إنما اليمنيون إخوة
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾
لم يكن الصراع في اليمن، في أي مرحلة من مراحله، صراعَ وجودٍ بين أطرافٍ متناحرة لا يجمعها شيء، بل كان ـ ولا يزال ـ فتنةً مركّبة بين إخوة تجمعهم روابط الدين، والدم، والمواطنة، والتاريخ المشترك. وأي محاولة لتوصيفه خارج هذا الإطار لا تُعد توصيفًا خاطئًا فحسب، بل تمثّل انزلاقًا خطيرًا نحو تبرير الإقصاء والاستئصال، وقطع الطريق أمام أي أفق حقيقي لإصلاح ذات البين.
لقد أثبتت سنوات الحرب الماضية أن منطق الغلبة لا يصنع استقرارًا، وأن الرهان على إضعاف الآخر بوصفه مدخلًا للحسم ليس سوى وهمٍ قاتل. فالحرب لم تُنتج منتصرين، بل جعلت الجميع مهزومين، وأنجبت حروبًا جانبية متناسلة، وقف في بعضها أطرافٌ يتفرّجون على اقتتال غيرهم ظنًّا أن ذلك يصب في مصلحتهم، فيما كانت النتيجة واحدة: استنزاف الجميع، وانسداد الأفق أمام الوطن والشعب على امتداد الجغرافيا اليمنية دون استثناء.
والأخطر من تلك الحروب ذاتها هو ما رافقها من تأسيسٍ ممنهج لثقافة العداء المطلق؛ حيث جرى تطبيع الكراهية، وتجريم الدعوة إلى التهدئة، وشيطنة كل خطابٍ يدعو إلى حقن الدماء. حتى أصبح الحديث عن المصالحة يُقابل بالسخرية أو التخوين، وكأن اليمن لا يمكن أن يستقر إلا بفناء طرفٍ لبقاء الآخر. وهذه ليست حالة عابرة، بل مؤشر خطير على تحوّل اجتماعي عميق يهدد مستقبل التعايش، حتى بين بسطاء الشعب الذين لا ناقة لهم ولا جمل في هذه الحروب والأزمات.
من هنا جاءت الدعوة إلى أن تبادر صنعاء، بوصفها طرفًا رئيسيًا ومركز ثقل سياسيًا واجتماعيًا، إلى اغتنام ما يجري من أحداث ـ خصوصًا في المحافظات الشرقية ـ لمدّ اليد إلى بقية الفرقاء، والدفع باتجاه إصلاح ذات البين. غير أن ردود الفعل الشعبية التي قوبلت بها هذه الدعوة كشفت حجم الخراب الذي أصاب الوعي الجمعي، وعمق القطيعة التي صُنعت خلال سنوات الحرب، في ظل غياب أي صوتٍ مؤثر يعترض على هذا المسار الانتحاري.
ومع ذلك، فإن الدعوة إلى إصلاح ذات البين لا ينبغي أن تكون رهينة الاستجابة الآنية أو الحسابات السياسية الضيقة. فهي، قبل أن تكون خيارًا سياسيًا، واجبٌ ديني وأخلاقي ووطني، وتأسيسٌ لخطابٍ مختلف يعيد الاعتبار لحقيقة أن ما يجري في اليمن هو فتنة لا تُحل بالقوة، ولا تُعالج بالاستئصال، بل بالحوار والمصالحة.
قد لا تثمر هذه الدعوة نتائج فورية، لكنها تضع حجر الأساس لتغييرٍ ضروري في الوعي والخطاب والسلوك، وتعيد التأكيد على حقيقةٍ جوهرية غُيّبت طويلًا:
أن اليمنيين، مهما اشتدّ خلافهم، ليسوا أعداءَ وجود، بل إخوة فرّقتهم السياسة، وجمعتهم الجغرافيا والتاريخ والدين والنسب، ولن يجمعهم من جديد إلا إصلاح ذات البين.