بهرجة الإعلام القاتل
إذا لم يكن من الموت بدّ،
فمن العار أن تعيش جبانًا.
عشنا أزمنة وحقبًا مرت بنا: حروب السويس وبورسعيد، حروب الاستقلال الوطني، هزيمة أمريكا في فيتنام. بدأ تغيّر الكون مع تكتيك ما أسموه بالجلاسنوست والبروسترويكا، ليُعاد صياغة العالم وفق هوى عولمة الشيطانين: مارجريت تاتشر والممثل الأمريكي الأرعن رونالد ريغان، ليُعادا صياغة العالم وفق ليبرلة رأسمالية تحلّق في فضاء مفتوح للمال، لرجال الأعمال، لهندسات مخابرات كونية عبر تطوير وسائل اتصالات تتنصّت، تجعل العالم الآخر أمام قوى الهيمنة الرأسمالية كتابًا مفتوحًا، يجري تغييره حينًا بتغيير غلافه، وحينًا عنوانه، وصولًا لإعادة صياغة المحتوى شكلًا ومضمونًا، بما يجعل الآخر تابعًا، مجرد متلقٍ ضعيف الحال والحيلة.
في منطقتنا العربية تم انبثاق عنوانين صادمين، مثلًا المعبر والآلية التي أُعيد من خلالهما صياغة منطقتنا العربية محتوى وجوهرًا، بما يتناسب مع ما سلف ذكره.
العامل الأول:
تمثّل بكارثة حرب الخليج الثانية، جوهرها إسقاط ليس نظام صدام فقط، بل إسقاط العراق بما يمثله من قوة وثروة وقاعدة علمية لا بد من القضاء عليها.
العامل الثاني:
تمثّل بما تم تسميته بثورات الربيع العربي، بقراءات صهيو-أمريكية، كما دلت عليه مذكرات ساسة أمريكيين سابقين. جوهر ما سُمّي بثورات الربيع العربي تمثّل بالقضاء التام على ما تراكم من لبنات أولى للمشروع الوطني، المتمثل بالمشروع الوطني للدولة الوطنية المستقلة سياسيًا واقتصاديًا، خارج نطاق التبعية قدر الإمكان.
للأسف تشكّل العالم بعد تدمير الاتحاد السوفيتي، ليقع فريسة ضمن لولب تاريخي متعاقب لمراحل تطور الرأسمالية، لتتحقق مقولة لينين: الإمبريالية أعلى مراحل الإمبريالية. تدرجت من بعد عبث مفاهيم تاتشر وريغان حتى مرحلة استحواذ العولمة المكتسحة الأسواق والأوطان، وتنميطها وفق رؤية أمريكية محكمة ثقافيًا، تعبث بالمكونات الوطنية تسليعًا وقيمًا، مرورًا بمرحلة النيوليبرالية وما تلاها من محاولات إعادة تصحيح أخطاء تنقلات رأس المال، الذي تحولت عبره الصين الرأسمالية بمفاهيم السوق الاشتراكية، لتجد الرأسمالية ذاتها مواجهة وحشًا كاسرًا يتحداها بنفس أدواتها.
وعند نقطة الخطر، حرّكت الرأسمالية أدواتها الكاسرة عبر آلية إثارة الحروب والنزاعات، وأكثر المناطق التي تجرعت آفات ذلك السم كانت المنطقة العربية، ضمن مفهوم الشرق الأوسط المُنشأ والمُقسّم تاريخيًا عبر تفاهمات إمبريالية، جوهرها خدمة مصالح الغرب أولًا، وعبر وكيل حصري متمثل بالكيان الصهيوني، ومحاصرة الاتحاد السوفيتي سابقًا، وعدم تمدده نحو مياه البحر المتوسط، إلى جانب مراقبة ومحاصرة الصين، خاصة مع تعزز العلاقات الثنائية بين إيران وروسيا والصين، عبر مخاطر تمدد مشروع الصين العملاق: طريق الحرير.
أعود إلى مرحلة مبكرة تم خلالها زرع بذور الإضعاف الممنهج لمكانة وقوة المكون العربي، حيث تلت مرحلة حرب 73 بروز عوامل ضاغطة وصاعدة لمركز منطقة الخليج النفطية، عبر اعتماد آلية البترودولار، وما رافقه من تولد قوة مالية خليجية، ترتب عبرها انتقال مركز الثقل للقرار العربي إلى منطقة الخليج النفطية، على حساب المركز التاريخي لمصر، مركز وثقل القدرة العربية.
وباقي المراحل ترجمتها التغيرات التي عُبث عبرها بالمنطقة العربية، إذ باتت ممزقة القدرات وذات تأثير متلاشي على النطاق الدولي. وآخر تعبيراتها كان بعد دمار العراق، وما لحقه من دمار وحروب دمرت اليمن وليبيا والسودان، وخروج سوريا من حسابات الردع العربي، وفقدان جزء كبير من سيادتها، وباتت الجزائر محاصرة ومراقبة ضمن تدخلات فرنسية.
