عصام خليدي يعزف ويكتب في فضاءات الروح
عصام خليدي
كثيرون يغنون، لكن قليلًا جدًا منهم تورطوا في "فعل" الكتابة المضني والمرهق والمتعب!
الفن والغناء كلاهما موهبة ربانية، وكذلك الكِتابة، ثم تأتي الدراسة والبحث، والشغف والاشتغال على الذات، وحب الموسيقى واحترام الجمهور، والمزايا الشخصية الأخرى، موازية لكل ذلك.
ومع ذلك، أن تغني وتكتب، فهذا خيار صعب، ليس بالسهل، وأنت وحدك المسؤول عنه. فأنت تدخل محيطًا عميقًا زاخرًا، تصعب السباحةُ فيه، غير بحرك الذي اعتدت السباحة فيه، وأجدتها، ووجدت حولك المعجبين والمحبين الذين استمتعوا بأدائك المبهر، وصفقوا لك عن حب وقناعة وانبهار.
بالتأكيد عندما قررت الخوض في هذا المحيط الشاسع، لم يكن ذلك من باب التجريب، أو تقليدًا لآخرين، إلا إذا كان من باب التأسي والاقتداء، وعددهم على أية حال قليلٌ في بلادنا، ولا من باب خوض مغامرة دون أن تكون قد حسبت لها الحسابات، وأعددت لها العدة، لتنجح فيه كما نجحت في الغناء، حتى لا تخسر اسمك الذي حفرته ونحتّهُ في الصخر طوال عقود، فتكون خسرت الاثنين.
سجلك الفني يُشير إلى أنك كنتَ شغوفًا بالموسيقى، وليس كل الناس يملكون مثل هذا الإحساس الرفيع، إلا من كان موهوبًا فعلًا، مسحورًا بالعزف والغناء الدائمين منذ بواكير عمرك. انتبه لموهبتك كبار الفنانين سواء من غنيتَ من ألحانهم، أو من الفنانين الذين غنوا بعد ذلك من ألحانك، فسلموك شهادة الميلاد والتفوق التي ختمها الجمهور بختمه وتوقيعه، فحملت بصمة "فنان قدير"، بشهادة وحب الجمهور.. وبالتأكيد، من وجهة نظري، أكبر هي وأسمى من أية شهادة وميدالية تأتي من أية جهة كانت، لأنها تكون مجرد اعتراف متأخر فقط بنضال وجهد طويل عبر سنين، بذله ذلك الفنان من أجل وطنه وشعبه وفنه، لا أقل ولا أكثر، ومكانها الطبيعي حائط ودولاب قبل أن تصدأ ويعلوها الغبار! بينما الشهادة الحقيقية التي يمنحها الجمهور للفنان تبقى في القلب، وإلى الأبد.
الحياة تعبٌ، لكن الفنان لا يتعب من فنه، وأن يضيفَ إلى تعب الموسيقى والتلحين والغناء -وهو ما ليس بالسهل- أيضًا تعب الكتابة، فتلك مشقة مضاعفة، وإضافة تعب فوق تعب! لكنه بالتأكيد تعبٌ لذيذ كما نقول، ربما لأننا تعودنا عليه، ونجد في تعب الكتابة لذةً وراحة لا تعادلهما متعة، ونشفق منه على غيرنا، لا حسدًا ولا غيرة! بل لِعلمنا أنهما ليسا تعبًا وجهدًا ضائعين.
لن أقول كما قال شاعرنا الكبير الراحل حسين المحضار "يا حامل الأثقال خففها شوي ذا حمل ما ينشال..."، فقد أثبتّ أنك أهل لهذا "الشيل"، ولم تكن متطفلًا عليه كما فعل البعض!
أسعدني إلى حد الفرح الغامر ما كتبه نبيل غالب بأن الفنان اليمني القدير "عصام خليدي" ابن مدينة عدن، يعكفُ حاليًا على تأليف كتابِِ يؤرخ لـ"الغناء اليمني الحديث"، والدور التنويري الريادي المعرفي التأسيسي الفني الإبداعي في مدينة عدن، وتأثيراته في عموم اليمن والخليج والجزيرة العربية.
