أبو أصبع يتحدث عن تشكّل الأحزاب وانقسام الجمهوريين عقب ثورة سبتمبر
في الحلقة الثانية من هذا الحوار، نواصل فتح صفحات الذاكرة اليمنية مع الأستاذ يحيى منصور أبو أصبع، رئيس اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، الذي يعود بنا إلى جذور الطفولة والتعليم، ويروي كيف تشكّل الوعي المبكر في قرى إب، ولماذا بدت البيئة الاجتماعية هناك أكثر انفتاحًا على حضور المرأة والفن مقارنةً بمناطق أخرى.
ويستهل أبو أصبع حديثه هنا بـاعتذارٍ صريح وتصحيحٍ لما ورد في الحلقة السابقة بشأن قبيلتي المعاطرة والحطبان وقواعد "السبعين"، في موقفٍ يوازن بين احترام المجتمع والدقة التاريخية. ثم يمضي إلى سنوات التعلّم في جامع جبلة ومدرسة السيدة أروى، قبل أن يروي للزميلة رحمة حجيرة، تجربة الاغتراب الأولى إلى السعودية، وصولًا إلى اللحظة الفاصلة: ثورة 26 سبتمبر كما رآها شابٌّ يمني في عمر السادسة عشرة.
وتتسع الحلقة لتتناول ما بعد الثورة، حين لم تكن الجمهورية مسارًا واحدًا، بل ساحة صراع معقّد بين قوى تقليدية سعت إلى إعادة إنتاج نفوذ القبيلة والمشيخة داخل الدولة الوليدة، وقوى ثورية حاولت الدفع باتجاه مشروع مدني أكثر راديكالية وعدالة اجتماعية. في هذا السياق، يستعرض أبو أصبع أحداث الانقسام الحاد في الستينيات، من اتفاقيات الخارج إلى أحداث أغسطس، وصدامات الأحزاب والتنظيمات، وتدخلات الإقليم، وكيف تحوّلت الخلافات السياسية إلى مواجهات مفتوحة دفعت ثمنها النخب والكوادر الشابة.
حلقةٌ تتقاطع فيها السيرة والتاريخ، ويختلط فيها صوت القرية بسؤال الدولة، لتقدّم للقارئ مادةً ثرية عن اليمن، وكيف عاش الناس لحظة الثورة، وكيف انكشفت سريعًا تعقيدات ما بعدها، حين وجد جيلٌ كامل نفسه بين حلم الجمهورية وواقع الصراع على السلطة.
"النداء" تنشر النص الكامل للحلقة بالتزامن مع عرضها المصوّر على قناة "حكايتي" في يوتيوب.

رحمة: مساء الخير، مرحبا بكم في حلقة أخرى مع الأستاذ يحيى منصور أبو أصبع. في الحلقة السابقة تحدث عن أعراف السبعينيات والعادات والتقاليد في إب وعند جده، والنقائل الذين انتقلوا إلى إب، وأروى الصليحي، وعن كثير من المعلومات التاريخية التي كنا نجهلها. كما تحدث الأستاذ يحيى، كما لم يتحدث أي سياسي آخر، عن معاناة اليمنيين في ظل حكم الإمامة. اليوم نتحدث عن طفولته، وما الذي ميزها.
أستاذ يحيى، أهلا وسهلا بك في الحلقة الثانية. كنت في الحلقة الأولى تحدثت عن أبرز شيء في طفولتك، وهي الغناء والطبخ والرقص والزراعة، ولكن نريد أن نعرف لماذا الوضع في إب، فيما يتعلق بالجانب الاجتماعي والمرأة القوية والغناء، كان مختلفا كثيرا عن بقية المحافظات اليمنية.
أبو اصبع: في البداية، وقبل أن أجيب على سؤالك، أود أن أنوّه إلى موضوع كنا قد تحدثنا عنه في الحلقة السابقة، وهو حول السرد التاريخي لقبيلة "المعاطرة"، الذين هم إخوان آل محمد وأشقاء ذو محمد في منطقة برط وسلبة، محافظة الجوف.
وقد كان لبعض العبارات والمعلومات المغلوطة والخاطئة بحق إخواننا آل محمد "المعاطرة" ردّات فعل غاضبة حانقة، لائمة مستنكرة وناكرة ورافضة لما جاء على لساني، وأنا بدوري أحترم وأقدّر تلك المواقف، معترفًا بأنني قد أخطأت بحق إخواننا المعاطرة، وأسأت التعبير والعبارات بحقهم وبحقي، لأنني واحد من أبنائهم، وتربطني بالكثير منهم علاقات قوية وعميقة.
ولا أرى وقتًا مناسبًا لسرد العديد من هذه الشخصيات الوطنية، بدءًا بالفقيد الراحل محمد يحيى كزمان، الذي كان مثالًا للوطنية والأخلاق والشرف الرفيع. ولا يسعني إلا أن أعلن الاعتذار الصادق الواضح لكافة اعضاء إخوتنا آل محمد المعاطرة، كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً.
كما أعتذر لإخواننا "الحطبان" من قبائلنا ذو حسين، فقد أخطأت بحقهم، وأسأت الفهم في تقييمهم. وفي الحالتين، لم يكن قصدي إطلاقًا الإساءة وإثارة مشكلات ضد نفسي أولًا، وضد المعاطرة والحطبان، وإنما أصبحت ضحية معلومات وكتابات وروايات غير دقيقة، وقعت في فخاخها وأحابيلها المضللة.
وأما بخصوص قواعد السبعين، فقد تأكد لي بعد البحث والتدقيق أن صياغتها والتوقيع عليها وضمان تنفيذها قد تمت من قبل ذو محمد وآل محمد المعاطرة وآل عمر، على قدم المساواة، أي ثلاثة قبائل وقّعت على هذه القواعد.
وأخيراً أرجو قبول اعتذاري والصفح عن ما جرى والله من وراء القصد وهو حسبنا..
أما فيما يتعلق بسؤلك أولًا، محافظة إب هي منطقة شافعية، والفن في المناطق الشافعية هو أكثر يسرًا من المناطق الزيدية. ثانيًا، في المناطق الشافعية المرأة وحقوقها وإمكانيات تحركها وعملها في الأرض وإنتاجها هو أكثر مما يسمح به المذهب الزيدي، رغم أن وضع القبائل موضوع آخر، لأن المذهب الزيدي كان يشدد ضد التبرج وضد ان تمشي المرأة كاشفة الوجه، وكانت صنعاء أكثر المناطق ترتدي فيها المرأة النقاب، وكذلك ذمار، والعكس إب، وإلى حد ما تعز والحديدة ولحج وعدن، وهي أكثر انفتاحا منذ زمن.
رحمة: ولكن، أستاذ يحيى، كان هناك كثير من القصائد التي تحدثت عن الغزل وبشكل عميق جدا، وعن الحب، كتبوها أمراء.
أبو أصبع: صحيح، ولكني أتحدث عن الفقهاء وممارساتهم مع الناس، وإلا هناك أمراء وشعراء كانوا، إلى حد كبير، منفتحين. والفكر اليمني بشكل عام، في سنوات القرون المظلمة، كان في اليمن تطور فكري وثقافي، ما عدا في مجال الفن والغناء. للأمانة، كبار علماء الإسلام وجدوا في فترة من الفترات، في القرن 18 والـ19، في اليمن، من ابن الأمير إلى الموشكي إلى الوزير إلى الجلال وغيرهم. وإب كانت تتميز أن فيها أسر عريقة ومالكة، وكانت دائما تنشد الاستقلالية لنفسها. وكانت أي أسرة يزداد نفوذها تتوسع، مثل بيت باشا، تتوسع في بقية المحافظة والمحافظات القريبة. ولهذا كان هناك مواطنون وقفوا في وجه علي الوزير، وكثير منهم من مدينة إب، عندما نزل إلى تعز وقاد الحروب عليها وأخضعها. وفي إب لم يستطع علي الوزير، وتوجه إلى منطقة جُباح في فرع العدين وحاصرها لشهور كثيرة، وكان المتمرد هناك علي عبدالله جُباح وأخته شلعاء. وعندما ألقوا القبض عليه وأخذوه إلى سجن الزاجر في إب، تمكنت شلعاء، أخته، أن تأتي على مسافة يوم مشيًا على الأقدام من عزلة جُباح إلى إب، وتتعرف على الناس والحراسة، واستطاعت أن تهربه من سجن الزاجر، وكانت مقاتلة عنيفة، وأصحاب الفرع في العدين يفتخرون بها حتى اليوم. شلعاء قاتلت علي الوزير، وفي هذا الوقت تحديدا كان علي الوزير يريد اضطهاد المشائخ الأقوياء في مدينة إب، فأخذهم إلى السجن، وقالت المغنية:
عشية الاثنين شلوا سلاطين اليمن
حمود عبدالرب وابن نعمان وأحمد بن حسن
بن نعمان تقصد به عبدالوهاب نعمان، وهذا كان في العشرينات من القرن الماضي. وحمود عبدالرب سنان، هذا الشيخ كبير أسرة بيت سنان في العدين بمحافظة إب، وهو والد الشيخ حمود عبدالرب، وابن عم الشيخ محمد مصلح عبدالرب، وله تاريخ يتفرد على المشائخ، وكان أول شيخ راسل جمال عبدالناصر، وأول شيخ وضع ماله في البنك. حمود عبدالرب ظل في السجن حتى توفي في سجن الإمام يحيى، وكان عالمًا ومناهضًا، ولديه طموحات أن يحكم بدلاً عن من كانوا يسمونهم الحكام الزيديين. أما أحمد بن حسن باشا، كان شيخًا كبيرا، ولكنه كان أميًا، يجيد القرآن، ثم خرج علامة، وهو توفي في عام 1966 بعد الثورة، وهو محافظ تعز، وله قصة عجيبة وجميلة جدا ستضحك المتابعين.
كان أحمد بن حسن باشا لديه ابن عمه اسمه الشيخ عبدالعزيز بن صادق، وهو من الذين كانوا مناوئين للإمام وهرب إلى عدن، وهو عالم. وبيت باشا، بشكل عام، لديهم طموحات للحكم. عبدالعزيز بن صادق كان "يفتهن"، وما بين وقت وآخر يقوم برمي يمين الطلاق على زوجته، فطلقها ثلاث مرات وحرمت عليه، وهي ابنة عمه ومن أجمل نساء إب، فتزوجها أحمد بن حسن باشا. وكان عاملاً في مديرية السياني، بلاد آل دماج وأبو راس. وكان عبدالعزيز بن صادق يذهب حتى يسمع صوتها، وكان يزور أحمد بن حسن إلى السياني لعله يراها أو يسمع صوتها أو يشعرها أنه لا يزال يحبها جداً. فكان يصل في المساء ويكتب رسالة إلى الشيخ أحمد بن حسن باشا، ابن عمه، يقول فيها:
الشيخ أحمد بن حسن، حياكم الله. وصلت لزيارتكم ومشتاق لرؤيتكم، وأنا أحبكم.
والسلام عليكم ورحمة الله.
المقدم إليكم زوج زوجتكم السابق عبدالعزيز بن صادق
وكان في اليوم الثاني يخرج إلى الناس الذين لديهم شكاوى ويقول له: دعني أكتب لك الشكوى مجاناً، ويكتب الشكوى باسم المواطن إلى العامل، ويكتب في الاخير وكاتب هذا زوج زوجتكم السابق عبدالعزيز بن صادق. فاضطر أحمد بن حسن باشا، وهو شخصية فذة، إلى تطليقها ويعيدوها إليه، ويتعهد أنه لا يطلق مرة أخرى بعد أن أصبح المحلل أحمد بن حسن. وهؤلاء مشائخ اليمن أو سلاطينها الذين أخذوهم عشية يوم الاثنين.
ولهذا، في العشرينيات من القرن الماضي، بعد وصول الإمام أحمد بأربع إلى خمس سنوات إلى الحكم، وعلي الوزير تولى إمارة إب، كان الأمير علي بن عبدالله الوزير، الذي أصبح رئيس وزراء حكومة ثورة 1948.
رحمة: لنعود إلى طفولتكم، ونريد أن نعرف أكثر عن فترة التعليم. كيف درست بعد أن حفظت مع الفاصلة وطلاق والدتك بسببك وبداية قراءة القرآن؟ احكي لنا أين تعلمت وكيف درست؟
أبو إصبع: في البداية، أبي كان قد أرسل أخي بدفع من قاسم بن حسن أبو راس، إلى جبلة، واستمر أخي في جبلة أكثر من سنتين، ثم ذهب إلى تعز. وكان أخي أحمد يكتب رسائل إلى أبي، وكان لديه خط جميل جدًا، وعندما كان أبي يرى خط أخي الجميل يشعر بالراحة، فأرسلني إلى جامع جبلة عند صديقه العالم والنحوي الكبير، محمد عبدالمجيد المصنف، زميل البدر في الدراسة. وكان المصنف عالمًا لغويًا لا نظير له، ولا يتحدث إلا باللغة العربية الفصحى. وفي جامع جبلة مدرسة السيدة أروى بنت أحمد الصليحي.

