تشريح السقوط: سوسيولوجيا العراء في اليمن
تعد "مظلة الحماية" في السياق الاجتماعي هي الميثاق غير المكتوب الذي يربط الفرد بالمجموع، والدولة بالمجتمع، والواقع بالمستقبل، وفي اليمن نحن لا نتحدث عن أزمة إنسانية بالمعنى الإحصائي البارد، بل نتحدث عن تآكل كلي للبنى التحتية الوجودية.
بينما تنشغل التقارير الدولية بلغة الأرقام والسعرات الحرارية، يغفل النظر عن الانهيار الأعمق: سقوط المظلة الاجتماعية. فما يحدث في اليمن اليوم هو "انكشاف وجودي" للفرد اليمني، حيث لم تعد المؤسسات (الدولة، القبيلة، الأسرة الممتدة) قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية، مما أدى إلى تحول المجتمع من حالة "التعاون البنيوي" إلى حالة "الذرات المتنافرة".
وتحولت الدولة من الدولة الراعية إلى الدولة الجابية، فقد سقطت أولى طبقات المظلة عندما توقفت الدولة عن أداء وظيفتها الحيوية كمنظم للموارد. وفي علم الاجتماع السياسي، تفقد الدولة شرعيتها ليس بسقوط العاصمة، بل بسقوط "العقد الخدمي". وتحول الفرد اليمني من مواطن له حقوق، إلى هدف لجبايات سلطات متعددة، مما خلق حالة من الاغتراب السياسي الذي جعل الفرد يشعر أنه يعيش في عراء مؤسسي كامل.
من جانب أخر أدت الحرب إلى تآكل "العصبية" والضمان الاجتماعي التقليدي، فلطالما كانت القبيلة والأسرة الممتدة في اليمن تمثل "شبكة أمان" بديلة عن ضعف الدولة. الصادم هو أن طول أمد الصراع وسحق الطبقة الوسطى أدى إلى تآكل الرأس مال الاجتماعي. لم تعد القبيلة قادرة على حماية أفرادها اقتصادياً، وبدأت الأسر الممتدة تتقوقع على أنويتها الصغيرة (الأب، الأم، الأطفال) نتيجة العوز الشديد. نحن نشهد "تذرير" المجتمع، حيث يصبح كل فرد جزيرة معزولة يصارع الغرق وحده.
إن أخطر ما في سقوط مظلة الحماية هو تحول الاستثناء إلى قاعدة. فعندما يسقط الأمان، يطور المجتمع ما يسمى بـ "التكيف السلبي"، لذا يصبح الجوع، وغياب التعليم، وفقدان الدواء مظاهر طبيعية للحياة اليومية. هذا التكيف ليس علامة قوة، بل هو موت بطيء للحس المدني؛ فالمجتمع الذي ينشغل كلياً بتأمين رغيف الخبز، يفقد قدرته على التفكير في التغيير أو المحاسبة أو حتى التضامن مع الآخرين وهذا ما أصبح عليه حال الناس.
مع سقوط الحماية القانونية والاقتصادية، برزت طبقة جديدة تعيش على الحرب والمسمى بطبقة "اقتصاد الظل"، هذه الطبقة خلقت مظلة حماية خاصة بها، قائمة على الولاءات الضيقة والمحسوبية، مما عمق الهوة الطبقية بشكل صادم. في اليمن اليوم، الفرد غير المنتمي لـ "جماعة ضغط" أو "ميليشيا" أو "شبكة نفوذ" هو إنسان منزوع الحماية تماماً، يعيش في منطقة ظل قانونية وأخلاقية.
من هنا تم تفكيك المقدس وسقوط الرمزية الاجتماعية، فتاريخياً كانت المنظومة القيمية في اليمن (العُرف، الشرف القبلي، التكافل الاجتماعي) تعمل كمظلة حماية رمزية حتى في غياب الدولة، لكن الصادم اليوم هو أن الفقر المدقع والحرب المزمنة قد اسقط هذه الرموز.