بمجرد قراءتي للخبر -المقال في "عدن الغد" الإلكتروني، حتى تواصلت بصديقي عصام، مهنئًا على هذا الإنجاز المفرح، وإن لم أتفاجأ به، فليس بجديد عليه، إذ يخوض خلال سنوات تمتد لعقود، غمار البحث الجاد في أكثر من مجال في الكتابة، لعلّ من أبكرها وأهمها في الموسيقى والغناء، ولعل هذا الكتاب الذي يعكف على تأليفه الآن، تتويج لذلك الجهد المستمر والمثمر.. وهو كتاب كما أتوقع الأول في هذا المجال، لم يسبق إليه أحد قبله -حسب علمي- كما يدل عليه العنوان الذي اختاره له.. وهي مهمة عجزت عن القيام بها مؤسسات ووزارات الدولة المعنية التي تخصص لها ميزانيات بالملايين، لكن تذهب للأسف الشديد لأصحاب "الكروش المنفوخة"، أو تبذر في ما لا ينفع، بينما من يؤرخ لتاريخ شعب ووطن جريح، يجلس في البيت بدون راتب لستة أشهر عجاف! ويتحمل بصبر موجع ولسان حاله: "حالي من حال الناس..". ومع ذلك مطلوب منه أن يبدع، يؤلف الأغاني، ويغني للوطن والإنسان والحب والمعشوق، وفوق ذلك يكتب.
لا يوجد فنانٌ تقريبًا لم يكتب عنه دراسة مستفيضة.. و"كتاباته تجمع بين الفن الغنائي الراقي، والكتابة الصحافية التي تؤرخ لتاريخ الفن الغنائي اليمني عامة والعدني خاصة، وكتب عن مبدعيه في مختلف فنونه العريقة، من خلال العديد من الكتابات الفنية والقراءات الموسيقية الجادة الموضوعية العلمية والنقدية والدراسات المنهاجية والبحوث لرواد الغناء اليمني"، كما جاء في مقال نبيل غالب المشار إليه.
ومن أسباب دأبه وحرصه واستمراريته في الكتابة، أن أي شخص يريد أن يقدم رسالة ماجستير أو دكتوراه في مجال من مجالات الغناء، أو عن فنان بعينه، لن يجد مرجعًا يساعده للعودة إليه لاستيفاء بحثه. ولعلّ الصعوبات وشحة المراجع، بل انعدامها خلال أبحاثه، من أول الحوافز التي شجعته على الاتجاه نحو الكتابة والتأليف في هذا المجال.. فليس عندنا أرشيف يحمل تفاصيل أكاديمية علمية تبرز ملامح تاريخ الغناء ومراحله، وتميز كل مرحلة.. ولعلّ هذا من أهم دوافع عصام خليدي الفنان المثقف والكاتب، على ما يقوم به من جهد وتأليف رغم كل الصعوبات التي تواجهه في مهمته النبيلة تلك. لكنه يقوم بما يقدر عليه
هو وأمثاله، كل في مجاله.
أو كما يقال هم مثل المعادن النفيسة كلما صهرت تحت درجة حرارة شديدة، ظهر بريقها وقيمتها ومعدنها الأصيل.

لا تبتئس يا صديقي عصام.. هم يريدون مُطبلين يكتبون على هواهم، أو على ما يشتهي الوزّان! أنت لستَ منهم.. من هذا النوع! أنت قلت كلمتك وتقولها وتكتبها للحقيقة والتاريخ وللأجيال.
صحيح لم تصدرها في كُتبِِ أو حتى في كتاب واحد، إلى الآن، لكنها بحمد لله منشورة بكثرة، حيث دوّنت وكتبت في وسائل التواصل الاجتماعي، ولو جمعتَ كل ما كتبته من مقالات وأبحاث في الجانب الفني، والنقد، والرياضة، والجوانب الاجتماعية والسياسية، لكان عندك منها الكثير اليوم.
لكن السؤال: من يتبنى طباعتها؟
تأليف وطباعة كتاب واحدِِ عملية شاقة نفسيًا وماديًا وجسديًا وصحيًا. واسألني، أو اسأل البردوني العظيم، أو طه الأهدل، أو أي كاتب شئت من كتاب اليمن "الكحيانين"! بخاصة أنك لا تكتب كتابة انطباعية، بل كتابات تاريخية وعلمية، وأحيانًا تستدعي منك تحليل المقامات، والنوتة، وأخرى تحليل الأوزان الإيقاعية، "غلطة واحدة ترتكبها ولو عن غير قصد تغير في اللحن وتوديك في داهية"، بتعبيرك. وهنا قيمة وصعوبة ما يكتبه هذا الفنان الكاتب، أو الكاتب الفنان.