في هذه المدرسة كانوا يدرسون اللغة العربية وأصول الدين والمذهب الزيدي والشافعي إلى آخره، ولكن لا يدرسون فيها جغرافيا أو الخط أو الإملاء والتاريخ، ولا شيء من هذا. أنا كنت عند الأستاذ محمد عبدالمجيد المصنف يمنحني كل هذه المعلومات في: التاريخ، وباللغة العربية. كان يدرسني النحو الواضح لعلي الجارم، الجزء الأول والثاني والثالث، ويدرسني الجغرافيا، ويرسم لي خرائط الوطن العربي والخسوف والكسوف وخريطة اليمن بالألوان. وهو كان رسامًا، ويعمل لوحات زيتية ونحات، فكان يرسم في دفتري، وأخرج ويرآها الطلاب، وكانوا يجتمعون حولي في كل مكان ليروا ما الذي فعله المصنف من أشياء. وكان يدرسني الأخلاق واللغة العربية الحديثة، لأني كنت أدرس عند الفقهاء الآخرين الأجرومية ودحلان وقطر ابن هشام باللغة العربية في جامع جبلة. ولقد كان جامعًا قويًا في اللغة العربية، وتصوري أن معظم العلماء الكبار فيه كانوا لا يجدون الكتابة. الأستاذ عبدالرحمن العنسيين عالم كبير جدًا، وكان يدرس تفسير القرآن للإمام محمد عبده، وكان متقدمًا في فكره.

رحمة: لماذا لم يكن يعرف الكتابة؟
أبو إصبع: كثير من العلماء لا يهتمون بقضية الكتابة، وليس فقط في جامع مدرسة جبلة، ولكن في زبيد وصنعاء وذمار، ولم يكن يتعلم الخط إلا القليل ممن لديهم أفكار وتطورات وغيره. و انا تعلمت كل العلوم الأخرى الدينية تحديدًا.
رحمة: إلى متى مكثت تدرس في جامع جبلة؟
أبو إصبع: مكثت في جامع جبلة سنتين وقليلًا من سنة 1958 إلى سنة 1960، وكنت أجيد قراءة القرآن بالتجويد، وأصلي بالناس جماعة، وكنت متدينًا جدًا، حتى إنني عندما خرجت من المدرسة واستمريت فترة إمام الجامع في القرية. ولكن مع ذلك كان يتنازعني قضية الفن والرقص والغناء، وأنا في هذا الانغماس الديني أحن كلما سمعت مغنية، لأنه كانت المغنيات في الجبال والرعيان يغنين ويسمعها الناس. وكان عندنا في جبال التعكر نساء يغنين، ويسمعوهن على مسافة 10 كيلو، ولهن أصوات جميلة جدًا، سواء في الغناء أو الزفة أو الهجلة. وكنت أحن بعد خروجي من جامع جبلة للرقص والغنى، وبعدها اندمجت في الرقص والغناء. ومن جملة القضايا التي حدثت لي كانت أختي نورية قد تزوجت في النقيلين على أحمد قاسم دماج، رئيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في السبعينيات، وهي والدة مروان ومطيع وسلوى دماج. ولهذا كنت أذهب إلى هناك وأجلس في قرية ذي المحاسن وهي تقريباً أجمل قرية في اليمن، وهي قرية متعاونة؛ مثلًا إذا كان هناك عريس، العريس يوفر طعامًا مثل أي بيت في القرية للضيوف، وإذا أراد أحد أن يقوم بالبناء، جميع من في القرية يعملون. كانت قرية يوجد فيها روح تعاون كبير. بعد ذلك كنت أجلس أغني وأرقص، وهي قرية شرهة جدًا، عقالها وكبارها جميعهم يرقصون ويغنون، ويرقصون الرقص البلدي الرتيب. ولكن أنا جئت برقص وغناء جديد، وكان زميلي في هذا الرقص هو الشيخ رحمه الله، النقيب وازع ابن محمد بن عبدالله دماج من ذي محاسن، وابن عمي عبدالله حمود، وهو قد توفي. هؤلاء الاثنين الذين كانوا يستطيعون الرقص معي.