لنصل إلى نهاية المطاف، إلى ما نعيشه من لحظة عدم وجود سياسي حقيقي، تعيش فيها بلداننا العربية مرحلة أشبه بمرحلة طرد وإبادة الهنود الحمر في الولايات المتحدة. فالعراق مفتت ومهدد، والسودان يتأرجح بين أن يكون سودانًا أو شيئًا آخر. ليبيا يُعاث فيها فسادًا وتُنهب ثروتها، وتتقاتل أزلامها التي تم توليدها وصناعتها وتغذية استمرارها بطريقة مشابهة لما يجري بباقي بلادنا العربية.
اليمن يحترب بالوكالة عبر قوى وأطراف تم تخليقها وتمويلها وتوظيفها وتسليحها لأغراض لا تخص تحريرها، بل يتم تجهيزها لتكون جاهزة عند الطلب والحاجة، كالمخلب الموجّه وفق إرادة المسيطر والموجّه، لتحقيق مآرب تبدو عناوينها براقة، لكن جوهرها يصب في خدمة ومصلحة الممول، ومن يقدم السلاح والغطاء الدبلوماسي والإعلامي عند اللزوم.
ذلك ما يدور في بلادنا العربية التي أشرنا إليها: ليبيا، السودان، سوريا، اليمن. أما مصر العربية، التي هزمت مشروع الربيع العربي بقوة جيشها الوطني، فقد باتت محاصرة ليس صهيو-أمريكيًا فقط، بل عربيًا أيضًا، تمامًا كالجزائر.
نعود للقول إن ما دار خلال سنوات ترامب وبايدن وترامب لا يخرج عن لعبة صهيو-أمريكية، اتضحت بجلاء خلال حرب إبادة غزة، وما جرى ويجري من تخادم صهيوني أمريكي. وتعبير التخادم نمط كامن في جوهر هيمنة وسطوة قوة العولمة الرأسمالية.
فحين جرى التخادم مبكرًا بين الرأسمالية العالمية وإعادة تخليق منطقة الخليج لتصبح مركز الثقل للقرار السياسي العربي، أُصيبت المنطقة العربية بجلطة مميتة، عساها تفوق، لكن بعد خراب مالطا. فالقضية الفلسطينية يحدث بها ما يشاء، وبلادنا تُساق لغرفة الإعدام بأيدي إخوة يوسف.
والسودان لا يخفى عليكم وعلى حميدتي ومن كوّنه وموله. والمؤلم، بل القاتل، هو ذاته الذي يفتك بنا حاليًا، ضمن إشعال حالة الحرب الضروس التي تتقاذفنا حممها، سواء عبر طلقات البنادق أو كذبات تنبع من فوهات إعلام يكذب عبر فبركات ينطق صوتًا وصورة، تحليلًا مخاتلًا لا يكذب، لكنه لا يقول الحقيقة، ولا يحلل موضوعيًا ما يدور، لأن مراكز تغذية المعلومات التي جهزتها مراكز المال الأقوى تسيطر على المعلومة ومراكز تدفقها، والأخطر السيطرة، بطريقة أو بأخرى، على مراكز القرار.
للأسف، أغلب بلداننا العربية باتت إما حقل تجارب أو مرتعًا لقوى تدير وتعبث بالمكونات التابعة، بعد أن فقدت صفة الوطنية، لتتحول إلى بندقية مأجورة. الشعب وبلده يحصدان الحصرم؛ فلا مشاريع لبناء دولة، ولا يحسنون، بل مجرد قوى على الأرض تتقاتل، تنفذ ما تؤول نتائجه الحقيقية لمصلحة من يدمرون البلدان.
وآخر المبتكرات المتأخرة التي قُذفت للميدان تمثلت بالمسرحية الهزلية لآخر مشهد من مشاهد مسرحية التطبيع داخل خيمة اتفاقات أبراهام. ولا عزاء لنا مما يقتلنا من إعلام كذاب، وفيديوهات ومشاهدات بمئات الآلاف والملايين. ولا نامت أعين الكذابين والممولين.
للأسف الشديد، العالم يُدار عبر مبعوثي ترامب، أو عبر مشروع الاتفاقات الإبراهيمية، أو عبر أكثر من لجنة رباعية، أخطرها اللجنة الرباعية التي تدير ملف بلادنا عبر الثلاثي: أمريكا وبريطانيا، والإمارات تلعب دور المحلل، والمملكة تحاول ما استطاعت حماية لأمنها.
أما ما خُطط للشرق الأوسط الجديد، فلعبة صهيو-أمريكية، آخر أفلامها على شاشات العرض العربية فيلم مستجد لعلاقة دبلوماسية مشبوهة بين الكيان الصهيوني وأرض صوماليلاند، وهناك من يتبع الطريق من السابقين واللاحقين. وإنها، لعمري، لحظة مشابهة لسقوط الأندلس، وبعدها سقوط بغداد.