صنعاء 19C امطار خفيفة

الأمل فعل يومي... لا حلم مؤجل

في نهاية كل عام، تتزاحم في أذهاننا مشاهد كثيرة، بعضها سعيد، أغلبها موجع، وكثير منها عالق في القلب بلا تفسير.

وفي اليمن، حيث السنوات تتشابه في ملامح التعب، قد يبدو الحديث عن الأمل نوعًا من الترف، أو حتى السذاجة. لكن ما لا يدركه كثيرون، هو أن الأمل في مثل هذه الظروف لا يكون مجرد شعور... بل يصبح فعلًا من أفعال المقاومة الإيجابية، بل من أصدق أشكال الشجاعة اليومية.

في صباح شتوي، تذكّرت أولئك الشباب الذين يفرشون بسطاتهم على الأرصفة المكسورة، ينفضون الغبار عن علب البسكويت وحفنة من الألعاب الرخيصة. يضحكون مع طفل صغير مرّ من أمامهم، ويمسح أحدهم بيده على رأسه بحنو. في لحظة كهذه، أدركت أن الأمل لا يصدر من المؤسسات الكبرى، بل من الأرواح الصامدة.
في اليمن، حيث المشهد العام يعجّ بالتحديات، من الفقر، إلى النزوح، إلى انقطاع الرواتب، إلى غياب الخدمات، تُصبح القصص الصغيرة أشبه بالمعجزات. هي ومضات ضوء في نفق طويل. تلك الأم التي تُعد فطورًا متواضعًا لأطفالها وتضع أمامهم حكاية بدلاً من قطعة حلوى، المعلم الذي يأتي كل صباح ليشرح درسًا في مدرسة مهدّمة بلا طاولات، والشابة التي حوّلت سطح بيتها إلى صفّ لتعليم البنات القراءة، والشب الذي يعتني ببناء قدرات من هم أصغر منه سناً عن طريق برامج تمكين لهم... كل هؤلاء يزرعون الأمل، ليس لأنهم لا يشعرون باليأس، بل لأنهم اختاروا أن لا يستسلموا له.
ولعل أجمل ما في هذه النماذج أنها لا تنتظر شيئًا بالمقابل، ولا تنتمي إلى جهة أو تيار، بل إلى الضمير. ضمير الإنسان الذي ما زال يؤمن بأن له أثرًا، وأن دوره لا يسقط مهما ساءت الظروف.
لقد تعوّدنا أن ننتظر الحلول من فوق، من "الكبار"، من السياسيين، من المانحين، من الخارج... لكن ماذا عنّا؟
هل نملك الشجاعة أن نسأل أنفسنا:
ماذا قدّمنا نحن؟ ماذا فعلتُ أنا، كمواطن/ة، كأخ/أخت، كجار/ة، كصديق/ة، كإنسان/ة بسيط يعيش هنا ويعرف وجع هذه الأرض؟
ليس المطلوب أن ننقذ الوطن بمفردنا. المطلوب فقط أن نزرع الأمل حيث نستطيع، وألا نزيد الطين بلة.
ألا نروّج للإحباط، ولا نعيد نشر الكراهية، ولا نتفنن في جلد الذات والمجتمع.
بعض الناس لا يدرك أن مشاركة خبر كاذب يثير الذعر، أو تعليق ساخر يحط من عزيمة الآخرين، أو كلمة سلبية تُقال في وجه من يحاول، أو خطاب كراهية ينتقص من الآخرين... كل ذلك يقتل الأمل ببطء.
وبالمقابل، قد تكون كلمة تشجيع، أو دعم صغير، أو حتى صمت حكيم، سببًا في استمرار إنسان آخر كان على وشك الانهيار.
نحن لا نحتاج لمعجزات في 2026.
نحتاج أن نُعيد الاعتبار لما هو بسيط لكنه عظيم.
للسلوك القويم، للابتسامة، للمبادرة، للتعاون، للعفو، للمسؤولية الفردية.
في مجتمعٍ يعيش انقسامًا في الرؤى، وتعبًا في الأجساد، وقلقًا في النفوس، يصبح كل عمل إيجابي، مهما بدا ضئيلًا، بناءً في جدار المستقبل.
أن تُعلم طفلاً أن يحترم غيره...
أن تساعد عجوزًا في عبور الشارع...
أن تزرع شجرة على الرصيف أمام بيتك، رغم أن لا أحد يراك...
كلها أمور قد لا تُذكر في الصحف، لكنها هي الصحف الحقيقية التي تُكتب في قلوب الناس.
الأمل، إذًا، ليس شعارًا. بل خيار.
ليس دعاءً فقط، بل ممارسة يومية.
وليس هروبًا من الواقع، بل إيمان بأن الإنسان يستطيع أن يغيّر واقعه، ولو جزءًا صغيرًا منه.
2025 كانت سنة صعبة. لم تأتِ بالحلول السحرية، ولا تغيرت فيها الأوضاع كما تمنينا. لكن وسط كل ذلك، هناك من صمد، ومن بنى، ومن ساعد، ومن قاوم بطريقة إنسانية بسيطة. هؤلاء هم شموع البلد الحقيقيون.
ومع دخولنا 2026، لننظر إلى القادم لا كنسخة متكررة من السنوات الماضية، بل كأرض بكر... أرض يمكننا أن نغرس فيها شيئًا جديدًا، حتى لو كان بذرة أمل صغيرة.
لنسأل أنفسنا جميعًا:
ماذا سأزرع هذا العام؟
ربما فكرة جميلة؟
ربما صداقة حقيقية؟
ربما حلم مؤجل؟
أو ربما فقط... ألا أكون جزءًا من الألم الجماعي.
وفي ذلك وحده، كثير من الخير.

الكلمات الدلالية