صنعاء 19C امطار خفيفة

تعز الرقم غير المشاهد في معادلة الحكم

تمثل تعز همزة وصل بين الشمال والجنوب، وقد أدركت عدد من الدويلات التي نشأت في اليمن، والتي كان آخرها دولة الإمام أحمد يحيى حميد الدين، أهميتها الجغرافية والسياسية.. ودفعت تعز ثمنًا باهظًا لموقعها الجغرافي ودورها التاريخي وجغرافيتها السياسية في الربط بين الشمال والجنوب، ومازالت تدفع ضريبة موقعها الجغرافي على الخارطة اليمنية إلى اليوم.

تعرضت تعز لمظالم كبيرة شمالًا وجنوبًا، ولم يطالب أبناؤها الراشدون أو غير الراشدين بإنصافها.. تعز قاتلت في الشمال دفاعًا عن الثورة، وقدمت آلاف الشهداء، وسرح أبناؤها بعشرات الآلاف من جيش سبتمبر بعد أحداث أغسطس التي افتعلتها قوى الطائفية السياسية، وفي هذا المقام يمكن أن نقول بأن تعز بحكم ثقافتها وبحكم تنوعها الاجتماعي والبشري والثقافي، تمقت التعصب والعصبيات.
ومن مشاكل تعز التي تصيبها بالصداع الدائم، أن بعض مشايخها وبعض أبنائها قابلون للشراء وبثمن بخس، وفي هذا الصدد هي لا تختلف عن المحافظات اليمنية الأخرى، اللهم فقط في كونها لا تستخدم العصبيات المناطقية والقبلية من أجل الكسب السياسي.
قدمت تعز مئات الشهداء في الجنوب ضد الاستعمار البريطاني، وأصبحوا في نظر الجنوبيين "دحابشة"، ويتحملون المسؤولية عما وصلت إليه الأوضاع في الجنوب.. هذا هو قدر وقضاء تعز بحكم موقعها وبحكم الكثافة السكانية التي تمثلها، فهي أصبحت تشكل ما يقرب من ربع سكان اليمن، وهذا قدرها، فهي تستقبل الكثير من سكان اليمن كمواطنين كاملي المواطنة، وحتى أولئك الذين هم ليسوا من أبنائها، وأاهموا في الحركة الوطنية اليمنية، تعتبرهم رموزًا وطنية أطلقتها وتطلقها على المرافق العامة كالمدارس.
وتعز مازالت كما كانت في عهد الاستعمار التركي محافظة، ربما تكون مخصصاتها التنموية لا تساوي مخصصات تنمية محافظة صغيرة في عهد الثورة والجمهورية، وهي ورثت التهميش من الرئيس علي صالح عفاش.
وإذا وجد تقسيم إداري عادل يمكن أن تصبح إقليمًا مع محافظة إب في ظل إدارة اتحادية (فيدرالية) رشيدة، فإنها تستطيع أن تصبح الإقليم الأول في النهوض الاقتصادي والاجتماعي.
لكن تعز التي أقصيت من صفوف الجيش، وهي على ما أعتقد ليست الوحيدة، فهناك أيضًا محافظات أخرى تم إقصاؤها من جيش سبتمبر، وهي محافظة البيضاء ومحافظة الحديدة وبعض المناطق المرتبطة ببعض محافظات إب وحجة والمحويت وذمار.
كان الرئيس الأسبق علي صالح عفاش يعير أبناء تعز علنًا وجهارًا نهارًا بأنه ليس لديهم ثروات نفطية، وبأنهم لا يمتلكون ثروات معدنية، ويعيرهم في خطابات رسمية موثقة، ونظرًا لجهله فقد كان لا يدرك أن تعز تمتلك أهم ثروات اليمن، وهي الإنسان، فالمورد البشري من وجهة نظر الاقتصاديين هو أهم ثروة، لا سيما إذا كان هذا الإنسان قد تم صقله بالعلم والعمل، ويمكن أن تصبح تعز أجمل إقليم في اليمن لو تحولت اليمن إلى دولة فيدرالية.. لماذا؟ لأنها تمتلك الرأسمال الحقيقي الذي سيحولها إلى أجمل أقاليم اليمن، وهو الإنسان المنتج الفاعل والعامل العالم المثقف المهندس، وهو الذي يصنع رأس المال، وهو الذي يستخرج الذهب والمعادن الأخرى، وهو الذي يراكم الثروة، وهو الفنان المبدع والمربي الباني، وهو الطبيب الناجح المبدع.. هذه هي ثروة تعز، وهي الثروة الحقيقية لمن أراد ويريد أن يعمل تنمية، أو يرغب في النهوض الاقتصادي والاجتماعي.
وتعز على الرغم من أنها الرقم الأكثر أهمية في المعادلة السياسية اليمنية، لا سيما إذا وجدت ديمقراطية حقيقية أو دولة مدنية، إلا أنه يتم تجاهلها عند تقاسم الغنائم وتوزيع المناصب، ويصبح معيار التقاسم هو العضلات العسكرية التي تمتلكها كل منطقة، وقد يقول قائل إن تعز اليوم تمتلك قوة عسكرية، ونحن نقول إن هذه القوة تتبع علي محسن صالح، إنها قوة محسوبة على الهضبة وإن كان معظمها من أبنائها.
تعز كانت تمتلك في يوم ما مثل هذه العضلات، ولكنها تخلت عنها بمحض اختيارها، ورفضت الانفصال وإثارة العصبيات من أجل الاستحواذ والهيمنة والكسب الرخيص. ولم يبقَ أمام تعز من أجل أن تستعيد كرامتها إلا حالة واحدة، وهو مطالبتها بدولة مدنية، وبحكم يدار بالإدارة السياسية الاتحادية (فيدرالية) من أجل أن تبني نفسها وتعيد ترتيب أولوياتها من أجل مستقبل أبنائها وأجيالها، وعندها القدرة على تجاوز هذا الاختبار باقتدار منقطع النظير، وستقدم النموذج الأفضل لليمن الاتحادي.

الكلمات الدلالية