رحمة: وكان عمرك حينها 15 عامًا، أليس كذلك؟
أبو إصبع: في ذلك الوقت كان عمري حينها 15 أو أقل. بعد ذلك استهلكت على والدي شيئًا من الضمان بوالدي في ذي المحاسن بالنقيلين، وكنت أشتري بها قاتًا وأعطي للنساء اللاتي يرقصن معي. وأختي كانت مستنكرة لهذا الشيء من باب أن الناس يقولوا إنني طبال أو زمار، وهذا يعني ناقص في عرف البلاد، مثل المزين والجزار. كانوا يقولون: ابن منصور عبدالحميد طبال، وبه "زيران". وصل الخبر إلى والدي، وعندما علم بأن الفلوس ناقصة قام ضربني، وهربت إلى تعز عند أخي أحمد، وقلت له إنني أريد السفر إلى السعودية.

فقام بعمل رسالة إلى أبي، وأبي قال له: دعه يذهب إلى السعودية، فلربما يفتح الله عليه ويعقل ويبطل الرقص، مع أن أبي لم يكن لديه عقدة من الرقص، لأنه أكبر رقاص، وكان يجلب الفنانات من كل مكان: حمودة العدنة وبنت بازي وولاية بنت عبدالرحمن، أكثر من ست إلى سبع. وبعد ذلك سافرت إلى السعودية مع عمي وازع، وهو والد الدكتور نجيب أبو إصبع، الذي يعمل كطبيب كلى في صنعاء، وهو من المشهورين. بعد ذلك سافرت مع عمي من إب إلى صنعاء أربعة أيام، لأن الطريق مشقوقة بالأيادي، والسيارة التي كانت تسير فيها كانت كبيرة، فكانت تخرب الطريق، خاصة مع الأمطار، فكنا كركاب نقضي وقتنا في إصلاح الطريق وندفع السيارة. وبقينا في نقيل سمارة يومين، بعد ذلك وصلنا إلى صنعاء، ومنها اتجهنا إلى السعودية في 25 يومًا، ووصلنا ونحن هياكل عظمية، لا نملك الأكل. حتى السائقين السعوديين لم يكونوا يعطون الأكل، ولكن كان لدينا أشخاص مشارعين من السدة ومن الحداء وعنس وبعدان، وقفزوا وحاصروا السواقين وأصحابه، وبعد ذلك أعطونا الرز وغيره.

رحمة: ولكن لماذا لم يكونوا يعطونكم بعض الطعام؟
أبو إصبع: لأنهم لا يريدون أن يعطوا مما يملكون، ويتعذرون لأننا أكملنا طعامنا. وقد كانوا هم السبب الذين أخرونا كل هذه الفترة. والجماعة طلبوا منهم الطعام، و قالوا لهم: إننا سنقضي عليكم، لن نموت هكذا بالمجان. ووصلت الرياض، ولا يوجد هناك إلا شارع واحد كان يسمى بشارع الوزير، وإلا كل الرياض كانت بطحاء. فذهبنا إلى صديق لنا اسمه محمد حميد من ذو قاشة، وهو كان عاملًا عند أبي، وكان لطيف المعشر ويعتبر ابننا. فأعطانا ميرندا بالقارورة. وتذوق قاسم عبده ناجي، الذي كان معي في الرحلة، وهو من قريتنا ورجل محترم جدًا، رحمه الله، ثم قال: لا يجب أن يشرب أحد. قلنا له: لماذا؟ قال: هذا خمر. وهو وجد لذعة البيبسي، وظن أنه خمر، ونحن كنا حتى تلك اللحظة لا نعرف ما هي العصائر في الستينيات. بعد ذلك ذهب وعاد، ثم قال: لماذا لم تشربون؟ وفهم، وقال: هل تظنوا أنه خمر؟ انتم في السعودية أشربوا، هذا عصير البرتقال. وكنت أتنقل في العمل من شخص إلى آخر، وعندي عقدة أنني ابن فلان، وكيف أصبح خادمًا. ثم حصلت على عمل ممتاز جدًا عند أمير سعودي. هذا الأمير سلمني ديوان الضيافة. بعد ذلك رأيته يقرأ صحيفة، وأنا جئت من خلفه وقرأت عناوين الأخبار، وارتفع صوتي. وهو سمعني وقال: هل أنت تقرأ؟ فترددت، ثم قال: لا تخاف. وقلت له: نعم. قال: عجيب، يمني ويقرأ، وهذه من المستحيلات. قال: ما هي قصتك؟ وطلب مني أن أقرأ العناوين، وقرأت. ثم قال: أنت تقرأ أفضل مني، وباللغة العربية الفصحى. بعد ذلك طلب مني أن أحكي له قصتي. قلت له: أنا ابن الشيخ، وأسرتي تعرضت لمشاكل ومتاعب، واغتربت حتى أساعدهم بالمصاريف. وقال الأمير: أنا سأتبناك كابني، وأدخلك إلى المدرسة، وأرفع راتبك. وكان يسلمني 80 ريالًا سعوديًا، ورفعها إلى 300 ريال سعودي.
رحمة: هل تتذكر اسمه واسم الصحيفة؟
أبو اصبع: اسمه عبدالرحمن، وهو كان كبير، وأعتقد أنه قد مات زمان. هو عبدالرحمن ابن تركي، ليس ابن عبد العزيز ولكن جده اخ عبدالعزيز. والمهم أنه أهتم بيّ، وكان عملي آخذ بناته إلى المدرسة، وأوصل الحقائب الخاصة بهم إلى الصفوف. ثم قال: أنت ادرس في مدرسة الأولاد. وبعد ذلك جاء أحد من العبيد يتحرش بي، وأنا طار عقلي. كنا معقدين، وكنا نتربى على الحفاظ على رجولتنا. وبدلاً من أن أذهب وأشتكي إلى الأمير، هربت، ولو استمريت لكنت الآن كما هو حال الحضارم: أموال وفلوس ولكن الدبور.
رحمة: هل لازلت تذكر اسم المدرسة، وكيف كنت عبد؟
أبو اصبع: الأمير لديه عبيد وجواري، كل أمير يملك من ثمانية إلى عشر عبيد وجواري. أما بالنسبة للمدرسة، فأنا لم أعد أتذكر اسمها، هي كانت مجموعة مدارس عبد العزيز آل سعود.
رحمة: بعد هروبك إلى أين كانت وجهتك؟
أبو اصبع: بعد ذلك ذهبت إلى أمين بن أحمد دماج، وهو كان صاحب نكتة، وأعرفه من القرية، ويعجبه الرقص والغناء. وبعد الثورة عمل في اليمن، وابنه هو الكاتب المعروف وليد دماج. والمهم أنني ذهبت إلى مكة، وحجيت، وأديت العمرة، وذهبت لزيارة الروضة الشريفة في المدينة، ثم عدت بعد ذلك. وبعد عودتي بشهرين قامت ثورة 26 سبتمبر 1962.

