صنعاء 19C امطار خفيفة

إعلان الزبيدي والخيارات المفتوحة: انفصال مؤجل أم مناورة سياسية؟

إعلان الزبيدي والخيارات المفتوحة: انفصال مؤجل أم مناورة سياسية؟

أثار الإعلان الدستوري الذي أصدره رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، والمتضمن إعلان مرحلة انتقالية تمتد لعامين، موجة واسعة من الجدل في الأوساط السياسية والشعبية اليمنية. وتباينت ردود الفعل بين من اعتبر الخطوة مناورة سياسية لتحسين شروط التفاوض، ومن رآها تمهيدًا فعليًا لمسار انفصالي، في حين عبّرت غالبية الأصوات عن رفضها لما وصفته بمحاولة تقويض الدولة الواحدة.

إدارة انتقالية

ترى الناشطة الحقوقية تهاني الصراري أن إعلان الزبيدي لا يمثل، من الناحية الشكلية، إعلانًا صريحًا للانفصال أو الاستقلال، بقدر ما يعكس الدخول في مرحلة انتقالية تُعد - وفق الأدبيات السياسية - المرحلة الأخيرة التي تسبق إعلان الاستقلال. وتوضح أن تحديد مدة عامين يعني، في أفضل التقديرات، أن أي خطوة انفصالية لن تكون وشيكة قبل انقضائها.
وتضيف الصراري أن هذا الإعلان يعكس في الوقت ذاته موقفًا بعدم الاعتراف بالحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا بصيغتها الحالية، مع استمرار المجلس الانتقالي في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرته بوصفه سلطة أمر واقع. وتشير إلى أن هذا النمط من البيانات شائع في التجارب الدولية لكيانات تسعى لتقديم نفسها كـ«إدارة مؤقتة»، بما يجنّبها الاصطدام المباشر مع النظام الدولي القائم، إذ يُستخدم خطاب المرحلة الانتقالية عادة لتأكيد الطابع المؤقت لإدارة الواقع دون الإعلان الصريح عن كسر القواعد الدولية.

تمرد سياسي

في توصيف مغاير، اعتبر الصحفي رياض الأديب أن بيان المجلس الانتقالي الأخير يمثل تمردًا سياسيًا واضحًا وخروجًا عمليًا لرئيسه من إطار مجلس القيادة الرئاسي. ويرى أن الإعلان عن مسار انتقالي مستقل يعني تجاوز المرجعية الدستورية التي تأسس عليها المجلس، ما قد يُفسَّر كإنهاء فعلي لعضوية الزبيدي فيه، ونسفًا لصيغة التوافق التي قام عليها مجلس القيادة بوصفه سلطة جامعة.
وفي السياق ذاته، يطرح المحامي غمدان الفضلي تساؤلًا حول ما إذا كان الزبيدي يعيد استنساخ سيناريو مايو 1994. ويجيب بأن الظروف اليوم تبدو مختلفة في الشكل، لكنها متشابهة في الجوهر، من حيث الرهان على واقع عسكري هش، ودعم خارجي متغير، ومحاولة فرض أمر واقع لا يحظى بإجماع داخلي أو قبول إقليمي واسع.

إعلان مأزوم

من جانبه، يرى الناشط الحقوقي علي النسي أن الإعلان الدستوري يشكل قفزة سياسية تهدف إلى انتزاع شرعية شعبية ودولية لحق تقرير المصير، لكنه في الوقت ذاته بمثابة إعلان نهاية لاتفاق الرياض وما ترتب عليه من شراكة سياسية، وإعادة القضية الجنوبية إلى نقطة الصفر من حيث المسار التوافقي.
ويذهب الناشط محمد البدري إلى أن الإعلان لا يستند إلى تفويض شعبي جنوبي عام يمكن إثباته، بل يقوم على افتراض خطابي لشرعية غير مؤسسة سياسيًا أو إجرائيًا، إذ يقصي منذ بدايته أي إطار تفاوضي جامع داخل الجنوب أو مع بقية القوى اليمنية، ويطرح نفسه كسلطة أمر واقع تبحث لاحقًا عن الشرعية، لا العكس.
أما الناشط أنس القاضي فيلفت إلى أن الإعلان جاء في لحظة شديدة الحساسية، يتعرض فيها نفوذ المجلس الانتقالي لضغوط ميدانية متصاعدة، خاصة في حضرموت والمهرة، اللتين تمثلان العمق الجغرافي والاقتصادي لأي كيان جنوبي محتمل. ويربط ذلك بمؤشرات إعادة تموضع عسكري وتحشيدات دفاعية، في ظل تراجع واضح في قابلية تسويق أي خطوة أحادية على الصعيدين الإقليمي والدولي، حيث لا تزال القوى المؤثرة متمسكة بإطار خفض التصعيد، والحفاظ على وحدة الإطار القانوني للدولة، ورافضة للمسارات الانفصالية.

مستقبل الدولة اليمنية

بين من يراه خطوة تكتيكية، ومن يقرأه كبداية مسار انفصالي، ومن يعتبره مقامرة سياسية في توقيت بالغ التعقيد، يبقى إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي محطة مفصلية تفتح أسئلة كبرى حول مستقبل الدولة اليمنية، وحدود الممكن سياسيًا، وقدرة الفاعلين المحليين على إدارة الخلافات بعيدًا عن منطق فرض الأمر الواقع. وفي ظل غياب توافق داخلي وضبابية الموقف الإقليمي والدولي، يبدو أن الإجابة عن سؤال الانفصال لا تزال مؤجلة، ومفتوحة على سيناريوهات متعددة.

الكلمات الدلالية