في اليمن… حين يتحول الخلاف إلى مشروع إقصاء
في اليمن، شمالًا وجنوبًا، لم يعد الخلاف السياسي مجرد تباين في الرؤى أو اختلاف في قراءة التاريخ والمستقبل، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى مشروع إقصاء متكامل. كل طرف يتحدث باسم "القضية"، ويمنح نفسه حق النطق باسم الشعب، ثم يجرّد خصومه من هذا الحق، وكأن الوطن ملكية خاصة، أو غنيمة حرب لا تتسع إلا لمنتصر واحد.
في الجنوب على وجه الخصوص، تتخذ هذه الحالة بعدًا أكثر حساسية وخطورة. فالقضية الجنوبية، التي وُلدت من رحم المظلومية والظلم والإقصاء، يجري اليوم توظيفها أحيانًا كأداة لإنتاج إقصاء جديد، لا يقل قسوة عمّا عاناه الجنوبيون في مراحل سابقة. المفارقة المؤلمة أن من يرفعون شعار استعادة الدولة، يمارس بعضهم منطق الدولة الغائبة: لا قانون، لا شراكة، لا اعتراف بالآخر.
لم نعد نسمع بعضنا. كل صوت خارج السرب يُتّهم فورًا بالخيانة، أو بالعمالة، أو بمعاداة "الإرادة الشعبية". وكأن الإرادة الشعبية كيان ثابت لا يتغير، أو صوت واحد لا يحتمل التعدد. لا أستطيع إقناعك لأنك لا تسمعني، ولا تستطيع إقناعي لأنني لا أُسمعك، لكن الأخطر أننا لا نريد أن نسمع أصلًا، لأن السماع يفرض علينا أسئلة محرجة لا ترغب القوى المتصارعة في مواجهتها.
في اليمن عمومًا، وفي الجنوب تحديدًا، تحوّل الصراع من نقاش حول شكل الدولة ومستقبلها، إلى معركة حول من يملك الحق في الوجود السياسي. هذا التحول هو جوهر الأزمة، وهو السبب الحقيقي لاستمرار الاستنزاف. حين يُختزل الوطن في فصيل، والفصيل في قيادة، والقيادة في خطاب مقدس، يصبح أي اختلاف تهديدًا وجوديًا، لا رأيًا سياسيًا.
السؤال الذي يتهرب منه الجميع هو: ماذا نريد فعلًا؟
هل نريد دولة أم سلطة؟
هل نريد استعادة الجنوب ككيان سياسي جامع، أم كمنصة حكم لفئة واحدة؟
وهل نبحث عن خلاص الناس، أم عن انتصار سردية؟
الحرية التي يُنادى بها في الساحات لا يمكن أن تُجزأ. لا يمكن المطالبة بحرية الجنوب مع قمع أصوات جنوبيين يختلفون في الرأي. ولا يمكن الحديث عن كرامة وطنية مع ممارسة الإهانة والتخوين بحق كل من يطرح سؤالًا أو يبدي تحفظًا. من يفعل ذلك لا يحمي القضية، بل يفرغها من مضمونها الأخلاقي والسياسي.
لقد علّمتنا التجربة اليمنية القريبة أن الإقصاء لا يبني دولة. ما جرى بعد الوحدة، وما سبقها من صراعات جنوبية داخلية، وما أعقب 2015 من تعدد سلطات الأمر الواقع، كلها شواهد على أن منطق الغلبة لا ينتج استقرارًا. كل منتصر مؤقت، وكل مهزوم مؤجل، والشعب وحده يدفع الثمن.
في الجنوب اليوم، هناك خوف صامت لا يُقال علنًا: خوف من تكرار التجارب القديمة بأدوات جديدة. خوف من أن تتحول القضية العادلة إلى سلطة مغلقة، وأن يُعاد إنتاج الصراع داخل البيت الجنوبي نفسه، ولكن تحت شعارات مختلفة. هذا الخوف ليس خيانة، بل ذاكرة سياسية مشروعة، ناتجة عن تاريخ طويل من الصراعات الدموية.
أما في اليمن ككل، فإن استمرار هذا الصمم المتبادل يفتح الباب واسعًا للتدخل الخارجي، ويحوّل البلاد إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية. فالمجتمع المنقسم، الذي يُقصي بعضه بعضًا، لا يستطيع حماية سيادته، ولا بناء قراره الوطني المستقل.
الاعتراف بحق الآخر في التفكير والتعبير ليس ضعفًا سياسيًا، بل شرطًا لبقاء أي مشروع وطني، شماليًا كان أم جنوبيًا. لا قضية جنوبية بلا جنوبيين مختلفين، ولا يمن موحّد أو متصالح مع ذاته بلا قبول التنوع. من يرفض هذا المبدأ لا يختلف مع خصومه فقط، بل يعادي فكرة الدولة الحديثة نفسها.
اليمن، والجنوب ضمنه، لا يحتاجان إلى مزيد من الشعارات، بل إلى شجاعة سياسية تعترف بأن لا أحد يملك الحقيقة كاملة، وأن الوطن أكبر من الجميع، وأن إفناء الآخر طريق سريع إلى إفناء القضية نفسها.
إما أن نتعلم كيف نسمع بعضنا اليوم،
أو سنجد أنفسنا غدًا نتحاور فوق أنقاض وطن لم يبقَ فيه ما يُقال.