شهادتي على مسار الجنوب من المقاومة إلى الكيان الموازي
بعد تحرير عدن في عام 2015، كانت لديّ، ومعي عدد من قيادات المقاومة الجنوبية، هواجس حقيقية من أن ننزلق إلى فرض سلطة أمر واقع، وهو ما كنا ندرك أنه سيقودنا إلى مواجهة مع التحالف، ويعيد عدن إلى مربع الفوضى والصراع. في ذلك الوقت، جاء موقف الأخ هاني بن بريك، نائب رئيس مجلس المقاومة في عدن، حاسمًا، إذ بادر بشكل منفرد إلى حل مجلس المقاومة، وأبلغنا كقيادات بضرورة تسليم السلاح للدولة، محذرًا من أن استمرار حمل السلاح خارج إطار الشرعية سيجعلنا نُحسب مليشيات متمردة قد تتعرض للاستهداف.

امتثلنا لذلك التوجه، لا عن ضعف، بل عن قناعة بأن بناء الدولة هو الخيار الأقل كلفة والأكثر أمانًا. عملت شخصيًا، ومعي آخرون، على دمج شباب المقاومة في المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية، إيمانًا بأن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة، وأن المقاومة لا يمكن أن تتحول إلى بديل عنها.
عندما عُيّن الأخ عيدروس الزبيدي محافظًا لعدن، توجهنا إليه، نحن مجموعة من قيادات الحراك الجنوبي والمقاومة، وطرحنا عليه فكرة إنشاء مجلس جنوبي يضم مختلف الأطراف والمكونات السياسية والمجتمعية، انطلاقًا من تجارب ولقاءات سابقة هدفت إلى توحيد الصف الجنوبي، كان آخرها محاولة تأسيس المؤتمر الجنوبي الجامع التي لم يُكتب لها النجاح. غير أن ردّه كان صادمًا لي شخصيًا، إذ قال بحدة إننا نريد إعادته إلى "زمن الحراك"، مؤكّدًا أنه أصبح مع الشرعية، وأن تلك المرحلة قد انتهت. غادرنا اللقاء، وذهب كلٌ منا في طريقه، وقد ترك ذلك الرد جرحًا عميقًا في الثقة.

بعد إقالة الأخ عيدروس الزبيدي من منصبه كمحافظ لعدن، أُعلن في عام 2017 عن تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي بدعم إماراتي واضح. لم يكن ذلك مجرد إعلان سياسي، بل تزامن مع تسليم المجلس القوات العسكرية التي أنشأتها الإمارات من شباب المقاومة، وهي قوات كانت الشرعية قد سعت من قبل إلى دمجها ضمن مؤسسات الدولة. في تلك اللحظة، بات واضحًا لي أن المجلس الانتقالي يتحول إلى كيان سياسي مسلح خارج إطار الدولة.

في عام 2018، قام المجلس الانتقالي بطرد الحكومة والرئيس عبدربه منصور هادي من عدن، وأعلن ما سُمّي بالإدارة الذاتية. ثم جاء اتفاق الرياض ليمنح هذا الكيان شرعية سياسية، ويدخله الحكومة مناصفة باعتباره ممثلًا للجنوب. وبعد نقل السلطة من الرئيس هادي إلى مجلس القيادة الرئاسي، أصبح المجلس الانتقالي شريكًا في الحكومة وعضوًا في المجلس الرئاسي، إلى جانب احتفاظه الكامل بقواته المسلحة ونفوذه الأمني والعسكري على الأرض.

من هذا المنطلق، لا أرى ما يقوم به المجلس الانتقالي اليوم في حضرموت والمهرة إلا امتدادًا طبيعيًا لما قام به سابقًا في عدن ولحج وأبين وشبوة، وسط صمت إقليمي ودولي لافت، ودون أي مساءلة حقيقية. ما يقلقني، كجنوبي قبل أي شيء آخر، هو أن المجلس الانتقالي يتصرف وكأنه الممثل الوحيد للقضية الجنوبية، في حين أن الواقع يؤكد وجود مكونات سياسية ومجتمعية جنوبية كثيرة لا تنضوي تحته ولا تفوضه تمثيلها.

وإذا كنت أقدّر قلق المملكة العربية السعودية من وجود كيان مسلح على حدودها، فإن قلقي كجنوبي أكبر وأعمق. أخشى أن يُسلَّم مصير الجنوب وقضيته العادلة إلى مكون مليشياوي اختطف هذه القضية، ووضعها في لعبة إقليمية ودولية معقدة لا علاقة للجنوب بها، بل وأصبح يخدم أجندات خارجية تريد من المجلس الانتقالي أن يكون قوة بيدها، تنفذ ما يُطلب منها، فيما يدفع الجنوب وحده ثمن ذلك حاضرًا ومستقبلًا.