رحمة: هذا يعني أن عمرك كان 16 عاماً. الآن أخبرنا: كيف تلقيت خبر ثورة 26 سبتمبر، خصوصاً أنك في عمر السادسة عشر وتفهم ما يحدث، وماذا كان موقفك؟
أبو اصبع: جاءت الثورة وأنا كنت مع العمال حول الميدان نقوم بقلع البطاط من الحقول. وكما تعلمين، أنا كنت أعمل وأحب الزرعة، وأبي كان يركن عليّ بكل شيء. وكنت أعمل لي حقولي الخاصة، وأخصص أماكن الذرة وغيرها، وكنت أقوم بالسرقة من حق جدي وأبي وأبيعها، وهم كانوا يراقبونني. حينما كنت آخذ الفلوس، إذا رأوا أنني أذهب بالفلوس في الطرق الصحيحة يشجعوني. المهم أن الثورة جاءت الساعة 9:00 صباحاً، والرسول جاء من جبلة يريدون أحمد منصور، فدعوا لأخي، وهو كان عندنا في الحقل، وسلموه رسالة من عبدالحفيظ بهران: «عجل وصولك، قامت الثورة». وأخي أخبر أبي، وطلب مني أبي أن أهتم بالأراضي، وذهب مع أخي أحمد، وعمي فيصل، ووازع، ومنصور، وغيرهم، وذهبوا إلى إب من أجل مناصرة الثورة. ودخلوا جبلة، ومسكوا مع المناضلين سبتمبر أعوان النظام ومسؤوليه والأمن. وكان أول من دخل ابن أمين بن حسن أبو راس، وكانت أول برقية أُرسلت لثورة 26 سبتمبر وأذاعتها إذاعة صنعاء برقية أمين بن حسن أبو راس وعبدالحفيظ ظهران يؤيدون فيها الثورة، وأن إب ستدافع عن الثورة بكل ما تملك. وبعدها تشجع الناس، وأرسلوا البرقيات من بقية المحافظات.

رحمة: هو أبو السفير فيصل أبو راس، أليس كذلك؟
أبو اصبع: نعم، هو والد فيصل أبو راس وصادق أمين أبو راس. أمين أبو راس دافع عن الثورة بكل قوة وبدون أي ادعاء، من يوم قامت الثورة وهو يدافع عنها، هو ومطيع دماج.

رحمة: وأنت بقيت تزرع في الحقل.
أبو اصبع: أنا بقيت أزرع، ثم بعد أسبوعين أو ثلاثة أخي أحمد طلبوني، وذهبت وأحضر مجموعة من بيت دماج، وقالوا: تحركوا. وتقريباً كان في شهر أكتوبر، وقال: تحركوا الآن، لقد تم افتتاح معهد حربي في تعز. وصلنا إلى تعز، وجئنا ورأينا المقام الخاص بالإمام جوار ميدان الشهداء، وهو عبارة عن قصرين، وهو الذي وقعت ثورة 1955 فيه. وأنا أعرفه لأنني كنت رهينة وجلست فيه ستة أشهر دويدر(خادم) عند الإمام.

رحمة: لم تحدثنا عن هذه الفترة، كم كان عمرك حينما كنت رهينة؟
أبو اصبع: كان ما بين 1959 و1960.
رحمة: هذا يعني أنه كان عمرك في ذلك الوقت 14 عاماً.
أبو اصبع: نعم، لأنني بعد ذلك هربت من عند الإمام.
رحمة: كيف أخذوك؟ احكي لنا بالتفصيل.
أبو اصبع: أنا وعمي وازع كنا رهينتين، وكان والدي يسلم اثنين. كنت أنا وعمي وازع وزيد مطيع دماج وأحمد قاسم دماج في قاهرة تعز عند المحجاني، الذي كان يمسك القلعة والجيش الشعبي. فجاء المحجاني أخذني، وقال: بيت الإمام يريدونك أن تكون دويدر، أي خدام عند النساء. فجلست حوالي ثلاثة أشهر في القاهرة، وثلاثة أشهر عند الإمام، ورأيت الإمام مرة واحدة عندما أخذونا إليه، حينما رحنا مع النساء إلى السخنة لزيارته. وأخبرته ابنته أمة الرحمن، قالت: هذا الدويدار الجديد. قال: هو ابن من هو؟ وسألتني: أنت ابن من؟ قلت: قولوا له أنا ابن منصور بن عبدالحميد بن أبو اصبع. وقال: ماذا تقرب لك ولاية؟ قلت له: جدتي. قال: والنعم. وكانت تلك اللحظة التي رأيت فيها الإمام أحمد.

رحمة: وفي تلك الفترة، هل كانت المعاملة قاسية؟ وكيف ابن شيخ يتحول إلى دويدار عند الشرائف؟ هذا فيه إذلال، أليس كذلك؟
أبو اصبع: هذا كان يعتبر شرفاً كبيراً، أنهم يأخذوك من القاهرة إلى بيت الإمام دويدار.
يا دويدار، قد أمك فاقدة لك
دمعها كالمطر
هذه من رواية الرهينة لزيد مطيع دماج.

رحمة: هذا يعني كان أبرز شيء حدث لك خلال الستة أشهر، عندما كنت دويدار، مقابلتك للإمام أحمد.
أبو اصبع: هي مقابلة لم تستمر حتى خمس دقائق.
رحمة: بعد ذلك ذهبتم إلى المعهد الحربي.
أبو اصبع: بعد ذلك أدخلونا إلى المركز. أحمد منصور اتصل بأصدقائه الذين كانوا من قيادة الثورة، وهم أحمد الخاوي وسعد الأشول، وأدخلونا، ثم امتحنونا. وكان من بينهم عبدالرقيب الحربي، وعبدالرقيب عبدالوهاب، وحمود ناجي، والحربي، وعبدالله غانم، وباسلامة، وغيرهم. وأنا جئت الأول في الدفعة، لأنهم سألونا أسئلة بسيطة، وأنا كنت خريج جامع جبلة، وكنت علامة، ولا أتحدث إلا باللغة العربية، وأقلد محمد عبدالمجيد المصنف، أستاذي. وطبعا المصنف، عندما كان يتحدث باللغة العربية ويخطب الجمعة في جامع جبلة، كانوا يأتون له من مختلف المناطق ليسمعوا صوته، الذي كان مثل صوت محمد عبدالوهاب، فنان مصر. وهو زميل البدر، والبدر أخذ زملاءه عندما انتهوا من الدراسة إلى والده الإمام أحمد، والذي تحدث هو محمد عبدالمجيد المصنف، وتحدث باللغة الفصحى، وسأل الإمام وقال: من هذا؟ قالوا: هذا محمد عبدالمجيد المصنف. وقال له: أنا أُلزمك أن تجلس مع البدر كل ثلاثة أيام، وتجعله يجيد الحديث والخطابة مثلك. وبعد ذلك اجتزنا.

وقلت للشباب الذين كانوا معي، وهم أمين بن قاسم دماج، وحسن بن قايد دماج، وابن عمي عبدالله حمود، وعلي بن محمد عبدالواحد دماج: نحن سنصبح عسكر في هذا المعهد، وسنذهب إلى الجبهة، ولن نصبح وزراء، لأنه لا يمكن ان يصبحوا وزراء إلا الذين درسوا دراسات مدنية، ولا نصبح حتى رؤساء. وقالوا: نحن لا نريد إلا أن نكون جنوداً في الجبهة. وقلت لهم: هيا نخرج.

وعرف أخي أحمد منصور وأحمد قاسم، وذهبوا إلى تعز، وضربونا، ودخلنا المدرسة. أنا بالنسبة لي، لأنني متعلم، قطعت المرحلة الابتدائية والإعدادية في سنة، وكانت لدي قدرة عجيبة على الكتابة. وكان الأستاذ محمد النعامي يدرسنا اللغة العربية، فكان يدرسنا درس التعبير. كانوا الطلبة يكتبوا من صفحة إلى صفحتين، وأنا كنت أكتب 20 صفحة. كتبت موضوعاً على قرية الحرجم، وجعلني الأستاذ أقرأها في حصتين، واشتهرت في المدرسة. وبعد ذلك جاء الأستاذ فؤاد في أوائل 1964، وقال يريد أن يقوم بعمل اتحاد طلابي. وأنا، لأنني اشتهرت في المدرسة وأكتب التعابير وخطي كان واضحاً، فالأستاذ فؤاد قام بعمل انتخابات، وحضر الانتخابات رؤساء الفصول، وأنا كنت حينها رئيس الفصل. فجرت الانتخابات، فكان عيسى محمد سيف الرئيس، وأنا أصبحت سكرتير، وكان هذا أول اتحاد طلابي في تعز.

