ادارة الوقوف في منتصف اللا مكان
طارق صالح ليس رجل فكرة ولا حامل مشروع؛ بل هو وريث حالة. حالة اسمها "النظام السابق"، أعادت تدوير نفسها في زي جديد بخطاب أقل صخباً، وطموح يحاول أن يبدو وطنياً من دون أن يتخلى عن جذوره العائلية. ظهر بعد مقتل عمه مقدماً نفسه بوصفه الرجل الذي تعلّم من الهزيمة. لا شعارات كبيرة ولا إفراط في الحديث عن الجمهورية ولا مزايدات ثورية. لكن هذا الانضباط الخطابي لم يُنتج فكرة جديدة بل أدار الذاكرة بحذر.
لا يأتيك بوصفه سياسياً بل نسخة مهذبة من الماضي؛ نسخة تحاول إقناعك أن المشكلة لم تكن في النظام، بل في طريقة سقوطه. لا يحمل كاريزما العم ولا فظاظة الخصوم، ولا حتى فوضى الجنرالات الجدد. هو ابن مدرسة قديمة تعلّمت أن البقاء أهم من الظهور، وأن الغموض أحياناً أصلح من الوضوح. يتحرك ضمن حدود ضيقة اسمها "المخا"، كأنها قلعة عائمة في بحر متلاطم من المصالح، يتعامل معها كأنها دولة مؤقتة لا يسمح لها بالاتساع ولا بالانكماش.
في الأزمة الحالية، بدا طارق أشبه برجل واقف على مفترق طرق، ممسكاً بخيوط تتشابك في كل اتجاه. كل خيط يسحب في مسار مختلف، وكل خطوة محكومة بتوازنات غير مكتوبة. لا يريد أن يعلن دعمه للانفصال، ولا يرغب في الوقوف مع الوحدة بوصفها مشروعاً سياسياً متكاملاً. كل ما يريده هو أن يبقى حيّاً سياسياً، محافظاً على دوره كأداة فاعلة، لكنه ليس شريكاً كاملاً. إنه الرجل الذي يعرف أن السياسة ليست شجاعة فردية، بل شبكة مصالح ورهانات.
في المخا، لم يكن المكان مجرد مدينة يمنية، بل مختبراً لاستراتيجية الجلوس الطويل. الإمارات لم تدعم طارق ليبني دولة أو ليصبح زعيماً وطنياً، بل لتأمين الساحل الغربي وطمأنة الخارج، بينما يظل الداخل بلا رؤية جديدة. الدعم الذي حظي به لم يكن لأنه يحمل مشروع دولة، بل لأنه لا يهدد أحداً. رجل يمكن التفاهم معه، يمكن إيقافه، كما يمكن إبقاؤه في حجمه المناسب.
لكن بعد المستجدات الأخيرة، لم يعد هذا الموقع الرمادي مجرد اختيار محسوب، بل صار موضع مساءلة. خروج الإمارات من التحالف لم يكن تفصيلاً عابراً، بل زلزالاً صامتاً هزّ الأرض التي يقف عليها طارق بثبات بارد. فجأة لم تعد المخا مساحة محايدة بل موقعاً يُعاد تقييمه، ولم تعد "المقاومة الوطنية" قوة مؤجلة، بل ملفاً مفتوحاً على طاولة إعادة الترتيب.
المفارقة الكبرى أن الرجل الذي لم يكن مشروعاً سياسياً كاملاً تحول بحكم الفراغ إلى قوة لا يرغب أحد في كسرها، ولا أحد مستعد لتبنيها. السعودية لا تراه خصماً لكنها لا تمنحه ثقة كاملة، والإمارات وقد خففت قبضتها، لم تعد قادرة على فرضه لاعباً. هكذا وجد نفسه معلقاً بين رعايتين، واحدة صامتة وأخرى منسحبة.
طارق حالياً أشبه بحارس مخزن أُغلق نصفه، ويفكر في بيع نصفه الآخر. لا أحد يطالبه بالمغادرة، ولا أحد يسلمه المفاتيح كاملة. يُطلب منه فقط أن يبقى حيث هو، هادئاً غير مزعج. ليس لأنه الأقوى، بل لأنه الأقل وضوحاً في الانتماء. رجل بلا لافتة صاخبة.
طارق صالح جزء من معادلة إدارة الأزمة، نسخة محسّنة من الماضي بلا قدرة على تجاوزه. حارس يتقن الوقوف في منتصف الطريق. لكن المنتصف في اليمن ليس منطقة أمان، بل مساحة انتظار طويلة، حيث يواصل التاريخ والسخرية اللعب، بينما هو يحرس موقعاً بلا خطة للخروج، محاولاً أن يظل حياً سياسياً في عالم يفضّل أصحاب المبادرة على الحراس.