليمية أو دولية خارج الإطار اليمني، كملف التطبيع أو غيره من القضايا ذات الأولوية لدى الفاعلين الدوليين.
وقد بدأت ملامح هذا التحول قبل اندلاع العمليات في حضرموت، حين لوحظ انخفاض مستوى التعاطي مع الملف اليمني من سقف السلطات العليا في الرياض، وإعادة إدارته إلى مستوى السفير. وهو مؤشر سياسي بالغ الدلالة، يعكس انتقال الملف من مرحلة القرار الاستراتيجي إلى مرحلة الإدارة التنفيذية.
والأمر ذاته ينطبق على إدارة الملف اليمني مع صنعاء؛ فبعد التفاهمات التي جرت على أعلى المستويات بين الرياض وطهران، بوساطة صينية، أُعيد الملف إلى يد السفير محمد آل جابر، الذي توجّه إلى صنعاء لترجمة ما تم الاتفاق عليه سياسيًا إلى خطوات عملية على الأرض.
اليوم، ووفقًا لهذه الحقيقة المرّة، بات مفهومًا أين يكمن الخلل، وأين يمكن أن يبدأ الحل. ومن هذا المنطلق، نعتقد أن مؤتمر الرياض للجنوبيين يمثّل البوابة الخارجية الأساسية لمعالجة القضية الجنوبية، لا بوصفه فعالية شكلية، بل باعتباره مدخلًا سياسيًا جادًا، سيُترجم ما ينبثق عنه على الواقع الميداني، شريطة أن يحظى بدعم أو غطاء من دول الإقليم، التي تمتلك مصالح مباشرة في اليمن عمومًا، وفي الجنوب على وجه الخصوص.
وفي ضوء البيان الإماراتي، والتأييد القطري، ومؤشرات القبول العُماني، وعدم الرفض الإيراني، وصمت صنعاء، نجد أنفسنا ـ وللمرة الأولى منذ صيف 1994 ـ أمام فرصة حقيقية للاقتراب من إنهاء حالة الفوضى التي عمّت الجنوب لعقود.
ومع ذلك، تبقى المفاجآت جزءًا أصيلًا من واقعنا التاريخي والسياسي، وهي حقيقة لا يجوز إغفالها أو الاطمئنان الكامل لتجاوزها. فاليمن، بحكم موقعه وتشابكاته، سيظل ساحة مفتوحة لاحتمالات غير متوقعة، مهما بدا المشهد منضبطًا أو واعدًا.