رحمة: تقصد عيسى محمد سيف القيادي الناصري اليس كذلك؟
أبو اصبع: نعم، الشهيد عيسى محمد سيف، القيادي الناصري، رحمه الله. وبعد ذلك جلسنا عاماً، وفي العام التالي لم أترشح، وصعدت قيادات جديدة. واستطاع الاتجاه القومي، الذين هم حركة القوميين العرب، التغلب علينا أنا وعيسى محمد سيف وجميعنا، وذلك في 1965. وكانت قد بدأت الحساسيات في حركة القوميين العرب والناصريين، وبدأوا يتجهوا نحو الكتب العلمية والماركسية وغيرها. والناصريون بدأ فرز، الذي هو: ناصر الناصري لازم أن يكون في القيادة العربية عند المصريين. ولهذا، مع التوحيد القسري الذي حدث بين الجبهة القومية وجبهة التحرير، هنا تم الفرز ما بين الناصريين وحركة القوميين العرب. فالطلاب ذات الانتماء الناصري الخالص ذهبوا وشكلوا القاعدة الطلابية، والحركيون احتفظوا بالاتحاد الطلابي. وكانت تحدث المشاكل والصراعات، وكانت المواجهات في كل مدرسة وشارع وغيره، ما بين الحركيين والناصريين، ما بين أنصار الجبهة القومية وجبهة التحرير.

رحمة: ما هي أبرز القضايا التي كانوا يختلفون حولها؟
أبو إصبع: لأن الجبهة القومية رفضت الدمج، واعتبرته أنه عملية مصرية بغرض المجيء بقيادات انتهازية وسلاطينية ومشيخية، بدلًا عن حركة القوميين العرب الذين هم مسيطرون على الجبهة القومية، وسأحدثك فيما بعد حول ذلك. والمهم، أنا كنت في هذا الوقت تحديدًا، 1964، متحزبًا.
رحمة: حدثنا عن الفترة التي قررت فيها أن تتحزب؟
أبو إصبع: في فترة تحزبي كنت أنا وقائد محمد طربوش أصدقاء، وكنا نذهب إلى مكان عُرف فيما بعد بالمركز الثقافي، ولكنه كان في تلك الفترة، في عام 1963، عبارة عن نادٍ رياضي يجلس فيه عبدالقادر سعيد في رأس العقبة بتعز، حيث ما كانت السفارة الصينية. وكنا نذهب هناك ونسمع المناقشات، وكان من يدير المناقشات أحمد قاسم دماج، وعبدالقادر سعيد، وسعيد الجناحي، وأحمد الحربي، من قيادات حركة القوميين العرب. والبعثيون فعلوا محلًا آخر ينافسون به حركة القوميين العرب.

وأنا كنت جالسًا هناك أسمع المناقشة، ولم أكن حينها حزبيًا، فجاء شاب أصغر مني، قصير القامة، وسيم جدًا، ولديه شعر أشقر، يرتدي شورت إلى فوق الركب، وهو الدكتور حسن علي مجلي، وقال: أنتم يا حركة القوميين العرب حركة برجوازية صغيرة، أنتم قومية يا شمفونية، أنتم فاشست. الاشتراكية العربية، كلام فارغ، ولا توجد إلا الاشتراكية العلمية، ولا يوجد ثوار إلا فيديل كاسترو، وموتسي، ولينين. أنتم وحقكم عبدالناصر هذا البرجوازي الصغير العامل.
ونحن ننظر إليه مذهولين، وكنا نقول من أين له بهذا الكلام كله. وكان أحمد قاسم وعبدالقادر سعيد يناقشونه بهدوء، ثم ذهب بعد أن أكد لهم أنه لا يوجد إلا قوى استعمارية في هذا العالم، وقوة متحالفة معها من العروبة والإسلام، وقوة ثورية بقيادة الاتحاد السوفيتي والاشتراكية وحركة التحرر، وهو منهم.

في اليوم التالي رأيته في المدرسة، وقال لي: تعال، أنا رأيتك يوم أمس. وسألني: هل أنت من بيت دماج؟ قلت له نعم، قال: أنا أبي عندكم في السياني، كان حاكم، وأبوه كان مشهورًا وعلامة، وله قصة سأحكيها لك. هو كان حاكم في آنس، وأحد الرعاوية في آنس ظلمه الحاكم مجلي، وقال بشكوى: إلى إمام صالة في الشعوب موَّلي، هل لنا إنصاف من علي مجلي؟ ورد عليه الإمام قال: من إمام صالة إلى حمار آنس يكون وصولك مع علي مجلي.
فقلت له ذلك، وقال: إنها كانت قصة حقيقية. ثم قال: أنا أبي الآن موجود عندكم في السياني. وعرفني على والدته وأخواته، فوالدته قالت: نريد أن نذهب عند الحاكم في السياني ونتعرف على بنات دماج. وقلت لها: متى تريدين أن تذهبي؟ أنا سأعرفك عليهن.
فقال لي حسن: أنت لا تصلح أن تكون مع حركة القوميين العرب، أنت لا تصلح إلا أن تكون معي. وأنا كنت معجبًا به، قلت له: معك، ولكن أين؟ قال: مع الشبيبة السلفية، التي كان يرأسها عبدالله عبدالمجيد السلفي، أحد القيادات الماركسية الكبيرة هو وعبدالله باذيب في عدن. وقال: نحن من الاتحاد الشعبي الديمقراطي الذي شكّله عبدالله باذيب في عام 1961. قال: نحن ماركسيين. وقلت له: نحن معك.

ولم يأتِ شهر إلا وشكلنا خلية قيادية، وعقدنا اجتماعًا في بيت محمود الكوكباني في الجحملية، وكان من أبرز أعضائها محمود الكوكباني، وهو لا يزال موجودًا ولكنه كبير في السن، من أفضل رجالات اليمن، وأحمد الحداد، الذي كان عميد كلية الطب في صنعاء، وصالح المريسي، أحد القيادات الماركسية الكبيرة، وقد توفي، وأحمد حميد ثابت، ومحمد بن علي بن عبدالله البحر، ابن الشيخ علي عبدالله البحر، وأنا ، وقائد طربوش جاء بعد فترة، وهو مشهور في تعز، ويتمتع بشخصية جبارة في الجامعة.
رحمة: ماذا كنتم تعملون كخلية؟ وما هي أبرز مهامكم؟
أبو إصبع: في الخلية كان أول كتاب طلب منها قرأته «البيان الشيوعي» الذي أصدره ماركس في عام 1852 كأول دستور للأحزاب الشيوعية. وبعد ذلك جاء شخص مسؤول عنا كان اسمه أحمد حيدر، من السودان. هذا الشخص لا أدري أين هو، ولكن عبدالباري طاهر يقول إنه قد توفي، وهو شخص محترم ومثقف ثقافة واسعة. مسكنا حوالي ست أو سبع جلسات، واندفعنا نحو الثقافة بصورة لا يتصورها العقل، وربما هو الوحيد الذي أسس لنا الثقافة.