أصبح الولاء السياسي والقبلي يُباع ويشترى علناً نتيجة الحاجة البيولوجية، مما أسقط هيبة العهد القبلي التي كانت تشكل ميثاقاً اجتماعياً غليظاً، يأتي ذلك كنتيجة حتمية لانحسار العيب وتلاشي الكثير من الكوابح الاجتماعية (العيب) أمام ضغط الجوع؛ فنشأت ظواهر اجتماعية لم تكن مألوفة في البنية اليمنية الصلبة، مما يعني أن المظلة الأخلاقية سقطت بالتوازي مع المظلة المادية.
سقوط الحماية أدى إلى ظهور نمط من "اللجوء الوجودي". لم يعد اليمني يشعر بالأمان في قريته أو مدينته، هذا النزوح المستمر لم يغير الجغرافيا فحسب، بل دمر "الذاكرة المكانية" وشكل الغربة داخل الوطن، فحين يُقتلع الإنسان من بيئته الحاضنة ويلقى به في مخيمات أو مدن غريبة عنه بلا شبكة دعم، فإنه يفقد الهوية الاجتماعية الحميمة التي خرج منها، والنتيجة هي نشوء جيل بلا انتماء للمكان، جيل يرى الوطن مجرد ساحة صراع كبرى، مما يجعل استعادة السلم الاجتماعي في المستقبل عملية شبه مستحيلة بسبب تمزق النسيج المحلي.
نأتي للأسرة وتحولها من "وحدة إنتاج" إلى "وحدة استهلاك مهترئة"
تعد الأسرة هي القلعة الأخيرة اليوم، وتحت وطأة سقوط الحماية، نشهد تفكك السلطة الأبوية التقليدية: الأب الذي لا يستطيع توفير القوت لم يعد يمتلك السلطة الرمزية، مما أدى إلى بروز ظاهرة عمالة الأطفال وتجنيد القاصرين كبدائل اقتصادية بائسة، هذا السقوط حول الأسرة من مصدر للأمان إلى مصدر للضغط النفسي، حيث يُدفع بالأفراد نحو المجهول (الجبهات، التهريب، الهجرة غير الشرعية) فقط لتخفيف العبء عن المركز.
وفي ظل غياب مظلة الحماية القانونية، برز ما يمكن تسميته بـ "العدالة الخاصة"، فبدلاً من اللجوء للقضاء كمظلة رسمية، عاد الناس للمطالبة بحقوقهم عبر القوة المحضة أو الاحتماء بجماعات العنف، وهذا ليس مجرد غياب للدولة، بل هو استبدال للدولة بكانتونات القوة. وأصبح الشخص الذي لا يملك سلاحاً أو قبيلة مقاتلة أو مالاً، هو إنسان مستباح في اليمن الحالي.
إن سقوط مظلة الحماية في اليمن ليس مجرد حادث عارض، بل هو زلزال بنيوي أعاد المجتمع قروناً إلى الوراء، فاستعادة الحماية لا تبدأ بتوزيع المعونات، بل بإعادة بناء الثقة الاجتماعية وترميم العقد بين الفرد والمؤسسة، بدون ذلك، سيبقى اليمني يواجه قدره وحيداً، في عراء دولي لم تشهده المنطقة في تاريخها الحديث.
فسقوط مظلة الحماية في اليمن لم يترك المجتمع في حالة فوضى فقط، بل أعاد صياغة الإنسان اليمني ليكون كائناً يعيش في حالة طوارئ بيولوجية دائمة. لقد تم نزع "الإنسانية الاجتماعية" عنه ليصبح مجرد رقم في صراع البقاء. أي إننا أمام مجتمع يتم تجريده من كل أدوات الحماية ليواجه العدم وجهاً لوجه، مما قد يكون أولى مراحل التحول للتوحش.