اكتب يا صديقي العزيز عصام..
اكتب فمنذ عرفتك لم أعرفك إلا في الحالتين: عصام الفنان.. وعصام الكاتب، وقبل ذلك وبعده عصام الإنسان البهي المتواضع.. الخلوق. وقد كان من الجميل أن عدن أهدتك لي.. إلى كائن فيه كل تلك الصفات الحميدة.. وبكل ذلك البهاء والجمال والأناقة.. بهاء النفس وجمال الروح والملابس والذوق الرفيع كعدني قُح وابن مدينة أصيل.
ومن غير عدن، مدينتنا الجميلة، تمنحنا كل هذا الجمال والبهاء الإنساني؟!
أعرف لماذا تحب عدن إلى هذا الحد.. لماذا لا تحب أن تغادرها أو لا تغادرك رغم كل شيء، لماذا تكره السفر؟
لأن علاقتك بعدن ليست بالناس فقط، بل بالشوارع و"الزغاطيط". في كل شارع تاريخ لك.. وحكاية من حكايات ولعب الطفولة، ومن أصدقاء وزملاء دراسة وعمر.. ليس تاريخك وحدك، إنه تاريخنا المشترك، تاريخ شعب ووطن.. ولهذا أنت شديد الولاء لها، مرتبط بها كما الجنين بالحبل السري.. وعدن حبلنا السري جميعًا.. وطننا الجميل الذي نحلم بعودته بكل تنوعه وبهائه.. الحلم الذي أضعناه أو اغتاله بحماقة ذات صيف، الجهلة، ونريد عودته بالغناء والكتابة..!
ستقول لي: وهل يعيد الغناء وطنًا.. يحقق حلمًا؟
هل رأيت أغنية أعادت وطنًا؟
فأقول لك: هل رأيتَ دولةً بدون سلام وطني؟ جيشًا يذهب ليأتي بالنصر دون مارش عسكري؟
وستقول لي: هل رأيتَ وطنًا حررته الكِتابة، حرره كاتب؟ فكرة؟
فأقول لك: ألم تولد الثورة الفرنسية من رحِم الفلاسفة الفرنسيين، الذين مهدوا للثورة الفرنسية، وهم أبرز مفكري عصر التنوير، وعلى رأسهم فولتير، جان جاك روسو، مونتسكيو، ودنيس ديدرو، الذين روجوا لأفكار الحرية، العقد الاجتماعي، فصل السلطات، ونقد الظلم، مما زرع بذور التغيير في المجتمع الفرنسي ضد الملكية والكنيسة... واجتاحت أفكارها وأفكارهم كل أوروبا..؟
ألم تكن الثورة الروسية مستوحاة من أفكار ماركس ولينين.. وكانت الفكرة الأساسية للثورة (بخاصة ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى 1917)، إقامة نظام اشتراكي قوامه العدالة الاجتماعية عبر إسقاط القيصر والحكومة المؤقتة، بهدف تحقيق مطالب العمال والفلاحين في الاستيلاء على أراضي الإقطاعيين وأملاك الرأسماليين، ووقف الحرب وتحقيق السلام؟
وثورة 23 يوليو المصرية لا يمكن اختزالها في تنظيم الضباط الأحرار، دون الدور الذي قامت به الكلمة والصحافة في التمهيد لها، وإلى دور المفكرين المصريين والمسار الذي مرت به النهضة المصرية، والمخاض الفكري السابق عليها.. البذور التي بذرها رفاعة الطهطاوي عن فكرة الحرية، وأفكار جمال الدين الأفغاني على طريق النهضة، وأفكار الشيخ محمد عبده في نضاله لتحرير الحياة الدينية مما علق بها من خرافات، ولا عن أفكار قاسم أمين ودعوته إلى تحرير "المرأة"، وأحمد لطفي السيد وأفكاره الليبرالية.
ودون شك، فإن ثورة يوليو استلهمت وهضمت كل ذلك الإرث التاريخي النضالي لشعب مصر ومفكريه.
ألم يكن التونسي "أبو القاسم الشابي"، من وضع "نشيد الحياة" الذي أصبح "منفستو" كل الثورات العربية من المشرق إلى المغرب: "إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر"، والكلمات التي يبدأ بها كل بيان أول؟!