ثم جاء عبدالله صالح عبده حيدره، الذي كان عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي، وهو من المخا. وسألناه عن أحمد حيدر، وقال: استبعدناه لأنه تروتسكي. وكان هناك صراع بين ستالين وتروتسكي في الثورة البلشفية بعد لينين. وهذا تروتسكي شخصية جبارة، وقد هرب وذهب إلى المكسيك، وستالين ألحقه بشخص من المخابرات «كي جي بي» وقتله بفأس في المكسيك. وتروتسكي لديه كتب تُقرأ حتى الآن، منها «الثورة الدائمة».
وظل معنا عبدالله صالح فترة بسيطة، ثم أرسلوا لنا أحمد جبران، وهو أحد الماركسيين اليمنيين المشهورين بسجون خميس. وكان خميس، عندما لم يجد أحدًا يضربه من السجناء في الليل، يستدعي أحمد جبران من منزله، ويتضاربون معًا: صفعة بصفعة، ركضة بركضة، لأن خميس كان لديه حالة سادية لا يستطيع النوم إلا لو انضرب، من كثرة ما كان يضرب الناس.
وعندما جاء أحمد جبران لم نكن نرتاح له، لأنه إعلامي، كل شيء مكشوف أمامه. كان يمر في ميدان التحرير، وكل شيء ممنوع، ولديه صحف الصين والشبيبة، والصحف التابعة للأحزاب الشيوعية، ويقوم بتوزيعها، ويدعي المثقفين، ويقول: تعال معنا في الاتحاد الشعبي الديمقراطي، تعال معنا في الحزب الشيوعي. كان إعلاميًا أكثر مما هو تنظيمي، ولهذا لم نرتح له.
ولكن ظل أحمد جبران في أواخر الستينيات وطوال السبعينيات، وهو من سجن إلى سجن، ولكنه كان أصلب من الصلابة، وأقوى من الأقوياء، وظل حتى وفاته قبل الوحدة بعام. وهو لا يزال ذلك أحمد جبران الجبار العنيد، لأنه وحسن مكي من تربية محمد مكي، وهو كان يعيش عندهم. ومحمد مكي هو من رجالات اليمن الكبار، الذين هربوا من صبيا من مخلاف السليماني عندما استولى عليه آل سعود، وجاء إلى الحديدة. وأحمد جبران كان يقف مع الجبهة الوطنية والحزب الاشتراكي، وتعيّن بعد ذلك قائمًا بأعمال في إحدى السفارات.
رحمة: هل كان مثل أعلى لك؟
أبو إصبع: لا، كان مثلي الأعلى أحمد حيدر. أما المثل الأعلى فهذا موضوع آخر، وأنا سآتي له.
رحمة: الآن أنت تأهلت فيما يتعلق بالاشتراكية والشيوعية، واندمجت. يا ترى ما هو أول عمل تنظيمي قمت به؟
أبو إصبع: في هذا الوقت كانت ظروفي مختلفة عن العالم بأكمله. كنت وأنا أدرس وأقرأ، وشيوعي وماركسي، كنت حيثما توجد جبهة قتالية أذهب. ذهبت في 1963 إلى جبهة مريس بعد الثورة بأربعة أو خمسة أشهر، ثم جبهة العدين، وقدت حملة عسكرية عندما أفسدوا المشايخ في حرب العدين: علي بن محسن باشا، ومحمد مصلح عبدالرب، وعلي حموده المليكي، والشيخ أحمد علي عبدالباقي الشهاري، عندما أفسدوا ضد الجمهورية وأعلنوا ملكية. ثم ذهبت إلى برط بعد أبي، والنقائل من ذو محمد، الذي أخذوهم أمين أبو رأس ومطيع دماج إلى برط ليقاتلوا، لأن الحسن كان محاصر ذو محمد الجمهورية، وذهبت للقتال هناك. ثم في حرب السبعين قاتلت في معبر، وهذه لها قصص طويلة. وكنت في أي مكان أذهب إليه أخي أحمد منصور وأبي يعيدوني إلى تعز، ويقول: احترم نفسك ولا تقاتل، ونحن لسنا بحاجتك، اذهب للدراسة. وبعد أن عدت من معبر التحقت بالشيخ أحمد عبدربه العواضي، وهو يفك الحصار عن صنعاء.
طبعًا في الاتحاد الشعبي الديمقراطي حسن مجلي وكثير من الطلبة كانوا قد سافروا للخارج للدراسة. وكان عبدالله صالح عبده قد شكّل قيادة للاتحاد الشعبي الديمقراطي في صنعاء من أحمد اليازلي، وأحمد جبران، وعلي محرز، وضابط اسمه عبده العتمي، ونحن كنا أعضاء لجنة مركزية. لكن أنا لم أكن مقتنعًا بالاتحاد الشعبي.
وفي مرة من المرات، وأنا أدرس قبل الامتحانات الثانوية العامة بأيام قليلة في تعز، أتاني شخص يدعى محمد إسماعيل سعيد، نائب رئيس الاتحاد العمالي لعمال اليمن. وكان هناك اتحاد عمال اليمن، رئيسه علي سيف مقبل، ونائبه محمد إسماعيل سعيد، وقد توفوا جميعًا. وأخبرني بأن الأستاذ عبدالقادر سعيد يريدني، وذهبت إليه.
دخلت عليه بعد أن رأيت عبدالحافظ قائد في الباب، ويعد عبدالقادر سعيد وعبدالحافظ من أبرز قيادات الحزب الديمقراطي الثوري اليمني. وعندما دخلت فاجأني، وبالطبع هو يعرفني، ويسافر دائمًا إلى قريتنا. وكل القادة يسافرون من أجل مستشفى جبلة، وأكثر القادة والأشخاص من عرفني عليهم هو مستشفى جبلة المعمداني، لأن المستشفى موجود منذ 1964، ويوجد فيه أفضل الأطباء. وكان هناك الدكتور يون، وهو من أفضل الأطباء في العالم. فكان يأتي له الناس من كل مكان. ولم يكن هناك مستشفيات إلا مستشفى صنعاء وتعز، وهما ضعيفتان جدًا، لذلك كانوا يأتون من قيادات الحركيين والناصريين، ويستضيفهم أبي.

رحمة: بماذا فاجأك الاستاذ عبدالقادر سعيد؟
أبو اصبع: فاجأني بمفاجأة رهيبة، قال لي: هل ترى هذا الكرتون؟ قلت: نعم. قال: يوجد في وثائق الحزب الديمقراطي الثوري اليمني، ووثائق المؤتمر الخاص بالحزب الديمقراطي الثوري اليمني، البرنامج السياسي، والنظام الداخلي، والتقرير السياسي، ودراسات اجتماعية وغيرها. تأخذها وتذهب لاستلام منظمة الحزب الديمقراطي الثوري اليمني في إب، لأنه أنت تعرف أن قيادة منظمة الحزب في إب جميعهم في السجون أو مشردين. عبدالله الوصابي كان المسؤول عن المنظمة، المسؤول الأول في السجن. الساكن احمد قاسم دماج في سجن صنعاء، احمد منصور مشرد، محمد المحرسي مشرد، وعلي عبده عمر ومحمد القحصه جميعهم مشردين بعد أحداث أغسطس. قال: والآن جاء لنا مقترح بأنه لا يستطيع أحداً أن يمسك العمل غيرك، فعليك الذهاب لاستلام العمل. ولم يقل لي أني في الحزب الفلاني، ولا لديك فترة ترشيح، وإنما قال لي إذهب واستلم المنظمة. هو كان يعرفني من قبل، وكان يسافر إلى جبلة ويجلس أحياناً أسابيع، وزوجته "أم سند" دائماً كانت تأتي عندنا، وهي لا تزال على قيد الحياة.
رحمة: لقد غامر بك، ولكن نريد أن تحدثنا قليلاً عن أحداث أغسطس حتى يعرف المشاهدين المسؤولية الكبيرة التي القيت على كاهلك؟
أبو اصبع: سنتحدث عن ذلك، ولكن أريد أن أحدثك عن عبدالقادر سعيد، كيف فعل بي بهذه المفاجأة عندما حملني مسؤولية منظمة اللواء، وهي منظمة الحزب، وكانت من اقوى المنظمات الثورية في اليمن، بعد حركة القوميين العرب، الحزب الديمقراطي الثوري اليمني. وتحملت المسؤولية بكل جدارة، وقمنا بإنجازات لم تحصل، وحتى احداث اغسطس. وبالطبع، في الثورة السبتمبرية كان هناك صراع بين قوى تقليدية، سواء كانت ملكية او جمهورية، وقوى ثورية. القوى التقليدية مجموعة المشائخ والاسر الكبيرة الذين كانوا ملكيين، ومنهم جمهوريين. وبالطبع كان القتال بين الملكين والجمهوريين، ولكن القوى التقليدية الجمهورية عملت من اليوم الاول لقيام الثورة أن المشائخ يكون لهم السيطرة النهائي على الثورة والدولة. ولهذا، من الأسابيع الأولى فرضوا أنفسهم وزراء، وبعدها دخلوا من مؤتمر عمران إلى خمر إلى الجند، وجميع المشائخ، رغم وجود مشائخ جمهوريين ثوريين مثل أحمد عبدربه العوضي، وعبدالخالق الطلوع، ومطيع دماج، وأمين أبو راس. ولكن كان مشائخ كثر، على رأسهم عبدالله بن حسين الأحمر، وسنان أبو لحوم، وأحمد علي المطري، وأحمد علي الذهب، وغيرهم جمهوريين تقليديين. فكان السلال يمثل حكومة تعتبرها القوى التقدمية انها حكومة ثورية، وكان معه عبدالله جزيلان. بعد ذلك، المشائخ الجمهوريين الاساسيين وجدوا أن القوى الثورية تتقاتل، وخاصة حركة القوميين العرب، ومسكت المدارس والقطاع العمالي، وبدأت تمسك بزمام الجيش الجديد والحديث. فذهبوا إلى السعودية، الذين يسمونهم المشائخ الجمهوريين المنشقين، وهؤلاء الذين اقترحوا ما يسمى اتفاقية الطائف، الذين اقترحوا فيها دولة اسلامية لا جمهورية ولا ملكية.

