ولت حقبة "الدولة الحاجز" في جنوب الجزيرة العربية وهذه لحظة الانقلاب على ثوابت السياسة السعودية في اليمن
كانت السعودية تتميز غيظا وهي ترى "دولتها" الحاجز تتحول بين عشية وضحاها إلى مركز متقدم للعدو الإيراني.
كان هذا انقلابا في حسابات الاقليم فوق قدرة اليمن ويتجاوز طاقة السعودية على الصبر.
ومن المرجح أن دوائر القرار في الرياض بدأت منذ سبتمبر( 2014) تتدارس افكار حول التعامل مع هذا الخطر المتنامي في "الحديقة الخلفية".
***
في يناير 2015 استكمل الحوثيون انقلابهم على الشرعية التوافقية بالإطباق على آخر المربعات الأمنية في العاصمة. ومذّأك بدأت العاصمة السعودية التخطيط ل"العاصفة" التي ستستعيد من خلالها مهابتها الجريحة و"الدولة الحاجز" معا.
***
تسير العملية السعودية في اليمن بوتيرة متأرجحة. والأكيد ان التحالف الذي تقوده الرياض تمكن من تحقيق اختراقات مهمة في الشهر الخامس من الحرب. صار ل"الشرعية" موضعا رئيسا في الداخل بعد استرداد عدن من تحالف الحوثي_ صالح. وهناك تقدما حاسما في أغلب المحافظات الجنوبية والشرقية. وتسير الحرب في تعز وإب لصالح التحالف بينما يرجح أن تلعب جبهة مأرب الدور البارز في حرب احتواء الحوثيين.
***
من غير المحتمل ان تفرز هذه الحرب الاهلية اليمنية_ الاقليمية خارطة جديدة للجزيرة العربية. ومن الواضح _ حتى الآن على الأقل_ ان الرياض لا تريد تسليم راية "الوحدة اليمنية" إلى طرف يمني مجددا. لذلك فإنها تبدو شديدة الحساسية حيال أية دعاوات انفصالية في الجنوب خلاف دول خليجية أخرى تشارك في التحالف.
ما ذهب إليه بعض المعلقين الاميركيين من احتمال وجود مخطط سعودي لإنشاء هلال سني (ضدا على الهلال الشيعي!) في اليمن يطوق الحوثيين (أو الزيدية) من الجنوب والشرق والغرب، يبدو أقرب ما يكون إلى التهويمات الاستشراقية التي تستهوي بعض الباحثين الغربيين الذين، كما تلاميذهم العرب، يميلون إلى تنميط الظواهر الاجتماعية والسياسية، وبالتالي وضع اليمن في خانة "المشرق العربي" الذي يغرق منذ سنوات في حروب يتداخل فيها الوطني بالطائفي بالاقليمي.
إن السعودية لا تملك المجازفة بإنشاء دولة حاجز في الجنوب والوسط، على سبيل المثال، ضد الخطر الشيعي (الافتراضي في الشمال الزيدي). هذا ليس عصر الحرب الباردة بين القطبين السوفييتي والاميركي، لتضمن انصباطا، مكفول دوليا، في حدودها الجنوبية. ثم ان تمزيق اليمن يعني استعار حروب الطوائف في اليمن، وتنامي الاستقطاب الطائفي والجهوي الذي ستستفيد منه الجماعات الاسلامية باعتبار ان حروب الطوائف هي "روح العصر" في العالم العربي. ثم أن دولة حاجز في الوسط والجنوب والشرق (باالانقصال أو بالتفكيك الفدرالي للدولة اليمنية) يعني ان الاقليم المخصص للمحافظات الشمالية الغربية (من ذمار إلى صعدة) والذي يمر من تحت جغرافية العاصمة اليمنية (الاتحادية) يعني أمرين: معزلا طائفيا جهويا لا انسانيا ضد "اليمنيين" في المناطق التي يتنمي اغلب سكانها الى الزيدية (وبالتالي بيئة حاضنة لأية جماعات شيعية متشددة تستثمر الاحباط الناجم عن هزم الحوثيين، او نسخة أكثر راديكالية من الحوثيين)؛ وجمهور واسع من اليمنيين الممزقين "هوياتيا" في بقية اجزاء اليمن (الاقاليم الخمسة الأخرى) تتنازعهم جماعات مصالح وأخرى جهوية وايديولوجية.