ألم تكن "أنشودة المطر" للعراقي بدر شاكر السياب، أول الغيث لكل الشعر العربي الحديث الذي غير قواعد وأسس الشعر العربي القديم، و"المعطفُ التفعيليُّ الذي ارتداه السياب في تجربته الشعرية، ألم يغد رمزًا مركزيًا وعلامةً فارقةً في مسار القصيدة العربية الحديثة، ظلّ حاضرًا في الوعي الشعري العربي، يرتديه -عن قصدٍ أو بدونه- كلّ شاعرٍ جاء بعده؟ والسؤال يحمل إجابته معه.
وثورة 1948 الدستورية.. ألم تولد من دعوات الجزائري الفضيل الورتلاني، وأشعار الزبيري، وكتابات الأستاذ أحمد محمد النعمان وآثاره الفكرية، ونضال الأحرار..؟
وانقلاب الثلايا 1955، والموشكي واللقية والهندوانة، وبقية الثوار الذين حصدت رؤوسهم سيوف الإمامة، ألم يكن امتدادًا طبيعيًا لها مهد لثورة 26 سبتمبر وحصاد كل ذلك النضال الطويل ضد حكم الإمامة واستبداده وتخلفه وعزله اليمن عن العالم؟
وثورة 14 أكتوبر في الجنوب، لم تكن إلا نتيجة الوعي الجمعي للشعب الذي بذرته دعوات الاستقلال التي نادى بها مفكرون وسياسيون، من أمثال محمد علي الجفري وشيخان الحبشي، وأفكار التنوير التي بذرها بسؤاله رائد التنوير محمد علي لقمان: "بماذا تقدم الغرب؟"، وعبدالله باذيب "المسيح الجديد الذي يتكلم الإنجليزية يصلب من جديد"، وقحطان الشعبي "الاستعمار البريطاني ومعركتنا العربية في جنوب اليمن"، وصرخة لطفي
جعفر أمان والفنان محمد مرشد ناجي "أخي كبلوني"، وأشعار إدريس حنبلة والجرادة وعبدالله هادي سبيت، وغيرهم الكثير، وراكمته نضالات وانتفاضات الشعب، حتى غدا ذلك النهر العظيم الذي تدفقت في مجراه ثورة الجنوب التي اقتلعت الاستعمار البريطاني من عدن والجنوب، ولا يمكن فصلها عن هذا الإطار الواحد لنضال طويل لم يتوقف.
كل ثورة يسبقها ظُلم واستبداد واضطهاد واضطرابات تمهد لها، وتكون السبب والدافع لها. لكن ثورة لا يقودها الفكر ولا يرشدها العقل، تتحول إلى دكتاتورية، ولهذا سقطت الكثير منها، وتحولت إلى دكتاتوريات تقمع شعوبها والحريات، وتخوض الحروب ضد الشعوب الأخرى، وتتحول من مثل ومثال إلى وباء ينبغي الخلاص منه.
لكن الكلمة، وإن كانت الشرارة الأولى التي تشعل السهل كله، بعد ذلك، غير أنها تحتاج إلى الفعل.. النضال، ومن يؤمن بجذوتها وبجدواها، والفارق الذي تحدثه.
حتى الأنبياء والرسل بدأوا رسالاتهم السماوية بكلمة.. دعوة، ثم نشروها بالعدل والسيف.
ألم يكن أول ما نزل على عيسى المسيح (عليه السلام): في "البدء كان الكلمة"؟!
وعلى نبينا محمد(صلى الله عليه وسلم): "اقرأ"؟!
وألم يخلق الله الكون كله بكلمة: "كُن فيكون"، فكان وكنا.. وآدم خُلق بكلمة، فجئنا جميعنا البشر من نسله.. والمسيح عيسى بن مريم بكلمة منه؟!
لا أحد يستهين بما تفعله الكلمة يا صديقي عِصام.. ما تقوم به بحد ذاته في مجال الكتابة والنقد والتأريخ الفني والغنائي في اليمن، ودور عدن الريادي في هذه الحداثة التي وصل تأثيرها إلى الخليج والجزيرة، وربما أبعد، ليس سوى بداية لها ما بعدها.
اكتب يا صديقي عصام، وأطربنا بغنائك الذي يحدث فرقًا في الروح والذائقة، واعزف على الحروف في فضاءاتنا الموحشة. بعد سنوات سنكتشف أهمية الكتابة العلمية المنهاجية ودورها في الارتقاء برفعة وسمو فن الغناء.. فمازال في العمر متسع لشفاء الروح.