وهؤلاء المشايخ في اتفاقية الطائف هزوا جمال عبدالناصر، وبعدها ذهب الى السعودية وعمل مع الملك فيصل اتفاقية 1965، على اساس يترك للشعب اليمني حق تقرير المصير. ومن ابرز المشائخ الذين ذهبوا الى الطائف واستقبلتهم السعودية سنان ابو لحوم، وهذا كان اخطر شيخ في تاريخ اليمن حتى هذه اللحظة من حيث ذكائه وقدراته وامكانياته، وقدراته على العلاقات الواسعة التي ينسجها مع الناس، من حيث التفكير الأولي لتأسيس دولة القبائل والمشائخ، وكان قبلهم جميعًا. ولو رايتي مجلداته الأربعة، كل مجلد حوالي 800 صفحة، وكان على رأس الفرق الذين صاغوه الرفيق الكبير عبدالكريم قاسم الخطيب، أستاذ الفلسفة في جامعة صنعاء، وهو مثقف كبير. كان لديه فريق كامل، وسنان كان منذ طفولته وهو يجمع الأوراق والصور، وتستغربي أن الكتاب بأكمله أوراق تاريخية وصور. وكان مع سنان أبو لحوم مجاهد أبو شوارب، وأحمد علي المطري، والشيخ علي بن ناجي القوسي، وناصر علي البخيتي، ومشايخ قيفة منهم الذهب، ومشائخ الجوف وصعدة وحاشد وغيرهم. كانوا مشائخ جمهوريين، وسموهم المنشقين، وقالوا إن القوى الجديدة، حركة القوميين العرب، الشيوعيين الملحدين، لا يجوز أن نسمح لهم بالبقاء ابداً. وبعد ذلك عبدالناصر اجتمع مع الملك سعود، وكانت اتفاقية 1965. وحينها خرجت المظاهرات في تعز وإب وصنعاء، في كل مكان، ضد الاتفاقية، وقالوا الجمهورية أو الموت، لا استفتاء ولا غيره. وهتفوا ضد كل من وقع على اتفاقية جدة التي وقع عليها جمال عبدالناصر والملك فيصل بن عبدالعزيز، واستمرت. ولكن عندما عادوا، وللأمانة وللتاريخ، الأخ مجاهد أبو شوارب وأحمد علي المطري اعلنوا انهم متراجعين عن اتفاقية الطائف، وانهم مع النظام الجمهوري حياة أو موت.
رحمة: دعني استوقفك هنا، أنت في مره تقول اتفاق الطائف، ثم تقول اتفاق جدة، هل يمكن أن توضح لنا اكثر؟
أبو اصبع: اتفاق جدة هو اتفاق عبدالناصر والملك فيصل بن عبدالعزيز، واتفاق الطائف هو التابع للمشائخ المنشقين، الذي على ضوئه ذهب جمال عبدالناصر إلى السعودية وعمل مع الملك فيصل اتفاقية جدة.
المهم، ظل هذا الصراع على أشده حتى جاءت العدوان الثلاثي على مصر، وقامت مصر بسحب قواتها من اليمن. وفي شهر نوفمبر حدث الانقلاب، وذهب السلال، وجاء حصار السبعون يومًا. وحركة القوميين العرب استطاعوا أن يطوروا ويقوي السلاح: الصاعقة، والمظلات، والمشاة، والمدفعية. هذه الأربعة الوحدات الأساسية كانت كلها حركيين، وهم الذين دافعوا عن صنعاء، وهم الذين تصدّوا للقوى الملكية في كل مكان. وبرز منهم شخصيات قتالية أسطورية، أمثال: عبد الرقيب عبدالوهاب، وحمود ناجي، ومحمد مهيوب الوحش، وغيرهم.

كانت القوى التقليدية القبلية تنظر لهؤلاء على أنهم من تعز، وأنهم «لَغَالِغَة»، وأنه لا يمكن السماح لهم أن يحكموا اليمن، وأن اليمن لا يُحكم إلا بالقبيلة وبالمشايخ.
جاءت أحداث أغسطس، وصمد البعثيون لأنهم كانوا يقفون مع القوى التقليدية نتيجةً للصراع مع جمال عبدالناصر بعد انفصال سوريا عن مصر عام 1963. دخل عبدالناصر في مواجهة مع البعثيين، واختلف معهم في كل مكان، فكان يشترط على أي حكومة تتشكّل في صنعاء استبعاد البعثيين. ولهذا ذهب البعثيون مع المشايخ.
ولهذا، فإن اقتتال أغسطس صحيح أن وراءها القوى التقليدية والمشيخية، وتحديدًا المشايخ وحسن العمري، وليس عبدالرحمن الإرياني لأنه كان رئيسًا، ولكن من كان يصدر القرارات ويضعهم في الأمر الواقع هم حسن العمري ومعه المشايخ: سنان أبو لحوم، وعبدالله بن حسين الأحمر، وأحمد علي المطري، وآخرون.
وكان الاقتتال بسبب السلاح الذي كان رئيس الأركان عبدالرقيب عبدالوهاب قد تعاقد مع الاتحاد السوفيتي على شحنة للوحدات العسكرية. المشايخ رفضوا أن يستلم عبدالرقيب السلاح، وكلّفوا حسن العمري أن يتسلّمه. نزل العمري، واختلف مع الضباط الذين كانوا يمسكون الميناء، وكان بينهم شخص يُدعى درهم الحدى، وهو من حركة القوميين العرب، وقد منع العمري من الدخول. فقام العمري بصفعه، فرد درهم بصفعة قوية أسقطت العمري أرضًا، فأمر العمري بقتله، لكنه استطاع الهروب. وقد مات قبل ست سنوات تقريبًا.
بعد ذلك نزل عبدالرقيب لمراجعة العمري، لكنه رفض. والمشايخ وعبدالله بن حسين الأحمر وسنان جنّدوا القبائل، وقالوا إنه لا يمكن السماح لهذا السلاح أن يذهب إلى الصاعقة والمضلات والمدفعية والمشاة، وكانت الصاعقة المسؤول عنها عبدالرقيب عبدالوهاب، والمظلات مسؤولها حمود ناجي، والمشاة مسؤولها محمد صالح فرحان، وهو من خيرة الضباط ثقافةً وجرأةً وقوةً، وقد قُتل في أحداث أغسطس.
وكان الوحيد الذي عمل في كل معسكراته مكتبات للجنود حتى يقرأوا، وكان يفرض على الجنود الأميين القراءة والكتابة بالقوة، ومن يقرأ ويكتب كان يمنحهم جوائز. وكان علي مثنى جبران قائد المدفعية.
وفي تلك الأثناء، اتجه سنان أبو لحوم، وبدأت أول ضربة لحركة القوميين العرب بضرب المقاومة الشعبية في الحديدة. توجهت القبائل والجيش وهاجموا المقاومة، وأخذوا مقراتها والاتحاد العام الذي كان هناك. وكانت تلك أولى أحداث أغسطس، ثم أخذوا السلاح، وقالوا الحل الوسط: أن يأخذ عبدالله بن حسين الأحمر السلاح ويحتفظ به لديه. فأخذه ووزّعه على القبائل استعدادًا لأحداث أغسطس.

وجاءت الأحداث، وأنا لا أنكر أن هناك متطرفين ومتشددين بصورة غوغائية من الطرف اليساري، من حركة القوميين العرب، وانعقد مؤتمر الحزب الديمقراطي الثوري اليمني في يونيو بالأعبوس، وجاءت أحداث أغسطس بعد مؤتمر الحزب الديمقراطي بشهرين. وكان هناك متطرفون مثل: مالك الإرياني، وعلي مهدي الشنوح، كانوا يدعون إلى الانقلاب والثورة ضد المشايخ والإقطاع، ويدعون إلى الانقلابات العسكرية، وكانت هذه تأخذ وثائق تُؤخذ بيد القوى الأخرى.