تخوض السعودية في اليمن حربا وجودية كما يظهر من جموح الخطاب والسلاح والاعلام.
لكن محصلة أي تفخيخ ل"الهوية الوطنية" قد تكون اخطر بكثير من مبررات خوض هذه الحرب. ذلك أن الشمال الزيدي الذي كان ركيزة الدولة الحاجز في السبعينات والثمانينات يصير وفق مخطط الرئيس الانتقالي هادي وخبراؤه الاستراتيجيون إمارة زيدية في الشمال (أقرب روحيا وسياسيا إلى طهران منها إلى الرياض). مثلما أن الهلال السني سيكون في ظل أفول "هوية وطنية يمنية" مشتلا مثاليا ل"داعش" يمني ينافس السعودية على تمثيل السنة من موقع اشد جذرية ضد "الفرس" و"الرافضة" و"المجوس".
***
السعودية في مأزق.
لكن اليمنيين عند حافة السقوط في وحل التمزق وحروب الطوائف.
هناك دائما فرص تمرق وتفوت وأخرى تلوح من وراء السنة النار واعمدة الدخان.
وهناك دروس وعبر من الماضي.
والدرس الأول سعوديا هو ان اليمن، ممزقا او موحدا، ما عاد "الدولة الحاجز" بأية حال.
والدرس الأول يمنيا وسعوديا ان تهديدا وجوديا لكيان دولة يعني بالضرورة تهديدا موازيا لكيان الدولة الأخرى.
اليمن (الشمالي ثم الجنوبي) والسعودية تعاصرتا في النشأة وتصارعتا في محطات في الماضي قبل أن ينحسم الصراع لصالح "الشقيقة الكبرى" في الجزيرة والخليج. وهذه الحرب الوجودية لأطراف عديدة في اليمن فضلا على السعودية، قد لا تتوقف آثارها التدميرية عند اللحظة الراهنة إن لم تتبلور رؤية جيدة للعلاقة بين اليمنيين والسعوديين تضع حدا لمقاربات الماضي التي جعلت من اليمن معزلا للفقراء ومشتلا للتطرف ومؤئلا للإرهاب. لكن هذا "المعزل" ليس من هذا العالم "الخليجي" بل هو الجزء الأكثر عراقة فيه (العربية السعيدة قديما) وهو المعزل الذي يفيض بموقعه وبخضائصه وبحيوية مجتمعه، بشبابه، على الاقليم مهما علت الجدران على حدوده.
تعرض اليمن عبر التاريخ الحديث لمحن أقسى من هذه التي يعبرها عليها الآن. وعندما تقرع أجراس السلام في القريب، سيرى العالم أن الشعب الذي يقطن هذه المنطقة المعذبة من جنوب الجزيرة العربية قادر على النهوض مجددا إذا كف جيرانه عن التعاطي معه باعتباره منبعا للأخطار والتهديدات، وإذا توقفوا عن مقاربته من زاوية "الدولة الحاجز".
هذا عصر مغاير.
واليمن لن يعود أبدا "دولة حاجز" لصالح أحد.
وعلى السعوديين والخليجيين ان يقرروا هم وجهتهم:
دولة أو دويلات "حاجز على شجرة المقامرات الاقليمية، او معزل يمني وراء الأسوار، او دولة يمنية عصرية تكون جزءا فاعلا في اقليمها وعالمها العربي.
هذا ليس قرار السعوديين وحلفائهم وحدهم.
هو أيضا، وأساسا، قرار اليمنيين.
* مقتطفات من مقال طويل نشر في اكتوبر 2015