القوى الناضجة كانت تنكر أن هذه التوجهات تمثل الحزب، ولكن كان واضحًا أن مالك الإرياني وعلي مهدي كانا مسؤولين عن منظمة الحزب في صنعاء، وكانا متشددين جدًا.
رحمة: وهذا الذي عقد الأمور أكثر.
أبو أصبع: نعم، وجاءت أحداث أغسطس للأسف الشديد، وكان الطرف المقاتل فيها الحزب الديمقراطي وضباط حزب البعث العربي الاشتراكي. وجاء الإرياني واختار حلًا لهؤلاء الضباط المتقاتلين، بأن يسلموا مسؤولياتهم ويتم نفيهم إلى الخارج لعام أو عامين.
فكان من حركة القوميين: عبدالرقيب عبدالوهاب، وحمود ناجي، وعبدالرقيب الحربي، وغيرهم، ومن البعثيين: عبدالسلام الدميني، رفيقنا فيما بعد، وسلطان أمين القرشي المختفي قسريًا حتى اليوم، وعبدالله الراعي، وغيرهم، حوالي 25 ضابطًا. وفي المطار كانوا يعملون لضباط الحزب المناضلين خروج دون عودة، وللبعثيون خروج مع عودة.

بعد ذلك وصلوا إلى الجزائر ووجدوا أنفسهم وحيدين، فذهبوا إلى هواري بومدين وسألوه: «هل أنت تسجن المناضلين؟» قال: «لا». فقالوا له: «الجماعة الرجعيون البعثيون، والذين هم مع القوى التقليدية، أعادوهم إلى صنعاء، ونحن الآن محجوزون عندك». فقال: «أنتم لستم محجوزين، تفضلوا هذه طائرة، عودوا إلى أينما تريدون». فعادوا إلى عدن.
وهذه كانت أحداث أغسطس، وكانت أحداثًا مظلمة في تلك الفترة؛ لأنه امتلأت السجون بالنقابيين والعسكريين والموظفين والمدنيين، وبدأت حملة شرسة وكارثية ضد الحزب الديمقراطي الثوري اليمني في كل مدن الشمال.
رحمة: وحملت بعدها المسؤولية مباشرة وبذات عملك في منظمة الحزب بإب، ولكن أريد أن تحدثني عن موقف شقيقك أحمد ووالدك حينما تلقّوا خبر قرار عملك المفاجئ في المنظمة؟
أبو أصبع: أبي كان قد توفّي في ذلك الوقت.
رحمة: في أي عام توفّي والدك؟
أبو أصبع: توفّي والدي في سبتمبر عام 1966.
رحمة: إذًا، ماذا كان موقف شقيقك الأكبر أحمد، كونه المسؤول عنك، عندما عرف بهذه المهمة؟
أبو أصبع: أخي أحمد كان مشرّدًا، هاربًا من السجن وملاحقة العسكر.
رحمة: كم جلست في هذه المهمة؟
أبو أصبع: طبعًا قيادة الحزب في إب كانت مطاردة ومشرّدة، وأنا تحملت المسؤولية في أكتوبر عامي 1968 و1969 وقمنا بشغل قوي جداً وفي تلك الفترة خرج المدرسون المصريون من اليمن، ولم يكن هناك مدرسون في المدارس، فقالوا على خريجي الثانوية العامة التدريس. وأنا في ذلك العام كنت أول خريج أدرّس مع زملائي خريجي الثانوية العامة في المدارس. وعدنا إلى إب، وكانت مناسبة أن أدرّس وأتحمل مسؤولية عمل التنظيم. وكانت جبلة وإب من أقوى مناطق حركة القوميين العرب أو الحزب الديمقراطي الثوري اليمني.
رحمة: وما هي أبرز الصعوبات والتحديات التي واجهتها؟
أبو أصبع: كنت في مدرسة الوحدة، ومعي محمد زين العودي المدير والشاعر الشعبي الكبير، وهو قريب منّا من الحزب الديمقراطي. وكان الأستاذ العلاية نائبًا، وكان قريبًا لنا، وقد أثّرتُ أنا عليه. وكان عملي الأساسي الحزب، وكنت أتحمل 18 مسؤولية تنظيمية، وفي اليوم الواحد كنت أعمل من ثلاث إلى أربع مسؤوليات. ولهذا أمسكت إب، ولم يأتِ عامٌ واحد إلا والحزب الديمقراطي يمسك إب بيدٍ من حديد. وقمنا بتأسيس نقابات للسائقين، وعمال البنوك، والموظفين، وحتى لمن يبيعون الحطب.

رحمة: أستاذ يحيى، بعد أن تحمّلت ملف الحزب الديمقراطي الثوري اليمني في إب، هل يمكنك أن تحدثنا عن أبرز الإنجازات وأبرز التحديات؟
أبو أصبع: أبرز التحديات جاءت انتخابات عام 1970، انتخابات مجلس الشورى في اليمن. واستطعنا أن ننجح أربع دوائر للحزب: واحدة في السياني(زيد مطيع دماج)، وواحدة في جبلة (أحمد منصور أبو أصبع)، وواحدة في المخادر (محمد أحمد الصبري)، وواحدة في إب (عبدالحفيظ بهران).
وأنا أريد أن أحدثك عن عبدالحفيظ بهران وعن إب. في إب ترشّح ثمانية: عبدالحفيظ بهران، ومن المشايخ علي إسماعيل با سلامة، والإخوان المسلمون، والشخصيات الكبيرة مثل محمد قاسم العنسي، وغيرهم. وجرت الانتخابات، وسأحدثك عن نتيجة الفرز: عبدالحفيظ بهران مرشح مستقل، لكنه محسوب على الحزب الديمقراطي، وحصل على 2800 صوت، وكان بعده الأخ الأستاذ الفاضل محمد الراشدي من الإخوان المسلمين، وحصل على 60 صوتًا فقط. ولاحظي الفارق، أما الآخرون فتراوحت أصواتهم ما بين 10 و15 صوتًا.

وبالتالي، استطعنا أن نبني منظمة في إب كانت مسيطرة على كل شيء: على العقول والكبار والصغار، والعلماء، وخاصة أسرة بيت الصباحي والحداد وغيرهم. وكان هناك تثقيف؛ كانت هناك جلسات تنظيمية تتضمن مسؤوليات نضالية، وجلسة ثقافية أسبوعية لقراءة الكتب وتلخيصها، ومسؤولية نضالية يومية، وحساب وعقاب، ونقد ذاتي شديد لأي تصرفات.
وكان المحافظ حينها أمين عبدالواسع نعمان، وعندما ظهرت هذه النتيجة جاء قرار من صنعاء برفض النتيجة رفضًا كاملًا. واجتمع المشائخ في صنعاء وقرروا عدم السماح بنجاح هذه الدائرة، وضرورة إعادة الانتخابات. حاول أمين عبدالواسع نعمان الاتصال وإخبارهم أن إب بيد الحزب الديمقراطي، وأن الأصوات صحيحة، لكنهم لم يستوعبوا ذلك، فغضب وسافر إلى مدينة تعز.
حاول عبدالرحمن الإرياني، لأنه يعرف عبدالحفيظ بهران وشقيقه يحيى بهران، وأخاه من المناضلين، وهم من إب، وعنده بيت الإرياني أكثرهم متحزّبون ويمكن أن يأتوا له بالأخبار، لكنه لم يستطع، والمشائخ قالوا: لا يمكن السماح.
رحمة: أستاذ يحيى، من باب التشويق أولًا، وصلنا إلى نهاية الحلقة. دعنا نترك بقية الحديث للحلقة القادمة. مشاهدينا، في الحلقة القادمة نناقش الصراع الذي تم بعد ثورة 26 سبتمبر بين ما سماهم يحيى أبو أصبع الجمهوريين التقليديين، والجمهوريين الليبراليين، وكيف أثبت الحزب الديمقراطي الثوري اليمني نفسه في محافظة إب. نلقاكم في الحلقة القادمة.
ينشر هذا الحوار بالتزامن مع بثه على قناة "حكايتي" على يوتيوب، إعداد وتقديم الإعلامية رحمة حجيرة. لمشاهدة الحلقة (اضغط هنا)